ارتفاع ملحوظ بنسبة الجرائم في لبنان... «تكتّم» مصحوب بغياب المحاسبة بـ«حزم»

ضغوط معيشية وإحباط... والنساء «الحلقة الأضعف»
خلال تشييع جثمان الأم وبناتها الثلاث اللواتي قتلن قبل أسابيع داخل كهف جنوب لبنان

بيروت: يغيب السلام بمختلف معانيه عن يوميات العائلات اللبنانية، فغالبيتها ترزح تحت وطأة مأزق معيشي يحول دون حصولها، منذ 3 سنوات، على وضع مستقر، بحكم الضائقة التي تحكم قبضتها على أبسط التفاصيل، وتمنع شريحة كبيرة من تأمين قوتها بالطريقة السليمة.


تُهيمن الأخبار البشعة والصادمة على حياة اللبنانيين الذين باتوا يستفيقون، بشكل شبه يومي، على جرائم قتل أو انتحار من فئة الشباب، في ظاهرة جديدة تزايدت بفعل الأوضاع الاقتصادية المتردية، تُضاف إلى عوامل أخرى كعدم الاستقرار السياسي، والفقر والبطالة، كما الثقافة الذكورية المتوارثة التي تفتك بنساء مهمّشات، من دون إغفال عدم تنفيذ القوانين بحزم وجدية، ما يجعل المجرمين يُنفّذون جريمتهم ببرودة، فرادع العقاب لا يزال يتّصف بالرعونة، في ظل المحسوبيات التي تحمي شريحة كبيرة من هؤلاء.


ارتفعت جرائم السرقة والخطف خلال الأشهر الأولى من العام الجاري داخل لبنان، مقارنة بالفترة ذاتها من السنوات الثلاث الماضية، وسجلت العديد من المناطق حالات انتحار وقتل تندرج في خانة الثأر والجرائم الفورية، وأخرى تحت اسم «الظروف الحالية»، فيما التبريرات ترافق غموضا يلفّ غالبيتها، والنتيجة «راحت عاللي راح».

أسباب الجرائم والانتحار متنوعة.. والضغوط حُجّتها!
تختصر الأرقام الرسمية ارتفاعاً غير مسبوق في الجرائم، وسجّل مطلع العام الحالي زيادة معدّلات الجريمة بنسبة 101 في المائة، وسط توقعات بارتفاعها مع تفاقم الأزمة الاقتصادية، من دون إغفال أن البعض يرفض تسجيل أقربائهم ممن أقدموا على الانتحار خوفاً من تعليقات مجتمع متخم بضغوط معيشية، بعد أن دخل اللبنانيون في نفق مظلم لم تبزغ خيوط شمس نهايته بعد، وبات واحد من بين 4 أشخاص في لبنان يعاني من أمراض نفسية.


تحدثت الأخصائية الاجتماعية والنفسية ملاك شقير لـ«المجلة» عن وجود مجموعة قد تدفع البعض إلى الانتحار، منها البطالة والإحباط والتوتر والخوف من المستقبل وفقدان الأمل في ظل أوضاع حياتية ضاغطة.


وشددت على أن «سبب ارتفاع نسبة الانتحار والقتل خلال السنوات الأخيرة مردّه إلى العديد من الأحداث التي دمغت تلك الفترة وتداعياتها، بدءاً من انفجار المرفأ والأزمة الاقتصادية مروراً بأزمة انهيار الليرة مقابل الدولار ومشكلة الودائع في المصارف، وصولاً إلى المشاكل الشخصية التي تحاصرهم على كل المستويات».

رغم التشريعات.. التكتّم يزيد الجرائم المخفية
لم ولن تكون جريمة قتل أم وبناتها الثلاث داخل مغارة (كهف) في أنصار جنوب لبنان الأخيرة، والتي لم تتكشّف بعد كامل ملابساتها، على الرغم من القبض على الجاني (ابن البلدة والذي كانت تربطه علاقة بإحدى الفتيات) وشريكه (السوري الجنسية) بعد اعترافهما بنقل الفتيات المخطوفات ووالدتهن إلى المغارة حيث تمت جريمة قتلهن، ليتبيّن أنه تم التخطيط للجريمة مسبقاً، وسط تخوّف من إقفال التحقيق كما جرت العادة، وطمس الملف من دون معرفة كل الأسباب والاقتصاص كما يجب من المجرمين.

تختصر الأرقام الرسمية ارتفاعاً غير مسبوق في الجرائم


هذا الواقع يكشف أنه لطالما كانت المرأة الحلقة الأضعف في مجتمعات ذكورية جعلت منها ضحية لموروثات اجتماعية وقوانين غير رادعة، إذ أعقبها مباشرة  بعد يومين سقوط امرأة أخرى مضرّجة بدمها على يد شقيق زوجها لخلاف على الميراث في شمال لبنان، فالضحية زوجة كانت أم ابنة، أم أختا أم حبيبة، حاضرة لتدفع الثمن في مجتمع ذكوري لا يزال يعيق وصولها إلى مراكز القرار ويتحايل على القانون لتبرير العنف تجاهها بكل أشكاله، وأسهلها جرائم الشرف، مدعّمة بتحليل مجتمع يتفنّن بتشويه سمعة الضحايا ويجد أسباباً تخفيفية للجاني، ما جعل من لجوء الكثيرين منهم، تحت هذا الستار، ينفذون جرائمهم ببرودة، والدليل ازدياد عدد الضحايا من النساء يوماً بعد يوم.


وشدد المحامي يحيى علاء الدين لـ«المجلة»على أن «التشريعات اللبنانية عدّلت بالقوانين لجهة حماية المرأة، وأصبح هناك خط ساخن تتلقى عبره المديرية العامة لقوى الأمن الشكاوى من المعنفّات وهي خطوة إيجابية لحماية المرأة والأسرة»، مشيراً إلى أنه «وعلى الرغم من ذلك، إلا أنه لم يُشكّل رادعاً لارتكاب الجريمة بسبب خوف الضحية».


وقال: «المرأة التي تتعرض للتحرش والعنف والإساءة اللفظية تخاف وربما تخجل، بحكم طبيعة  المجتمع الشرقي، من التبليغ عما تتعرض له، وهذا ما يؤدي إلى وجود جرائم مخفية».

المحامي يحيى علاء الدين


وأضاف: «عندما ترفع المرأة صوتها وتعلن عن تعرضها للابتزاز، يحد ذلك من تمادي الجاني بإجرامه، لذلك يتم العمل خلال المحاضرات على تحفيز المرأة على كسر حاجز الخوف وامتلاك الجرأة للكشف عما تتعرض له من إساءات لفظية ومعنوية وجسدية، فالقوانين اللبنانية ترعى وتحمي حقوق المرأة، ولا تمييز بينها وبين حقوق الرجل».


ولفت إلى أن «الرجل عند تعرضه لحادثة يقدم شكوى، أما المرأة فتتردد، وبالتالي يتكرر الجرم، والتكتّم عما يحصل بحقها هو الذي يساهم بعدم الاقتصاص من الجاني أو ردعه، كما أن اعتماد المصالحات العائلية في مجتمعاتنا من دون ضمانات لحقوق المرأة تشكل ضرراً عليها، إذ إنه يجعل من تعنيفها يتكرر ويزداد، بدءاً من الإساءة اللفظية وصولا إلى الضرب وحتى القتل».


وشدد على أن «الظروف الاقتصادية تولّد انفجار الوضع، خصوصاً أن عمليات السرقات والتشليح باتت سهلة من دون رادع أخلاقي أو ديني وحتى قانوني، إذ إن هناك متهمين يعترفون أمام القاضي بأنه قاموا بالسرقة بحجة إطعام أولادهم». وقال: «هذه ظاهرة مخيفة إذ إن السارق بدأ يتجرأ ويجاهر بأنه لا خيار أمامه في ظل الوضع المعيشي، وبات التدهور الحاصل خطة لتخطي القوانين وتبرير العنف».

قوانين حماية.. ولكن!  
تبقى النساء «فشة خلق» التسلط الذكوري في لبنان كما غالبية الدول، وتعنيفها لا يقتصر جسدياً فقط، بل يطالها نفسياً ومعنوياً، وتزداد هذه الممارسات العنفية مع تفاقم الظروف الأمنية والاقتصادية وانتشار الفوضى ، مع تسجيل تراخٍ في تشديد العقوبات لردع الجناة، على الرغم من إقرار قانون حماية النساء من العنف الأسري، فغياب الحماية الكافية للنساء أدى إلى تفاقم الجرائم والعنف بحقّهن.


وفي هذا الإطار، أكدت المديرة العامّة لمنظّمة المرأة العربيّة فاديا كيوان لـ«المجلة» على أن «وضع لبنان ككل اليوم ليس على ما يرام، فالقوى الأمنية على الرغم من كل ما تبذله من جهود، إلا أنها عاجزةٌ عن الاستجابة السريعة تجاه كل ما يحصل من جرائم، وليس فقط الجرائم التي تطال النساء».
ولفتت إلى أنه «وفي حين أن هناك مَخافر تقوم باستجابةٍ سريعة عند أي تبليغ بجريمة عنف تجاه النساء يبقى هناك مخافر تماطل وتتأخر في الاستجابة»، مشددة على «وجود تفاعل قوي بين القوى الأمنية والجمعيات المختصة لكن الأمر ما زال بحاجة لبذل المزيد من الجهود لحماية النساء».
واعتبرت كيوان أن «ارتفاع نسبة العنف ضد المرأة في هذه الفترة مرتبط بالضغط المعيشي الذي يعيشه اللبنانيون والتحديات الكبيرة التي يواجهونها، إذ إنه كلما كان الضغط في المجتمع كبيرا يزداد العنف وبخاصة لدى الفئات التي هي تعتبر الحلقات الأضعف»، لافتة إلى أنه «خلال فترة كورونا والحجر الصحي ارتفعت نسبة العنف ضد النساء والفتيات في العالم وليس فقط في لبنان».

المديرة العامّة لمنظّمة المرأة العربيّة فاديا كيوان


وحول ما يجب القيام به لردع المتمادين في مثل هذه الانتهاكات، طالبت كيوان «بضرورة التشدد في تطبيق القوانين، لاسيما أنه تم خلال السنوات الأخيرة التطوير في مجال التشريعات وأصبح هناك تعديل للتشريع الخاص بالعنف الأسري وإمكانية مساءلة أكبر وتوعية للجهات المختصة معالجة الشكاوى، فمن المفروض أن يكون هناك تشدد في تطبيق القوانين، وعلى النساء أن يكون لديهن الوعي الكافي لتجنّب المواجهات والاحتكاكات التي تولّد العنف، ولكن في حال تعرضها للعنف بأي شكل من أشكاله عليها أن تشتكي وترفع الصوت».


وأعربت عن أملها في أن «تخف التحديات والأعباء الكبيرة والمشقات القاسية جدأ التي يعيشها الشعب اللبناني وكل المقيمين في البلد خلال هذه الفترة الحرجة».


وشددت كيوان على أنه «لا يمكن استيعاب الجريمة المرعبة التي حصلت في بلدة أنصار بحق الأم وبناتها الثلاث اللواتي تم قتلهّن، ما لا يمكن القبول بأي تبريرات لها بعدما تبينت كل خيوط الحادثة ووجود شركاء للمجرم، إذ إنه وبحسب التحقيقات الأولية تبين أن هذه الجريمة ليست جريمة انفعالية وإنما جريمة مخطط لها ومدبرة مسبقاً، أي إن هناك من دبّر القتل وخطط ونسق أكثر من شخص بقصد قتل السيدة وبناتها الثلاث».
ودعت إلى «إنزال أشد العقوبات بحق المجرمين وكشف خيوطها كاملة، بالتعاون مع كل الأجهزة الأمنية، كما على المجتمع أن يدين بشدة هذه الجريمة وأن يتبرأ من القاتل، فإنزال العقوبات القاسية بحق المجرمين هي بحد ذاتها عبرة لمن تسوّل له نفسه على التطاول حياة الآخرين»، مشيرة إلى أن «هناك نقاشا حول موضوع إعدام القاتل، ولكن يفتروض أن تكون هناك عقوبات مشددة حيال هكذا جرائم، خصوصاً أنه مخطط لها وليست انفعالية».