اجتماع النقب: تحالف مرتقب أم لقاء لإبداء القلق والعتب؟

تل أبيب: استضافت إسرائيل في صحراء النقب يومي 27 و28 مارس (آذار) 2022 اجتماعا تاريخيا غير مسبوق منذ قيامها سنة 1948 ضم إلى جانب وزير خارجيتها ونظيره الأميركي، وزراء خارجية أربع دول عربية هي مصر والمغرب والإمارات والبحرين.

ورغم أن الاجتماع انفض دون إصدار بيان مشترك بين الوزراء الحاضرين، إلا أن أهميته تكمن في ترتيب انعقاده على عجل ودون تخطيط مسبق، وفي سرعة استجابة الوزراء العرب على غير العادة لدعوة نظيرهم الإسرائيلي الذي حرص على التئامه بحضور وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية، الذي كانت زيارته لإسرائيل مبرمجة من قبل.

وفي المعلومات المتاحة، فإن الجانب الإسرائيلي المضيف للاجتماع لم يصر على إصدار بيان مشترك رغم رغبته في ذلك، لأنه كان يعلم استحالة قبول بعض الأطراف لإصدار هذا البيان نظرا لوجود تباين كبير في مواقف البلدان المشاركة حول معظم القضايا المطروحة. ولهذا استعيض عنه بندوة صحافية للوزراء الستة عرض خلالها كل واحد منهم موقف بلاده من الأحداث الدولية الساخنة، وخاصة أحداث المنطقة وتطوراتها، وما يتوخاه كل بلد من اجتماع كهذا.

كان يفترض أن يحظى النزاع العربي الإسرائيلي بالأولوية في أجندة هذا الاجتماع اعتبارا لمكان انعقاده في إسرائيل الطرف الرئيسي والمحوري في النزاع، ولحضور وزير خارجية أميركا الراعي الرئيسي لعملية التسوية السياسية السلمية في الشرق الأوسط، ناهيك عن مشاركة وزير خارجية مصر البلد السباق إلى إبرام معاهدة سلام مع الدولة العبرية، ووزير خارجية المغرب الدولة الأكثر انغماسا في البحث عن السلام في المنطقة، والمعقود لها لواء رئاسة لجنة القدس.

ولكن تبين من تصريحات الوزراء أن النزاع العربي الإسرائيلي كان ثانويا، بل وعابرا في حديث المجتمعين. لقد كان لافتا للانتباه أن الوزير الإسرائيلي المضيف لم يتناول موضوع السلام مع الفلسطينيين بتاتا منسجما في ذلك مع آيديولوجيا حزبه ووثيقة الائتلاف الحكومي المشارك فيه، المرتكزة على تصفية القضية الفلسطينية عبر توسيع الاستيطان في الضفة الغربية لكي يستحيل تطبيق حل الدولتين.

وبدوره اكتفى الوزير الأميركي بالإشارة إلى أن اتفاقات السلام بين إسرائيل وعدد من دول المنطقة لا تلغي ضرورة الوصول لاتفاق سلام مع الفلسطينيين دون تحديد مرجعيته، مشددا أكثر على ما بات يعرف بالسلام الاقتصادي بالتأكيد على أهمية تحسين فرص عيش الإسرائيليين والفلسطينيين سوية، وعلى ضرورة التكاتف لمواجهة الإرهاب والعنف وإطلاق عملية لترسيخ التعايش الديني وتعزيز التسامح في المنطقة. 

وحدهم بعض الوزراء العرب انتهزوا الفرصة للتأكيد على أن سيادة قيم التسامح والتعايش تتطلب إحياء عملية السلام على أساس حل الدولتين مع القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية المنتظرة. وقد بدا من أجواء الندوة الصحافية أن حديث الوزراء العرب عن السلام لم يكن بالنبرة الحادة المطلوبة، إذ لم يثر أي رد فعل أو تعقيب لا من الوزير الإسرائيلي ولا من نظيره الأميركي؛ بل يمكن القول إن الجانب الإسرائيلي حقق مبتغاه في هذا الصدد قبل التئام الاجتماع نفسه، وذلك بعدم إصرار الأطراف العربية المشاركة على ضرورة حضور الفلسطينيين، وبقرار الأردن عدم الحضور رغم الدعوة الموجهة إليه، والذي فضل التوجه إلى رام الله للتأكيد على أن المنطقة لن تنعم بالأمن والاستقرار دون تسوية القضية الفلسطينية.

وخلافا لتهميش موضوع التسوية السياسية في الشرق الأوسط، فقد حظي موضوع التهديد النووي الإيراني وما يرتبط به من أعمال عنف وإرهاب بحصة الأسد في مداولات المجتمعين دون تبلور موقف جماعي إزاء ما تمثله إيران من تهديدات، رغم أن الوزير الإسرائيلي حاول الإيحاء بغير ذلك عندما أكد أن لقاء النقب يشكل  في حد ذاته رسالة قوية لإيران تشير إلى وجود استعداد إقليمي لمواجهة أطماعها التوسعية، والتحديات التي تمثلها أذرعها المذهبية والإرهابية في المنطقة.

لقد حضرت الاجتماع دول تشارك إسرائيل توجسها مما تقوله عن تهديد إيراني جدي لأمنها وخطر وجودي على كيانها؛ ولكن ذلك لم يكن كافيا لبلورة موقف مشترك من المجتمعين بخصوص الملف النووي لإيران وأدوارها الإقليمية المستفزة، إذ إن الوزير الأميركي كان قادما لإسرائيل لإخبارها بقرار واشنطن إغلاق هذا الملف بإنجاز الاتفاق المنتظر، ولطمأنتها من تداعيات هذا القرار، والرفع المحتمل للعقوبات المفروضة على إيران، التي سيسمح لها أيضا بسحب بعض أرصدتها المالية المجمدة.

وعلى عكس ما ادعاه الوزير الإسرائيلي عن نجاح الاجتماع الذي قال إنه وضع أولى لبنات «بناء منظومة أمنية إقليمية بقدرات مشتركة كفيلة بردع الأعداء المشتركين ووكلائهم في المنطقة»؛ فإن المعطيات السابقة، إضافة إلى حرص وزير الخارجية المصري على التأكيد فور عودته إلى القاهرة بأن مشاركته في اجتماع النقب لم تكن من أجل تشكيل تحالف ضد أي طرف، تدحض ذلك الادعاء ليتضح بأن لقاء النقب كان مجرد مناسبة نقلت خلالها إسرائيل والدول العربية المشاركة رسائل متعددة إلى الإدارة الأميركية في شخص وزير خارجيتها.

وتتلخص تلك الرسائل في  معاتبة الإدارة الأميركية وإبداء قلق كل دولة حسب مصالحها الخاصة مما تراه من تذبذب وعدم وضوح في السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة الممتدة من صحراء ريجستان الأفغانية، مرورا بصحراء النقب الإسرائيلية وصولا إلى كثبان رمال الصحراء المغربية.

ورغم أن الوزير الإسرائيلي، الذي سعى إلى توظيف الاجتماع لرفع أسهم حزبه داخل إسرائيل، أبدى تفاؤلا كبيرا بشأن المستقبل حين أكد على أن هذا المنتدى جاء ليصنع التاريخ، وسيتوسع وسيصبح حدثا سنويا، فإنه لا يعدو سوى محاولة أخرى من محاولات البحث عن السلام، الذي لن يتحقق ولن يكون دائما  إلا إذا كان عادلا وشاملا.