روسيا: الغرب يدفع زيلينسكي لمواصلة القتال وسط تزايد سقوط ضحايا بين «الأشقاء»

النازيون الجدد في أوكرانيا بين الحقيقة والأساطير: «داعش» في ثوبها الأوروبي الجديد
السياسيون والعسكريون الروس يصفون القادة في أوكرانيا بأنهم «نازيون وقوميون» ويقولون إن الحرب تستهدفهم (رويترز)

موسكو: ما إن تبدو بارقة أمل، وبصيص ضوء في نهاية النفق المظلم، حتى تتعالى التحذيرات وتتدفق الإمدادات، العسكرية والاقتصادية، مصحوبة بالكثير من التحذيرات السياسية، تدعو الرئيس الأوكراني زيلينسكي إلى مواصلة القتال، وكأنما تنادي بضرورة مواصلة الحرب حتى آخر جندي أوكراني، وليسقط الأشقاء في شرك أعداء الأمس والغد، دون اعتبار لدروس الماضي القريب!


بداية، ليس صحيحا ما يقال حول أن أوكرانيا تواجه القوات الروسية وحدها. وليس صحيحا أن الناتو يقف بمعزل عما يجري على الأرض الأوكرانية وما جوارها من أراض روسية. ذلك ما أكدته المصادر الروسية، وما اعترف به آخرون كثيرون من ممثلي العواصم الغربية، بما كشفوا عنه من أشكال الدعم اللوجيستي والمادي المباشر وغير المباشر للقوات الأوكرانية، فضلا عن فصائل القوات الخاصة من فرنسا وبريطانيا وكرواتيا وغيرها من بلدان الناتو، وخبراء ومدربين عسكريين أميركيين ممن يشاركون اليوم في إدارة العمليات الحربية على الأرض الأوكرانية.


وذلك أيضا ما كشفت عنه مصادر وزارة الدفاع الروسية، وما اضطرت إلى الاعتراف به قيادات الاتحاد الأوروبي والناتو في معرض دعوتها إلى الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي بشأن ضرورة «حسم المعركة مع موسكو عسكريا، وليس عبر الطرق الدبلوماسية والسياسية». وفي ذلك الاعتراف ما يقول إن أوكرانيا تحارب بالوكالة نيابة عن آخرين يقفون على مقربة، في انتظار حسم معركتهم مع روسيا التي لطالما أعلنوها بوصفها «الهدف المؤجل»، قبل التحول إلى معركتهم النهائية مع الصين.


وكان الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي كشف أكثر من مرة عن استعداده لإعلان حياد بلاده، والتخلي عن أمل الانضمام إلى الناتو واستعادة وضعيتها النووية، وغير ذلك مما سبق وتوصل إليه الوفدان الروسي والأوكراني من وفاق واتفاق في مباحثاتهما في بيلاروس وفي إسطنبول! غير أنه سرعان ما كان ينكث أيضا عن وعوده وما يتوصل إليه في مباحثاته مع الجانب الروسي، ليتحول مع فريقه صوب الانصياع إلى الضغوط الغربية، والالتزام بما تمليه عليه فصائل القوميين المتطرفين من «النازيين الجدد»، على وقع تزايد الضغوط الإعلامية، والسياسية والاقتصادية ضد روسيا، على النحو الذي تضيع معه الحقائق، وتتراجع فيه الموضوعية.

صورة لمقاتلي كتيبة آزوف في أوكرانيا حيث يرفعون شعارهم إلى جانب شعار النازية وعلم حلف الناتو (تويتر)


وتواصلت اللقاءات على المستويات كافة، ومنها مستوى قمة رؤساء بلدان الناتو والاتحاد الأوروبي والسبعة الكبار، لتخلص إلى المزيد من العقوبات والضغوط ضد روسيا، وتدعو إلى استمرار القتال، في الوقت الذي يشد فيه البعض الرحال صوب كييف، ليس من أجل الدعوة إلى الجنوح نحو الحلول السلمية، بل وعلى النقيض من ذلك، في محاولة من أجل إقناع الرئيس الأوكراني بالمزيد من التشدد، سعيا وراء حسم المعركة مع روسيا «عسكريا».
وذلك ما توقفت موسكو الرسمية والشعبية عنده بالكثير من الدهشة المفعمة بالكثير من السخط والنقد والإدانة، التي زاد من حدتها ما تناقلته أجهزة الإعلام الروسية من تصريحات جوزيه بوريل رئيس المفوضية السياسية للاتحاد الأوروبي حول «ضرورة تحقيق النصر العسكري على روسيا في ساحات القتال».


وكان بوريل اعلن صراحة عن دعوته إلى الاستمرار في القتال، مؤكدا ضرورة «كسب هذه الحرب في ساحة المعركة»، بما يعني ضمنا الاعتراف بالعجز عن حسم معركته مع روسيا من خلال الضغوط والعقوبات الاقتصادية والسياسية. وعد بتزويد أوكرانيا بالمزيد من الأسلحة، وبالعمل من أجل  تبني عقوبات جديدة ضد روسيا، إلى جانب تخصيص مبلغ إضافي قدره 500 مليون يورو لشراء ما تحتاجه أوكرانيا من  أسلحة، إلى جانب فرض عقوبات جديدة على الاتحاد الروسي. وذلك ما سارعت المصادر الرسمية الروسية إلى شجبه وإدانته، بل وطالب فياتشيسلاف فولودين رئيس مجلس الدوما باستقالته من منصبه، بعد تجاوزه لمهامه، مؤكدا على أن واجباته تقتضي البحث عن حل للمشكلة من خلال الطرق الدبلوماسية، وليس عبر النفخ في نيران الحرب.


وفي هذا الصدد استعادت المصادر الروسية بعضا من تاريخ الأمس القريب، الذي ورغما عن «ظلامية» الكثير من صفحاته، فإنه لم يشهد إدلاء قادة الاتحاد الأوروبي بتصريحات على غرار ما يقال اليوم حول «أولوية النصر العسكري على الحل السياسي». لم يشهد العالم مثل تلك الأجواء إبان سنوات الحرب في يوغوسلافيا أو في ليبيا أو في أفغانستان، أو أثناء غزو التحالف الأميركي في العراق. وللمزيد من الإيضاح استعادت الأجهزة الإعلامية الروسية أسس قيام الاتحاد الأوروبي، وانطلاقه من مبادئ التكامل الأوروبي كمشروع سلمي يهدف إلى الحفاظ على السلام في أوروبا. قالت إن الاتحاد الأوروبي لطالما نأي بنفسه بعيدا عن المشاريع العسكرية التي تركها لمنظمة موازية وهي الناتو. أشارت إلى ما تحول إلى الجنوح صوبه اعتبارا من عام 2014 تاريخ الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، وما أعقب ذلك من انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا، واندلاع الحرب الأهلية في مناطق دونباس.


كما استعرضت أجهزة الإعلام الروسية زيارات الضيوف الغربيين للعاصمة الأوكرانية، بداية من جوزيب بوريل مفوض الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، وحتى زيارة المستشار النمساوى كارل نهامر، مرورا بأورسولا فون ديرلاين رئيسة المفوضية الأوروبية، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بما وعد به من قروض مالية وأسلحة ومعدات عسكرية منها 120 عربة مدرعة وأنظمة مضادة للسفن، ما يؤكد ما سبق ووعدت به الأوساط الغربية من تعاون مؤسسي مع أوكرانيا من جانب الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، والذي وصل الآن إلى مستوى تنفيذ مشاريع الدفاع المشتركة، على ضوء ما وعدوا به من انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، إلى جانب دعم قوات الناتو وتعزيز مواقعها في بلدان شرق أوروبا.


وذلك ما توقف عنده أيضا سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسية الذي كشف عن الأهداف الرئيسية من «العملية العسكرية الخاصة» وهي التسمية الرسمية للعمليات القتالية التي تشهدها المنطقة منذ الرابع والعشرين من فبراير (شباط) الماضي. قال لافروف: «إن عمليتنا العسكرية الخاصة، تهدف إلى وضع حد للتوسع والمسار المتهور نحو الهيمنة الكاملة للولايات المتحدة ومعها بقية الدول الغربية على الساحة الدولية». وإذ أشار إلى أن هذه الهيمنة الأميركية تقوم على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، استعرض الوزير الروسي ما سبق وشهدته كوسوفو من اعتراف عالمي بدون استفتاء شعبي، في الوقت الذي يرفض فيه الكثيرون الاعتراف باستقلال شبه جزيرة القرم، رغم إجراء أكثر من استفتاء على هذا الاستقلال منذ مطلع تسعينات القرن الماضي. كما  أشار لافروف إلى ما جرى في العراق، بحجة تهديده للأمن القومي القومي الأميركي من موقعه على مبعدة عشرة آلاف كيلومتر من الولايات المتحدة. قال إن هناك من تخيلوا في العراق تهديدًا لأمنهم الأميركي بحجة واهية، وهي وجود أسلحة الدمار الشامل التي سرعان ما أدرك العالم بأسره زيف ما طرحوه من أدلة ودون أن يصدر عنهم أي اعتذار.

بوتين: دول رائدة  في الناتو تدعم النازيين الجدد في أوكرانيا


توقف لافروف كذلك عند تصاعد أخطار النازيين الجدد والمتطرفين على مقربة مباشرة من الحدود الروسية، إلى جانب إنشاء العشرات من المختبرات العسكرية البيولوجية الأميركية، وما شهدته من التجارب التي تستهدف في المقام الأول صناعة الأسلحة البيولوجية، حسب ما جرى العثور عليه من وثائق تؤكد مثل هذه الأخطار التي لا يرقي إليها الشك على مقربة مباشرة من الحدود الروسية، وليس عبر المحيط، على حد قوله. وكانت موسكو كشفت رسميا عن بعض ما جرى العثور عليه من وثائق تؤكد دور الولايات المتحدة وهانتر بايدن ابن الرئيس الأميركي جو بايدن في تمويل مثل هذه المشروعات والوقوف وراء تنفيذها.

من الذي يقف وراء عودة الفاشية والنازية إلى أوكرانيا؟
ثمة من يقول في هذا الصدد إن الكثيرين من أعضاء الأسرة الدولية ممن يقفون اليوم إلى جانب أوكرانيا يدركون عن يقين مدى هشاشة الكثير مما تطرحه أوكرانيا ومن يدعمها، من أسانيد وقرائن تقول بما تتعرض له من أخطار من جانب الشقيقة الكبرى، التي لطالما عاشت معها في وفاق ووئام انطلاقا من أصولهما السلافية المشتركة. حتى الانتماء المشترك للغة الأوكرانية مع الروسية والبيلاروسية والبولندية والصربية وعدد آخر من اللغات الشقيقة إلى اللغة السلافية القديمة، يظهر اليوم في أوكرانيا من ينكره ويدحضه ويشكك فيه، رغما عن كل ثوابت ومبادئ نظريات فقه لغات الأسرة السلافية. ناهيك عن مفردات التاريخ المشترك الذي يمتد لقرون طويلة خلت. تحاول أوكرانيا اليوم التملص من تبعات هذا التاريخ، لتخوض معركة ليست معركتها، وحربا يعرف القاصي والداني أنها حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. إنها حرب بالوكالة تكابد ويلاتها لصالح آخرين فيما وراء المحيط حسب تقديرات كثيرين، ومنهم من اضطرته تضاريس الجغرافيا، ومفردات التاريخ إلى «القبول بالأمر الواقع»، وإن عادوا إلى إعلان مواقف مغايرة، على غرار ما تكشف عنه كل من المجر وصربيا من آن لآخر. وذلك ما يعترفون به في أوكرانيا قبل غيرها من أصدقاء الأمس القريب.
وإذا كان الكثيرون من أعضاء الأسرة الدولية ممن تضطرهم ظروفهم الجيوسياسية إلى الانصياع لتعليمات وضغوط الولايات المتحدة، يقعون عن طيب خاطر في شرك ما يسمي التضامن مع أوكرانيا، فإن ذلك لا يمكن إلا أن يعني ضمنا قبول هؤلاء بما يقف على طرفي نقيض من قناعاتهم، ولِمَا كانوا يرفعونه من شعارات تدين العنصرية والتمييز، فضلا عن الفاشية والنازية التي عادت إلى صدارة الحياة السياسية في أوكرانيا منذ نجاح الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش في فبراير (شباط) 2014.

عناصر من «القطاع الأيمن» يقومون بتدريب متطوعين لقتال روسيا، فبراير 2022 (A.A)


وكان الرئيس بوتين أعلن تصفية النازيين الجدد في أوكرانيا واحدا من أهم أهداف حملته العسكرية التي تتواصل في أوكرانيا منذ 24 فبراير الماضي، على اعتبار أن ظهورهم يظل من أهم الاخطار التي تهدد بلاده منذ الإطاحة بالرئيس الأوكراني الأسبق، فضلا عن يقينه من أن معركته الحقيقية مع الولايات المتحدة وليست مع أوكرانيا، بنفس القدر الذي يدرك معه أن واشنطن تواصل بذل جهودها من أجل الحيلولة دون استعادة الدولة الروسية للمكانة التي تستحق، وبما يتسق مع ما تملكه من مصادر قوة ومن ثروات مادية تبلغ ما يزيد على 30 في المائة من ثروات العالم من غاز ونفط ومعادن، فضلا عن قدراتها العلمية والتقنية والثقافية والفنية. وهو ما يبدو أفضل حائط صد يمكن لن يقيها شرور وتبعات كل هذا الكم الهائل من العقوبات والضغوط التي لم تتوقف ضد روسيا منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية في 2014.


وفي ذلك تكمن أيضا الكثير من تفاسير الأسباب التي تقف وراء عودة الولايات المتحدة ومعها حلفاؤها من البلدان الغربية إلى محاولات إحياء النازيين الجدد، على غرار ما سبق وفعلته في أفغانستان حين وقفت ومعها أيضا حلفاؤها من البلدان الغربية والعربية، إلى جانب صناعة الإرهابيين ودعم تشكيلاتهم ومنظماتهم، ومنها القاعدة في مواجهة الاتحاد السوفياتي السابق. ويذكر المراقبون أن الولايات المتحدة لم ترتدع ولم تتعظ مما أصابها في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، لتعود وتقف وراء تشكيل داعش والنصرة وغيرهما من التنظيمات الإرهابية التي تستعين بها اليوم في إطار مخطط دعم أوكرانيا في معركة ليست معركتها. وفي هذا الصدد يتوقف الكثيرون من المراقبين عند خطورة إغفال المجتمع الدولي لمخاطر اللعب بنار النازية والتطرف القومي والديني في القارة الأوروبية.


وفي هذا الصدد نستشهد بما اعترف به الرئيس بوتين في أعقاب لقائه مع ضيفه وصديقه ألكسندر لوكاشينكو رئيس بيلاروس حول أن أوكرانيا تتحول يوما بعد يوم إلى رأس جسر مناهض لروسيا. أما عن موقفه من النازيين الجدد فقال بوتين إن «براعم القومية والنازية الجديدة كانت موجودة في أوكرانيا، وإنها بدأت في النمو منذ فترة طويلة هناك». وأضاف الرئيس الروسي أن هناك من يتعمد تغذية نمو النازية الجديدة، وأن صدام روسيا مع هذه القوى كان أمرا حتميا، فيما كشف عن أنه استبق الموعد الذي كانت هذه القوى حددته للهجوم ضد الجمهوريتين اللتين اعترفت بهما موسكو قبل موعد العملية الروسية، وهو ما عاد ليؤكده لوكاشينكو رئيس بيلاروس.


وفيما يتعلق بالعقوبات الغربية واستمرار محاولات عزل روسيا عن العالم أعرب بوتين عن استعداد روسيا للتعاون مع جميع الشركاء الذين يرغبون في ذلك، مؤكدا أن بلاده لا تسعى للانغلاق، وأنها لن تعزل نفسها. وخلص إلى القول إنه «من المستحيل فرض عزلة محكمة على أي طرف في العالم الحديث، أما عن عزل بلد ضخم بحجم روسيا، فهو أمر مستحيل بالتأكيد. لذلك، سنعمل مع شركائنا الذين يريدون التعاون مع روسيا».

ماريوبول.. الدور والتاريخ
ما يجري في ماريوبول على ضفاف بحر آزوف، حيث تتواصل المعارك للشهر الثاني على التوالي، يقول  إن ماريوبول ليست مجرد مدينة أو ميناء على ضفاف بحر وإن بدا أقرب إلى البحار الصغيرة شبه المغلقة، إلا أنه يعني موقعا جيواستراتيجيا بالغ الأهمية. كما أن المدينة ومن موقعها كقلعة يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر على مقربة من شبه جزيرة القرم، تظل تحتفظ بأهميتها كميناء بحري ومركز تجاري، واحد أكبر مراكز صناعة الحديد والصلب في أوكرانيا، إلى جانب ما حظيت به من اهتمام وتحصينات هائلة منذ سنوات الاتحاد السوفياتي السابق، وبما تملكه كقلعة حربية، من قدرات فوق الأرض وتحتها. ومن هذا المنظور تعامل الجانبان الروسي والأوكراني مع هذه المدينة، بوصفها النقطة المحورية التي يمكن عندها حسم المواجهة العسكرية في جنوب شرقي أوكرانيا.


ولذا لم يكن غريبا أن يعلن الرئيس الأوكراني زيلينسكي مدى خطورة استسلام ماريوبول التي قال إن سقوطها يعني عمليا نقطة تحول جذرية في مسار الحرب الحالية. وذلك صحيح إلى حد كبير وهو ما جعل فصائل النازيين الجدد وفي مقدمتها ما يسمى كتيبة آزوف اليمينية المتطرفة تتمسك بها، في الوقت نفسه الذي تعلم فيه القوات الروسية أن الاستيلاء عليها يعني بداية نهاية الحرب الحالية. وذلك ما تحقق في نهاية المطاف، رغما عن كل ما بذلته القوى الغربية من جهود لإطالة أمد الحرب، سعيا وراء إنهاك القوات الروسية من جانب، والاستمرار في الضغوط والحصار والعقوبات ضد روسيا حتى موعد الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر المقبل من جانب آخر.

كتيبة آزوف أشهر حركات اليمين المتطرف في أوكرانيا، والتي تقول وسائل إعلام غربية إنها سعت لتصدير آيديولوجيتها المتطرفة إلى الغرب (غيتي)


ومن المعروف أن هذه المدينة كانت شهدت أوج صدام «كتيبة آزوف النازية» التي انضوت تحت لواء القوات الحكومية الأوكرانية، مع قوات «الانفصاليين» من مقاطعة دونيتسك بعد إعلان استقلالها في عام 2014، وهو الصدام الذي شهد وقوع الكثير من المعارك الدامية وانتهى بفرض القوات الحكومية لسيطرتها على المدينة والمنطقة. وظلت الأمور على ما كانت عليه حتى تاريخ إعلان اعتراف روسيا باستقلال هذه الجمهورية، وما ترتب علي ذلك من خطة استعادة بقية أراضيها في إطار حدودها التاريخية. وتشير تطورات الأحداث الأخيرة في هذه المنطقة بالغة الأهمية الجيواستراتيجية، إلى أن موسكو تبدو وقد انتهت من حسم المعركة عسكريا، بكل ما يترتب على ذلك مما وضعته في صدارة أهدافها الحربية في جنوب شرقي أوكرانيا. وفي هذا الصدد أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن استسلام ما يزيد على ألف من مشاة البحرية إلى جانب مئات الجرحى. ومن هذه الأهداف ما يتعلق باستعادة كل أراضي مقاطعة دونيتسك حتى الحدود التاريخية لمنطقة الدونباس، التي كانت السلطات الأوكرانية سارعت إلى الاستيلاء على قرابة نصفها في أعقاب إعلان لوغانسك ودونيتسك عن انفصالهما من جانب واحد عن أوكرانيا في فبراير 20214 في أعقاب الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الأسبق فيكتور يانوكوفيتش. وكانت موسكو سارعت في مستهل عمليتها العسكرية في 24 فبراير الماضي إلى الإعلان حول أنها لا تسعى إلى تقسيم أوكرانيا أو احتلال أي أجزاء من أراضيها. لكنها تسعي إلى نزع سلاحها وتصفية ما ينتشر بين ربوعها من فصائل النازيين الجدد، وإن لم تنف أنها في سبيلها إلى مساعدة الجمهوريتين (المعترف بهما من جانب موسكو) في مواجهة ما تتعرضان إليه من هجوم من جانب القوات الحكومية الأوكرانية، واستعادة ما فقدتاه من أراض حتى حدودهما الإدارية التاريخية.   


ومن هنا فإن ما يتردد اليوم حول قرب الانتهاء من تمشيط منطقة ماريوبول وإحكام كامل السيطرة عليها يعني ضمنا تحقيق نسبة كبيرة من الأهداف المرجوة من المعارك التي دارت هناك، الأمر الذي يعني نهاية المرحلة الأولى من هذه العملية العسكرية الخاصة. وهو ما يعني أيضا «كسر شوكة قوى النازيين الجدد» في هذه المنطقة، تمهيدا لملاحقتهم والقضاء عليهم في مواقع أخرى. وهو ما قد يكون المقدمة المناسبة لانضمام هاتين الجمهوريتين إلى الدولة الروسية على غرار انضمام شبه جزيرة القرم في عام 2014.

هل يريد الأوكرانيون حقا ابتزاز العالم؟
كثير مما تشهده البلدان الأوروبية والعالم من تطورات وأحداث ذات علاقة بالحرب في أوكرانيا، يقول إن هناك من الأوكرانيين من يحاول الإتجار بقضية يشوبها كثير من العوار. وثمة من يقول إن ما يصدر من تصريحات عن الرئيس الأوكراني زيلينسكي يشي ضمنا بأنه سقط عن طيب خاطر في شرك خصوم موسكو ممن يواصلون محاولاتهم تصفية حسابات شخصية مع الرئيس فلاديمير بوتين. فما يستخدمه من تعبيرات وما يصدر عنه من هنًات وإشارات يحسن توظيفها استنادا إلى ما يملك من خبرات فنان محترف، يميط اللثام عما يسعي إليه من مكاسب ذاتية، ومنها ما يتعلق بتحقيق بلاده لواحد من أهم طموحاتها وأحلامها وهو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي دون المرور بما يجب استيفاؤه من إجراءات قانونية ينص عليها ميثاق الانضمام إلى هذه المنظمة الأوروبية. وذلك في الوقت نفسه الذي كشف فيه عن رغبات متوحشة تستهدف طرد روسيا من مجلس الأمن الدولي، «وإلا فعلي الأمم المتحدة أن تتخذ قرار حل نفسها بنفسها»، على حد تعبيره في كلمته التي ألقاها خلال جلسة مجلس الأمن التي بحثت «مزاعم» ما وصفها بـ«جرائم روسيا» في بلدة بوتشا شمال غربي العاصمة كييف. وكان زيلينسكي سمح لنفسه بالتطاول على مكانة الرئيس الألماني فرانك شتاينماير الذي قال إنه «غير مُرَحب به» في كييف، لأسباب عزاها إلى أن شتاينماير على علاقة طيبة مع نظيره الروسي بوتين. وطالت تجاوزات زيلينسكي الكثيرين من قيادات البلدان الأوروبية، ومنهم فيكتور أوربان رئيس الحكومة المجرية الذي اتهمه بأن «الشك ساوره بشأن جرائم القوات الروسية في بلدة بوتشا، وطلب منه تقديم الدليل على ارتكاب الروس لهذه الجرائم»!. كما لجأ الرئيس الأوكراني إلى  «مسرحة» (إضفاء الطابع المسرحي) الكثير من تصرفاته وتحركاته ومنها الإدلاء بحديث تلفزيوني إلى وكالات أجنبية من مكانه جلوسا على سلم القصر الرئاسي الأوكراني، متصدرا «أكياس رمل» انتشرت على جانبيه في إشارة إلى حالة الحرب، متناسيا أنه كان يجلس على بساط أرجواني بالغ الفخامة يغطي درجات  سلم القصر الرئاسي.
أما عن المهاجرين الأوكرانيين ممن يواصلون العيش في كنف التميز وكرم الضيافة، فينقلون عنهم الكثير من النوادر والأساطير ومنها ما يتعلق بتحركات بعضهم على متن أفخر السيارات في البلدان الأوروبية، فضلا عما يتمتع به المهاجرون الأوكرانيون بحق ركوب القطارات ودخول المتاحف وغيرها من المؤسسات بالمجان. ونقلت مواقع التواصل الاجتماعي الكثير من الرسائل المتبادلة التي تؤكد التحركات السياحية للكثيرين من الأوكرانيين ومنهم من يتساءل عن عناوين الفنادق أو دور الضيافة التي يمكن أن تستضيف المهاجرين الأوكرانيين بالمجان، مقابل إبراز جواز السفر الأوكراني، على غرار القطارات ووسائل النقل العام التي تقبل ذلك. وقد تناقل الكثيرون من شهود العيان في العديد من العواصم الغربية الكثير من مشاهد وأمثلة محاولات الأوكرانيين الإتجار بوضعيتهم كمهاجرين ليسوا ككل المهاجرين. قال هؤلاء «إنهم يريدون معاملة خاصة ليست على غرار وضعية أمثالهم من المهاجرين الوافدين من بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا على سبيل المثال». ولم لا؟ ألم تعاملهم بولندا والمجر وغيرهما من البلدان المجاورة على نحو مغاير، حين اختارتهم دون غيرهم من حاملي جوازات السفر الأوكرانية من غير ذوى العيون الزرقاء، والبشرة البيضاء، والشعور الشقراء؟
وعلى النقيض من ذلك، نقلت المصادر الأوكرانية أخبارا تقول إن مجلس الرادا (البرلمان الأوكراني) يعكف على دراسة مشروع قانون يقضي بالتوجه إلى البلدان الأجنبية لإعادة المهاجرين الأوكرانيين ممن هم في سن التجنيد لأداء الخدمة العسكرية الإجبارية. وتناقلت وسائل الإعلام الروسية الكثير من أخبار وتحركات الأوكرانيين في المهجر الأوروبي.

الحملة العسكرية الروسية متواصلة في أوكرانيا (غيتي)


على أن ذلك كله لم يحُل دون وجود الكثيرين من الأوكرانيين الموضوعيين ممن يدركون مع أمثالهم من روسيا حقيقة المأساة التي تواجهها كل من أوكرانيا وروسيا على حد سواء، بانزلاق البلدين إلى حرب كان من الممكن أن لا تنشب. هؤلاء تنتابهم مشاعر مختلطة متشابهة تدفعهم إلى الخروج سوية إلى مظاهرات احتجاج تدين الاستمرار في الحرب، تؤكد عبثية استمرار القتال بين شعبين شقيقين فيما يرفعونه من شعارات مشتركة يجوبون بها شوارع عدد من البلدان الأوروبية، تدعو إلى حلول سلمية يمكن من خلالها اختزال مساحات الخلاف بين شعبين تربطهما كثير من أواصر الانتماء العرقي والتاريخ المشترك فضلا عن الجغرافيا التي لا تقبل الجدل. هؤلاء يدركون مغبة الاستمرار في حرب بالوكالة كما يقال، على نحو يبدون معه قريبين مما خلص إليه الرئيس بوتين خلال حديثه مع نظيره البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو في قاعدة «فوستوشني» الفضائية في الشرق الأقصى الروسي حين قال إن «هناك الكثير من الحديث عن أن الولايات المتحدة مستعدة للقتال مع روسيا «حتى آخر أوكراني»، هكذا يقولون عندهم وعندنا. والأمر حقا كذلك، على حد تعبير الرئيس الروسي.