عندما تتحول الدماء إلى خمر

قبل 26 عاما، بعد ظهر الثامن من أبريل (نيسان) من عام 1996 وقعت المأساة، عشر دقائق كانت كافية ليسقط عشرات القتلى والجرحى في مدينة قانا جنوبي لبنان، هرب مدنيون يومها إلى مركز قوات الأمم المتحدة (اليونيفيل) ظنا منهم أنهم سيكونون هناك بأمان من عملية «عناقيد الغضب»التي كانت تشنها إسرائيل على لبنان، ولكن القصف الإسرائيلي لحقهم إلى مقر الكتيبة التابعة لليونيفيل، فقصف المقر وقتل 106 من المدنيين وأصيب العشرات بجروح. وتسارع العالم لإدانة العملية، واجتمع آنذاك أعضاء مجلس الأمن للتصويت على قرار يدين إسرائيل ولكن الولايات المتحدة أجهضت يومها القرار باستخدام حق النقض الفيتو.

بعد 26 عاما من عملية قانا، تتلاحق التوترات في الأراضي الفلسطينية في أعقاب إطلاق صاروخ من قطاع غزة باتجاه إسرائيل، اشتباكات في القدس وداخل المسجد الأقصى بالقدس، وتصادف هذا العام تزامن شهر رمضان مع عيد الفصح اليهودي وعيد القيامة لدى المسيحيين. ولذلك، توافد الآف المصلين الفلسطينيين والإسرائيليين، يهودا ومسيحيين ومسلمين، وعدد من الزوار الأجانب على البلدة القديمة في القدس، مما أدى إلى زيادة التوترات حول الأماكن المقدسة المتنازع عليها.

عشر دقائق كانت كافية لتحصد حياة عشرات المدنيين في قانا، ولكن كم من عشر دقائق مثلها مرت علينا منذ تلك اللحظة، وكم من آلاف الأرواح أزهقت، والسواد الأعظم من الضحايا سقطوا على يد من يدعون العداء لإسرائيل. مئات المجازر التي تشبه قانا وأبشع، ارتكبها نظام الأسد ومعه مدعو مقاومة إسرائيل خلال الأعوام الـ11 الماضية في سوريا، وقبلها عشرات العمليات الإرهابية التي راح ضحيتها المئات في بغداد وعمان وبيروت، فكيف لنا أن نصدق دموع التماسيح عندما يتحدثون اليوم عن الأقصى أو يستذكرون ضحايا قانا؟

وكيف لهم أن يغضبوا من الفيتو الأميركي وهم الذين اختبأوا خلف الفيتو الروسي عشرات المرات ليستمروا بارتكاب مجازر لا تعد ولا تحصى بحق المدنيين في سوريا؟

في أبريل، ذكرى مجازر ومئات الضحايا، من دير بعلبة في حمص في العام 2012 إلى مجزرة الكيماوي في دوما في ريف دمشق بالعام 2018، وما بينهما من مجازر على مختلف مساحة الأراضي السورية، ارتكبها نظام بشار الأسد ومعه قوى «المقاومة والممانعة»المدعومة من إيران بقيادة حزب الله. في 18 أبريل، وياللسخرية، يوم ذكرى مجزرة قانا، هو أيضا ذكرى استشهاد الوزير والنائب اللبناني السابق باسل فليحان، الذي استشهد حرقا بعدما أصيب بالعملية الإرهابية التي استهدفت رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، والتي ارتكبها وفقا للمحكمة الدولية عناصر من «المقاومة والممانعة»في حزب الله.

كيف لنا أن نقنع العالم بأننا نريد العدالة لضحايا قانا والسلام للفسطينيين إن كان بعضنا الكثير يصفق لسقوط الضحايا إن كان القاتل غير إسرائيلي؟

أي عدالة تلك التي يريدونها أن تنصف طفل قانا وتهلل لجثث أطفال ممددة على الأرض مخنوقة بالكيماوي؟ وحدهم من ينشدون العدالة للجميع يدركون أن قتل المدنيين مدان، وحدهم من يرفضون قتل الأطفال وترويعهم إلى أي دين أو مذهب أو عرق انتموا يستحقون أن نسمع ونصدق ما يقولون، أما تجار الشعارات والقضايا أمثال قوى الممانعة والمقاومة فهم السبب الأول والأساس أن صار البعض يبرر قتل الأبرياء.

في قانا حول السيد المسيح الماء إلى خمر في معجزة سماوية، لكن قوى الممانعة السوداء تأبى إلا أن تحول دماءنا إلى خمر يسكرون به بنشوة تعيدهم للثأر من تاريخ موهوم في رؤوسهم، فمن سينقذ أرواحنا وأطفالنا من مطحنة الخوف والقتل والهمجية.