هل تنتهي طفرة الأعمال الدرامية المشتركة بعد انتهاء الحرب في سوريا؟

الدراما العربية عززت هجرة الفنانين السوريين بسبب الأجور المغرية
مسلسل «كسر عضم»

دمشق: ما إن يأتي رمضان حتى يحمل معه جواً مختلفاً عن أيام السنة سواء من الناحية الاجتماعية أو من التخطيط لإيجاد المتعة عبر الإنتاجات المرئية المجهزة خصيصاً للشهر الفضيل، لكونه لا يزال حاملاً مهما للإنتاجات العربية رغم المسلسلات التي تأتي طوال العام.

وبالنسبة للمشاهد العربي فإن رمضان له نكهة بالنسبة لما يشاهدونه ويتناقشون به وفي غالبية الأمر تتابع عروض وتكون مميزة لكثرة مشاهداتها واختلاف الآراء حيالها مع مديح وثناء وتمجيد لفنانين بسبب أدائهم ومشاركاتهم أيضاً.

والحالة السورية تعد الأكثر تشعباً لما فيها من إنتاجات محلية خالصة أو مشاركات عربية وإنتاجات مشتركة ومع كل موسم يتجدد الصراع حول العروض الدرامية والكوميدية السورية، البعض مستاء وآخرون يجدونها طريقاً للبقاء على الساحة، حتى إن لم يكن الإنتاج سورياً بالكامل.

 

الدراما العربية جاءت بسبب الحرب وتدني الأجور!

ما إن بدأت الحرب في سوريا، حتى خفض كثير من المنتجين أعمالهم لأسباب مختلفة منها تراجع الوضع الاقتصادي ورفض ممثلين المشاركة وسفر عدد منهم خارج سوريا، إضافة لصعوبة التصوير لعدم معرفة ما سيحدث.

وارتحل البعض للجارة لبنان لأجل تنفيذ أعمالهم كونها قريبة من سوريا، وساحة حيادية يخضع لها كل الممثلين السوريين دون وجود أي مانع لرفض المشاركة، وكان من أبرز هذه الإنتاجات مسلسل «قلم حمرة» للمخرج الراحل حاتم علي.

وبعد سنوات من الحرب جاءت الدراما السورية اللبنانية المشتركة وأخذ التصوير يتجول بين الأقطار العربية بما يخدم سير الأحداث في تلك الأعمال ونالت لقب الدراما العربية المشتركة واشتعل على أثرها نقاش حاد في الوسط الفني داخل سوريا، منهم من رحب وآخر اعتبرها طريقة للتسويق والاستحواذ على الممثل السوري المنافس في العالم العربي.

الصحافي والناقد الفني شارل عبد العزيز وضح الفرق بين الأعمال: «لدينا دراما محلية صرف مثل مسلسل (كسر عضم 2022) للمخرجة رشا شربتجي من منتج ومخرج وممثل، لكن لا يتم اعتبار أن مشاركة ممثل سوري في عمل لبلد عربي يعتبر مشتركاً، وإن كان غير ذلك فهذا يعني أن مسلسل (حدائق الشيطان) الذي شارك به الممثل السوري جمال سليمان هو دراما عربية».

وتابع: «الأصح هو أن (حدائق الشيطان) هو عمل مصري شارك فيه ممثل سوري، وذلك ليس على مستوى الممثل، أيضاً عارف الطويل أخرج العديد من الأعمال الخليجية، كما باسل الخطيب، والمثنى صبح لديه عمل بعنوان (شارع الهرم) للخليج، وهنا يسمى العمل تعاوناً فنياً وليس دراما عربية».

وتساءل: «هل يمكن اعتبار مسلسل (هوا أصفر) عملا مشتركا فقط لأن يوسف الخال شارك به، أو (على صفيح ساخن) لأن أمل بشوشة شاركت به، وهذا التعاون ليس فقط بين سوريين ولبنانيين، أيضاً الممثلة المصرية منة فضالي شاركت في مسلسل (مقابلة مع السيد آدم)».

الممثل قصي خولي

وأضاف أن «فكرة وجود ممثل سوري بعمل عربي ليست فكرة جديدة، فمعظم أعمال الراحل حاتم علي شارك فيها الممثل المغربي محمد مفتاح، وأيضاً كارمن لبس شاركت الكثير من الأعمال السورية مثل (عصر الجنون)، أيضاً الرفيق علي كانت أهم أدواره دور كليب في مسلسل (الزير سالم)، وهذا يسمى تعاونا فنيا».

هناك فكرة مغلوطة حول أن الأعمال العربية المشتركة هي أعمال أفرزتها الحرب، بل هذه الأعمال قديمة مثل (أسمهان- وحور العين- والاجتياح- وهدوء نسبي- ورجال الحسم)، لكن خلال العشر سنوات الماضية خلقت فكرة إيجاد أعمال مشتركة تضم عددا من الممثلين وطلب خلق مسلسل من أجلهم، لكن قبل ذلك كانت فكرة المسلسل هي التي تفرض العمل العربي.

أما الفترة الماضية بات يطلب إنجاز عمل لهؤلاء الممثلين العرب، وطبعاً خلق حالة ظالمة بسبب الطلب على أن البطلة لبنانية والبطل سوري، ما جعل الممثلة السورية مجبرة على العمل فقط في سوريا، وأبعد الممثل اللبناني عن الساحة.

الممثل باسم ياخور

نانسي خوري: لدينا تعطش لعمل محلي والدراما المشتركة مطلوبة

قالت الفنانة السورية نانسي خوري في لقاء مع «المجلة» إنه لا مشكلة لديها في الأعمال المشتركة، فهي مطلوبة اليوم من قبل الجمهور، وبكثرة، «وعلى الممثل أن يمتثل لجمهوره ومتطلباته، وشاركت بمسلسل (السفربرلك) للمخرج الليث حجو ولكن لم يتم عرضه حتى الآن، وبرأيي لا يمكن الخلط بين الأعمال السورية والأعمال العربية، فكل نوع له جمهوره وله بيئته، وهذا وذاك مطلوب، ولا يمكن اليوم القول من قبل الممثل أنا أعمل أو لا أعمل في المسلسلات العربية المشتركة، لقد أصبحت موجودة ومفروضة ومطلوبة، والممثل يمكنه تأدية الدور وإظهار أدواته وإمكانياته في أي عمل إذا تعامل معه بحب، وليس من أجل الأجر المادي».

وأشارت خوري إلى أن «الأعمال السورية مرغوبة، ونحن كنا متعطشين لعمل سوري اجتماعي مثل (غزلان في غابة الذئاب) وغيرها من الأعمال التي كنت أشاهدها وأنا طالبة في المعهد العالي، فقد كنت أفكر حينها هل من الممكن أن ألعب دوراً في مثل هذه المسلسلات؟».

وتابعت أن الحرب جعلت ذلك مستبعداً بالنسبة لها خلال السنوات الماضية، مبينة أن مشاركتها في مسلسل «كسر عضم» أعادت لها الحياة وإلى الدراما السورية و«عدنا لنشاهد أعمالاً لما قبل 2011، وعلى الرغم من قلة مشاهدي في (كسر عضم) إلا أن مساحته كبيرة جداً وهو دور لأول مرة أقوم بتأديته».

وعن سؤال «المجلة» حول الاختيار ما بين عمل مشترك أو «كسر عضم»، ذكرت أنها اختارت «كسر عضم» ورفضت المشاركة في مسلسل مشترك، وذلك بسبب الدور الذي حصلت عليه لما فيه من قوة وجهد، متمنية أن يحمل نتائج جميلة نهاية شهر رمضان المبارك.

 

ماذا اختار النجوم لأنفسهم؟

مع اختلاف الحاصل ما بين التأييد للمشاركة في الأعمال المشتركة أو الرفض كانت إجابات النجوم واضحة على طول السنوات الماضية؛ منهم من اختار خطاً خارج سوريا لعدم وجود نص قوي أو بحجة أخرى، فيما وجد آخرون أنفسهم أمام الجمع بين الخطين، وهنالك من بقي قيد العمل المحلي.

يقول الصحافي والناقد الفني شارل عبد العزيز إن بعض النجوم قرروا العمل في هذه الأعمال أولاً بسبب الحرب ومقاطعة القنوات للأعمال السورية، كما أجبرتهم ظروفها على العيش خارج البلاد، بالإضافة إلى فرق الأجور، من يعمل خارج سوريا يتقاضى 300 ألف دولار، أما في سوريا فلا يتعدى أجره الـ30 ألف دولار.

أما بالنسبة للمحتوى، فالممثل يعرف أنه لا يوجد محتوى، خصوصاً مع بداية الانتقال إلى الأعمال التركية المعربة كعمل «ع الحلوة والمرة» فهم مسبقاً يعلمون ويقولونها بشكل صريح أنها من أجل الأجر فقط، وهذه الأعمال زادت من شهرتهم ولم تصنعها.

واستذكر عبد العزيز قولاً لقصي خولي: «أعطني نصاً جيداً ومن الغد أقوم بالتصوير في سوريا»، معتبراً أن غياب النصوص كانت سبباً من أسباب الغياب عن الإنتاج المحلي.

وأشار عبد العزيز إلى أن بعض الممثلين استطاعوا خلق موازنة بين الأعمال العربية والسورية مثل باسم ياخور الذي صنع المشروع السوري (ببساطة).

ونوه إلى أن تأثير الدراما العربية على الدراما السورية كان غير مباشر أولاً لسحب الممثلين والكتاب والمخرجين والفنيين أيضاً إلى الخارج مما أدى لتراجع عناصر الدراما السورية، وهذا قلل من مستوى الأعمال، كما أن الجمهور توجه لمتابعة الأعمال المشتركة أكثر بسبب ضخامة الإنتاج وكثرة القنوات العارضة والتسويق.

المخرج جود سعيد

الدراما المشتركة طفرة وستزول

قال علي عنيز رئيس مجلس السينما والتلفزيون السوري ونائب رئيس اتحاد المنتجين العرب إن الدراما العربية المشتركة هي مجرد طفرة، ولدتها الحرب في سوريا ولا بد لها أن تزول يوماً ما.

وذكر في لقاء مع «المجلة» أن هناك العديد من الأعمال في الماضي والتي بنيت على ممثلين مشتركين ولكن ذلك كان نتيجة الحاجة أي إن فكرة المسلسل لا بد أن تحمل ممثلين من جنسيات أخرى، لكن اليوم ومع اغتراب العديد من الممثلين السوريين عن بلدهم، باتت شركات الإنتاج العربية تستغل ذلك بإحضار ممثل سوري لعملها لكي تتم متابعته.

وتابع: «في العام الماضي تم عرض مسلسل (للموت 1) وسُوق له كثيراً وتمت متابعته بشدة، أما هذا الموسم فقد تم عرضه بجزئه الثاني، لكنه لم يأخذ ذلك الحيز، بسبب ما قدمته الدراما السورية هذا العام  من أعمال، فقد أبلينا جهداً كبيراً سواء في مسلسل (كسر عضم) أو (مع وقف التنفيذ) لإخراجهم بالصورة الحالية، من خلال رفع سقف الطرح وتقديم تسهيلات للمنتج، وهذا ما كان مفقوداً في السابق والذي تسبب في تراجع الدراما السورية».

وأوضح أنه نتيجة لما حصل فإننا هذا العام نعود لنمسك بزمام الأمور، وأنا متأكد أن المواسم القادمة سوف تكون أفضل من هذا الموسم بكثير فالدراما السورية بدأت تتعافى وعاد بساطها لها بعدما تم سحبه في السابق.

كلام العنيز شدد عليه الصحافي شارل عبد العزيز الذي قال إن تأجيل الكثير من الأعمال المشتركة، أو قلة إنتاجها في رمضان جعل الدراما السورية تتعافى نوعاً ما وجعل القنوات تعرض الأعمال السورية كمسلسل «كسر عضم» على أبوظبي، و«مع وقف التنفيذ» على «Mbc دراما»، والتي لم تعرض عملا اجتماعيا سوريا كعرض أول منذ مسلسل «بنات العيلة» عام 2011، وهذا الشيء جعل الدراما السورية تعافي ذاتها بذاتها، وأرى أن هذا الموسم يوجد فيه تنويع كبير، يعني موسم متنوع، ونحن طبعاً بحاجة لهذا التنوع.

 

النص هو الحكم.. والطفرة لا تستمر 10 سنوات

المخرج السوري جود سعيد كانت له وجهة نظر مختلفة حول الدراما المشتركة معتبراً أن أي عمل سواء كان محليا أم مشتركا يجب أن يحقق شرطاً موضوعيا ألا وهو وجود نص قوي وفكرة جيدة لنجاح العمل، وهذا يتطلبه أي عمل سواء كان سوريا أو عربيا، فالدراما هي منتج، والجمهور يستقبله إذا كان يتحدث عن واقعه أو لنحدد أكثر إذا كان يقدم فكرة جيدة وحبكة جميلة، هنا سيقبله المشاهد حتماً سواء كان سوريا أو مصريا أو لبنانيا أو عربيا.

ورفض سعيد تسمية ما حصل في الدراما العربية بالطفرة، لأنه لا يمكن لطفرة أن تستمر 10 سنوات وبكثرة، هي نوع درامي فرض نفسه على الساحة وهناك احتمالية لأي عمل درامي أن ينجح أو يفشل.

وعما قدمته الدراما السورية هذا الموسم، فقد كان متنوعاً، لكن لا يمكن الحكم عليه الآن بل يجب الانتظار حتى انتهاء العرض ليتم تحديد هل تعافت الدراما السورية أم لا، فعلى مدار السنوات السابقة خرجت الدراما السورية بأعمال قوية لكنه لم يكن بإمكاننا القول إنها تعافت، وأيضاً هذا الموسم لا يمكن الخروج بعبارات كهذه قبل انتهاء الموسم ورؤية النتائج.

 

العمل المشترك خارج رمضان

وفي البحث عن ضعف الإنتاج العربي مقارنة بغيره في رمضان ذكر لنا أحد المنتجين ورفض ذكر اسمه لأسباب شخصية أنه بعيداً عن الإنتاجات السورية أو العربية من ناحية الإنتاج والقوة والطرح والنصوص والإخراج إلا أن التوجه اليوم بات نحو العالمية بشكل أشبه بما تفعله شبكة «نيتفلكس» أو غيرها.

المهم بالنسبة للمنتج أن يحصل المسلسل على شهرة وجماهيرية عالية ومتابعات لزيادة أعماله في المستقبل فكان هنالك العديد من المسلسلات التي أنتجت قبل رمضان وحصدت جماهيرية عالية وعرضت على منصة «شاهد» و«نتفليكس» أيضاً وكان لها وزن من ناحية التسويق والحضور وهذا ما يحرص عليه المنتجون.

وتابع أن الشركات تريد الحصول على منفذ بيع بعيداً عن موسم واحد وهو شهر رمضان، تريد لنفسها أعمالاً بذات الجماهيرية التي يحصل عليها أي إنتاج في الشهر الفضيل، وكانت التجربة قبل بداية شهر رمضان، تم إنتاج العديد من المسلسلات وكلها بحلقات منخفضة العدد 10 أو 15 وهذا مكسب كبير للشركات من حيث انخفاض أجور الإنتاج والابتعاد عن المط.


مقالات ذات صلة