ماذا وراء اختلافات «رفاق الكرملين»؟

تراجع الإعلام الروسي في مواجهة الحشد الإعلامي الهائل للولايات المتحدة وأوروبا
صورة أرشيفية للرئيس فلاديمير بوتين ومارغريتا سيمونيان خلال الاحتفال بالذكرى العاشرة لتأسيس «روسيا اليوم» في ديسمبر عام 2015 (وكالات)

موسكو: قد يكون العنوان صارخا بمقاييس ومعايير ما بعد حالة «العملية العسكرية الروسية»، وهي التسمية الرسمية لما شهده ويشهده العالم من مواجهات عسكرية ومعارك قتالية على الأرض الأوكرانية، وما جاورها من أراضي «جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك» المعترف بهما فقط من جانب موسكو. لكن ما احتدم من جدل بين الرفاق من الشخصيات الرسمية الناطقة باسم الكرملين، وبين المحسوبين بشكل أو بآخر على الكرملين ودوائر صناعة القرار، يمكن أن يوحي بتغيرات وشيكة على خريطة الإعلام الروسي الذي يبدو أنه في سبيله إلى استبدال مفردات هذه الخريطة بغيرها مما قد تتسق مع متغيرات المرحلة الراهنة في تاريخ روسيا المعاصر.


وكانت الأيام القليلة الماضية شهدت بعضا من الانتقادات غير المباشرة، والغضب المكتوم، تجاه بطء أو تباطؤ سير العمليات العسكرية على الجبهة الأوكرانية، وهو ما أشار إليه ضمنا الرئيس فلاديمير بوتين خلال تصريحاته التي أدلى بها على هامش زيارته لقاعدة فوستوتشني لإطلاق الصواريخ والمراكب الفضائية في الشرق الأقصى، حين قال إن «للحرب دائما منطقها الخاص الذي كثيرا ما يفرض تحديد ملامح الخطط العسكرية». وكان بوتين أكثر صراحة، حين أشار ضمنا إلى تقديراته لبعض الخطوات على صعيد تطورات العمليات القتالية، دون الإغراق في التفاصيل، وهو ما احتدم الجدل حوله في البرامج الحوارية التي لطالما اعتمدت الصراخ محاولة للإقناع، وهو ما لا يمكن إلا أن يكون وعلى النقيض من ذلك تعبيرا عن العجز تجاه العثور على الردود أو التعليقات المقنعة للدفاع عن وجهات النظر.


وقد كشفت الأسابيع القليلة الماضية عن أن «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا، كانت ولا تزال في أمس الحاجة لتكتيك واستراتيجية إعلامية مغايرة لما كانت عليه مثيلاتها في سوريا أو في القرم. ونسارع لنقول إننا هنا لسنا في معرض تقدير أية خطوات أو قرارات تتعلق بالشق القتالي لهذه العملية العسكرية، وإنما نستهدف البحث عن أسباب تراجع القوة الناعمة وما اعتبره كثيرون في الداخل والخارج، نقطة ضعف في مواجهة الحشد الإعلامي الهائل من جانب الولايات المتحدة والدول الغربية، بوصفها كانت ولا تزال المصدر الرئيسي، وأحيانا الوحيد للمعلومات حول ما يجري من تطورات وأحداث في أوكرانيا والمناطق المجاورة في شرق أوروبا. ويذكر المراقبون أن الشخصيات المحورية التي تسيطر إشرافا وتنفيذا على كل الأجهزة الإعلامية الرسمية أو شبه الرسمية في غالبها الأعم، كانت ولا تزال هي نفسها التي لطالما عهدت إليها السلطات الروسية بتولي هذه المهام نفسها طوال الأعوام التي تقترب من العشرين، أي منذ مطلع القرن الجاري. ولعل ما يتبدى من قصور في مواجهة الإعلام الغربي من جانب القنوات والإذاعات الروسية الموجهة يمكن أن تكون النتيجة المنطقية لمثل هذه الأنماط الإدارية وما جرى اتباعه من تكتيك الدعوة إلى المنع والحظر، بل والدعوة إلى فرض الرقابة وتأليب السلطة التنفيذية ضد خصومها من خلال ما تملكه من آليات الثواب والعقاب ضد كل من يقف على طرفي نقيض من وجهات نظر أو سياسات. وثمة من يقول إن هؤلاء لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عما يمكن أن يكون مناسبا لمواجهة ما تزخر به الشبكة الإلكترونية الدولية من مواقع إلكترونية ووسائط التواصل الاجتماعي لصناعة الأخبار ومواجهة الشائعات وتقديم ما يمكن من خلاله مخاطبة عواطف الشباب واستمالتهم من خلال ما يمكن توفيره من مواد وموضوعات، يبحثون عنها في المواقع الغربية.  

انصراف الإعلام المحلي إلى مخاطبة الداخل
ومن اللافت في هذا الصدد أن الإعلام المحلي تركزت موضوعاته في معظمها عند مخاطبة الداخل، دون أن يكلف نفسه عناء ومتاعب التفاعل مع الخارج. وإذا كان هناك من يقول إن موسكو عملت على إنشاء منصات خاصة مهمتها الرئيسية مخاطبة الخارج، فإن الواقع يقول إن هذه المنصات سرعان ما سقطت في شرك قوالب الماضي،  على غرار توجهات إعلام الوكالات السوفياتية السابقة الخاصة بالدعاية والتحريض، ما جعلها هدفا للمنع والحظر من جانب الأجهزة الغربية.


وفي خضم مثل هذه المشاكل، توارت القضايا العادلة التي لطالما طرحها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في إطار ما أفصح عنه من رؤى وتوجهات، على غرار خطابه في مؤتمر الأمن الأوروبي في ميونيخ في فبراير (شباط) 2007 وما تلاه من تقارير تحدث فيها عن رفضه لهيمنة القطب الواحد، وعدالة بناء عالم متعدد الأقطاب، وضرورة استعادة روسيا لمكانتها التي تستحق على خريطة السياسة الدولية. وجاءت الأزمة الأوكرانية التي يعود تاريخها الحقيقي ليس إلى فبراير 2014 تاريخ الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الأوكراني الأسبق فيكتور يانوكوفيتش، وليس أيضا إلى عام 2004 تاريخ اندلاع «الثورة البرتقالية» في كييف وفرض فيكتور يوشينكو رئيسا بعد جولة ثالثة من الانتخابات الرئاسية تحت رعاية غربية، بل وحسب تقديراتنا إلى الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 1991 تاريخ توقيع اتفاقيات بيلوفجسكويه بوشا التي كانت إعلانا رسميا عن انهيار الاتحاد السوفياتي، بكل ما تضمنته من تنازلات روسية مهينة وتفريط في الحقوق التاريخية للدولة الروسية، أمام مطالب الرئيس الأوكراني الأسبق ليونيد كرافتشوك. وهي التنازلات التي أراد الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين أن تكون سبيلا إلى دعمه في معركته مع غريمه ميخائيل غورباتشوف، وتضمنت الكثير من الاعترافات بحقوق غير دستورية أو قانونية لأوكرانيا، ومنها شبه جزيرة القرم التي صار القاصي والداني يعرف الكثير من تاريخها ومشروعية تبعيتها للإمبراطورية الروسية ثم روسيا الاتحادية، قبل الإعلان عن قيام الاتحاد السوفياتي في عام 1922.


كما أن الإعلام الروسي لم يلتفت بالدرجة الواجبة إلى ضرورة لفت أنظار العالم لما كان يجري من تجاوزات وانتهاك حقوق مشروعة، وما أسفر لاحقا عن استعادة القوى القومية المتطرفة للكثير من تراثها السابق بما في ذلك ظهور النازيين الجدد تحت رعاية غربية منذ أولى سنوات ولاية الرئيس الأوكراني الأسبق فيكتور يوشينكو. ويذكر المراقبون كل ما احتدم من معارك ومواجهات عسكرية اندلعت في أعقاب إعلان مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك لانفصالهما عن أوكرانيا من جانب واحد في أعقاب الانقلاب على الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، وما أسفرت عنه من نجاح القوات الأوكرانية الحكومية مدعومة بفصائل على غرار كتيبة أزوف والقطاع الأيمن تمثل النازيين الجدد،  في استعادة أجزاء كبيرة تبلغ ما يقرب من نصف مساحة المقاطعتين اللتين اعترفت موسكو في 23 فبراير الماضي باستقلالهما بعد قيامهما بما يقرب من ثمانية أعوام.


وثمة من يقول اليوم في موسكو وخارجها إن العالم كله تقريبا، ظل بعيدا عن مشاكل هذه المناطق وما كان يجرى ارتكابه فيها من تجاوزات هي أقرب إلى الجرائم، على حد تقديرات المصادر الروسية، رغم ما جرى التوصل إليه من اتفاقيات مينسك 1، و2 في عام 2015 تحت رعاية مجموعة نورماندي بمشاركة المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني السابق بيتر بوروشينكو. وعلى الرغم من اعتراف أوكرانيا بهذه الاتفاقيات التي عاد وأعلن عن موافقته عليها الرئيس الأوكراني الحالي فلاديمير زيلينسكي، فإنها ظلت بعيدة عن التنفيذ، وهو ما اعترضت عليه موسكو كثيرا وطالبت بالالتزام به، وهي التي كانت نجحت آنذاك في تقنين مشروعيتها بقرار من مجلس الأمن الدولي.


تلك كلها مقدمات لم تصل في حينه بكل تفاصيلها ودقائق مفرداتها إلى المجتمع الدولي، في توقيت كانت فيه الولايات المتحدة تعمل على تعميق جذور المأساة من خلال مشروعها الذي كشفت عن مقدماته في مطلع تسعينات القرن الماضي بإعلانها عن طموحاتها وتوجهاتها حول توسع الناتو شرقا، وما حددت ملامحه في عام 1997 تاريخ الموجة الأولى من هذه التوسعات بموجاتها الخمس. وإذا كانت قد تنازلت تكتيكيا عن قبول طلب أوكرانيا وجورجيا الانضمام إلى الناتو نزولا على إرادة الرئيس الروسي بوتين في 2008، فإنها عادت لتعمل على تكثيف نشاطها في الاتجاه نفسه، وهو ما كان في صدارة أسباب ما طرحه بوتين من مطالب أمنية لبلاده في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي. وذلك ما يغفله الكثيرون اليوم على الأصعدة كافة، وما يجب استذكاره وإعادته إلى الأذهان كمقدمة لتوفير المناخ الملائم لوقف إطلاق النار والتحول إلى المباحثات الجادة بهدف توفير كل الضمانات اللازمة لطرفي الأزمة الرئيسيين، دون ضغوط أطراف خارجية، صارت في حقيقة الأمر، أطرافا مؤثرة، بل وفاعلة إلى أقصى الحدود.  

ميخالكوف يحاول طرد الأرواح الشريرة
ثمة من يقول اليوم إن الإعلام الروسي لم يعمل طيلة السنوات الماضية بالدرجة المناسبة من أجل إعداد الساحة الداخلية لمواجهة المخططات الغربية، بكل أدواتها من القوى الناعمة وأدواتها الإلكترونية. وكانت القنوات والمواقع الإعلامية الالكترونية نجحت في الإيقاع بشباب روسيا والكثير من بلدان الفضاء السوفياتي السابق في شرك توجهاتها خصما من رصيد الثقافة الروسية بكل مفرداتها وأطيافها التي لطالما عادت على روسيا بالكثير من الأمجاد وأكاليل الغار. وذلك ما شهد العالم بعض نتائجه وتبعاته من خلال ما جرى في بيلاروس في صيف عام 2020، وفي قزخستان في مطلع العام الجاري.


 ذلك ما تفرغ لتفنيده نيكيتا ميخالكوف المخرج والممثل السينمائي الروسي العالمي ذائع الصيت، في برامجه وقد أثارت الحلقة الأخيرة لغطا في الساحة الإعلامية، فيما حرص نيكيتا ميخالكوف على الاستشهاد به نقلا عن الرئيس فلاديمير بوتين، وما أورده من تعليقات حول بعض تصريحات الناطق الرسمي باسمه ديمتري بيسكوف، فضلا عن استشهاده بما أعلنه أندريه تورتشاك النائب الأول لرئيس مجلس الاتحاد (المجلس الأعلى للجمعية البرلمانية- مجلس الشيوخ)، والأمين العام للهيئة التنفيذية للحزب الحاكم- حزب روسيا الموحدة، في معرض انتقاد ما قاله بيسكوف في حديثه إلى قناة «سكاي نيوز» البريطانية، حول الخسائر الكبيرة التي تكبدتها روسيا في المعارك مع أوكرانيا، ووصفها بـ«المأساة الكبيرة».

 بيسكوف الناطق باسم الكرملين


فماذا قال بوتين؟ وفيم أخطأ بيسكوف، إذا كان من الجائز اعتباره مخطئا؟
بداية نتوقف عند ما قاله أندريه تورتشاك الأمين العام للهيئة التنفيذية للحزب الحاكم. وكان عدد من الصحف الروسية والمواقع الإلكترونية توقفت عند الانتقادات الموجهة إلى بيسكوف، ومنها ما كشف عنه تورتشاك، في معرض تصريحاته التي أدلى بها في مناسبة الذكري الثامنة للإعلان عن استقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك في حضور رئيسي الجمهوريتين. وكان تورتشاك انتقد ما قاله بيسكوف حول «الخسائر الكبيرة» لروسيا في المواجهة العسكرية مع أوكرانيا ومن يقف وراء دعمها وتسليحها ودعمها بكل السبل اللوجيستية والعسكرية والإعلامية. وذلك ما انضم إليه أيضا بيتر تولستوى نائب رئيس مجلس الدوما وأحد أحفاد الأديب الروسي العالمي ليف تولستوي.

المخرج والممثل السينمائي الروسي العالمي نيكيتا ميخالكوف


وكان نيكيتا ميخالكوف انتقد أيضا موقف ديمتري بيسكوف الناطق باسم الكرملين، من هجرة المشاهير الروس إلى الخارج في أعقاب اندلاع المعارك القتالية في 24 فبراير الماضي، وما قاله حول عدم صحة تقدير الدوافع التي تقف وراء تعجل نجوم الفن والثقافة والإعلام الروسي مغادرة روسيا، وتبريره لذلك بأن الخوف كان وراء العجلة في مغادرة روسيا. وتساءل ميخالكوف عن حقيقة هذه المخاوف، وما يقال حول عدم جواز الحكم على هؤلاء النجوم بصرامة. قال إن ما انتاب هؤلاء النجوم والفنانين من خوف كان يتعلق بالدرجة الأولى، بالخوف على ضياع ما اكتنزوه من أموال وما يمتلكونه من عقارات وما يتمتعون به من امتيازات. غير أن ميخالكوف سرعان ما عاد ليعلن اتفاقه مع ما قاله بيسكوف حول أنه ليس مطلوبا من هؤلاء النجوم التمعن في تفهم السياسة ومشاكلها، وتعقيدات الناتو وتوسعاته، وإن اعترف بأنه لا يستطيع قبول ما قاله بيسكوف حول خوف النجوم، مؤكدا أن أحدا لم يَنَلْ من أمنهم وسلامتهم، ولم يقع في موسكو ما يمكن أن يدعو إلى الخوف، وهو ما تساءل ميخالكوف عما يمكن أن يكون مدعاة لمثله: «ما الذي تخاف منه؟ هل العدو عند بوابات موسكو؟ هل تم قصف العاصمة؟». وأعاد الفنان الروسي الشهير إلى الأذهان ما جرى لموسكو يوم داهمتها القوات الهتلرية في أكتوبر (تشرين الأول) 1941 إبان الحرب العالمية الثانية، ووصلت على مسافة كيلومترات معدودة من الكرملين في قلب العاصمة موسكو. وقال إن المواطنين الروس كانوا يغادرون موسكو في اتجاه الشرق صوب قزخستان وسيبيريا. أما نجوم الحاضر فيخشون تجميد حساباتهم وضياع امتيازاتهم ، ويعربون عن مخاوفهم من احتمالات فرض العقوبات على ممثلي المعارضة، وليس مما تعرض السابقون لمثله إبان سنوات الحرب العالمية الثانية.

 


أما عما قاله الرئيس بوتين تعليقا على ما يقوله الناطق الرسمي باسمه في بعض الأحيان، فقد استشهد به ميخالكوف في إطار ما جرى نقله عن بوتين في معرض حديث كان أدلى به الرئيس الروسي إلى قناة «NBC» الأميركية في عام 2018:
«هاكم بيسكوف يجلس قبالتي. إنه أحيانا يدلي بما هو أقرب إلى العاصفة الثلجية المريعة (المقصود: الهائل من الدهشة والارتباك)، على النحو الذي أنظر فيه إلى التلفزيون، وأتساءل معه عما يتحدث عنه، وعن ذلك الذي فوًضه بذلك!».
ومضى ميخالكوف ليتناول المسائل المتعلقة بالوطنية، ومنها أيضا ما اختلف فيه مع الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف. استعاد بعضا من السيرة الذاتية للإعلامية التلفزيونية أولجا سكاببيفا مقدمة برنامج حواري رئيسي على شاشة قناة رسمية روسية وما يتعلق بأسس ومبادئ التربية الوطنية. وكانت سكاببيفا كشفت عن أنها كانت التحقت بإحدى المدارس الأميركية الروسية الخاصة في موطنها فولجسك إحدى المدن الروسية الصغيرة، وأنهم كانوا يلزمونهم في سن السادسة- السابعة بالوقوف احتراما لتحية العلم الأميركي. وذلك ما استشهد به فلاديمير ميدينسكي مستشار الرئيس بوتين ووزير الثقافة السابق، ورئيس الوفد الروسي في المباحثات السلمية مع أوكرانيا، حول ضرورة الاقتداء بمثل هذا التقليد لترسيخ القيم والمثل الوطنية بين الصغار. وأضاف ميخالكوف أن الناطق باسم الكرملين بيسكوف سارع في اليوم التالي إلى الاعتراض على تصريحات ميدينسكي وزير الثقافة الروسية السابق، مؤكدا أن «ما قاله (ميدينسكي) يعبر عن رأيه الخاص كأحد قيادات الجمعية الروسية التاريخية العسكرية التي كانت استضافت ذلك الاجتماع، وليس بالقطع مرتبطا بالموقف الرسمي للدولة».


وعاد ميخالكوف إلى التساؤل عما إذا كانت مبادئ التربية الوطنية أمرا يمكن أن يكون رأيا شخصيا، فضلا عما أعرب عنه من دهشة إزاء ما قد يسوقه البعض من أسباب، في محاولة  لتبرير منع تطبيق مثل هذه المبادئ. وفي معرض إدانته لمثل هذه المحاولات، ومنها ما ما قاله الملحن والمغني أندريه ماكاريفيتش تبريرا لهجرة المشاهير: «إن روسيا هى التي رحلت عن هؤلاء المشاهير، وليسوا هم الذين غادروها»، اختار ميخالكوف أغنية أندريه كورياييف «لا تعيشوا في بلد تكنون له الكراهية»، ليختتم بها هذه الحلقة المثيرة للجدل.


ولإضفاء أكبر قدر من الأجواء الدرامية اختار المخرج العالمي الشهير ختاما لحلقته المثيرة للجدل، كلمات هذه الأغنية ذات اللحن الحزين لتنساب هادئة توحي بالكثير من المعاني، على خلفية صور النجوم الهاربة من أمثال آللا بوجاتشيفا ، وزيمفيرا وأندري ماكاريفيتش، وريناتا ليتفينوفا، وفاليري ليونتييف، وتشولبان خاماتوفا وغيرهم من المشاهير ممن كانوا سارعو بالرحيل عن روسيا مع أولى لحظات بدء العملية العسكرية الروسية.

هل بيسكوف حمامة سلام؟
تحت هذا العنوان أفرد موقع rtvi.com.news مقالا نقل فيه ما قاله عدد من خبراء السياسة تعليقا على ما وصفته القناة التلفزيونية الإسرائيلية للهجمات ضد بيسكوف بأنها «انقسام بين ممثلي الصفوة في روسيا»، لكنها من غير المرجح أن تفضي إلى استقالة المتحدث الرسمي باسم الكرملين، على حد تقديراتهم.


وكان الناطق الرسمي باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أدلى في 7 أبريل (نيسان) الجاري، بحديث إلى قناة «سكاي نيوز» البريطانية، أشار فيه إلى خسائر كبيرة تكبدتها القوات الروسية في أوكرانيا (وصفها بأنها «مأساة كبيرة») مع احتمالات نهاية وشيكة للعملية العسكرية الروسية الخاصة. وانتقد مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام وشخصيات سياسية بارزة كلماته، بما في ذلك رئيس الشيشان رمضان قديروف والأمين العام للهيئة التنفيذية لحزب روسيا الموحدة أندريه تورتشاك، ما قاله الناطق الرسمي باسم الكرملين. كما نقلت قناة «RTVI» عن عدد من الخبراء السياسيين تقديراتهم لما يواجهه ديمتري بيسكوف من هجوم، وصفوه بأنه شكل من أشكال حرب النخب، وكذلك ما قالوه حول أنه من غير المرجح أن يسفر عن استقالة الناطق الرسمي باسم الكرملين.


وفي هذا الصدد نقلت القناة التلفزيونية نفسها أيضا عن جليب بافلوفسكي المستشار السابق لرئيس ديوان الكرملين الأسبق، وخبير الشؤون السياسية حاليا، ما قاله حول أن «بيسكوف يدعم خط بوتين في مفاوضات السلام في نفس الوقت الذي يمارس فيه الضغط العسكري على كييف»، بينما «يعارضه أولئك الذين يريدون تأخير العملية العسكرية الخاصة لأسباب مختلفة». وقال بافلوفسكي إنه «من غير المعقول الافتراض أن الناطق الرسمي باسم الرئيس يمكنه التحدث، معبرًا عن آرائه الشخصية، لأن منصبه لا يجيز له مثل ذلك». ومضى بافلوفسكي ليقول إن «البعض يرى في ذلك مناخًا سياسيًا مفيدًا لهم، أكثر راديكالية، وأكثر عدائية داخل البلاد. وهناك جزء من اللوبي العسكري يريد مواصلة العملية العسكرية الخاصة، على الرغم من أنني أعتقد أنه من المستبعد أن يكون هذا اللوبي ممثلا لجموع القوات المسلحة. هناك منافسة بسيطة للأجهزة. داخل المجموعة الإعلامية للكرملين بأكملها، وهي أحد فروع السلطة، هناك صراع شرس على المناصب. لذلك، وبطبيعة الحال فإنه توجد هناك لحظات آيديولوجية، لما قد يمكن تسميته حزب الحرب».

رئيسة تحرير قنوات «روسيا اليوم» تطالب بالرقابة!
مارغريتا سيمونيان.. هل تذكرونها؟ إنها الفتاة التي اختارها الكرملين في مطلع القرن الجاري لتترأس شبكة قنوات «روسيا اليوم» الوليدة، ولم تكن آنذاك تعدت 25 سنة إلا بقليل. سيمونيان التي منحتها السلطات الروسية ما يكاد يصل إلى مطلق الحرية، المدعومة بالكثير من التمويل فائق الجودة، هي التي أعلنت مع مستهل العملية العسكرية الروسية، عن قرارها بشأن تسجيل عقد قرانها، بعد زواج مدني استمر لما يزيد عن عشر سنوات، احتفالا ببدء المعارك القتالية، على حد تعبيرها.


مرغريتا سيمونيان عادت لتفاجئ متابعيها ومرؤوسيها بإعلان تأييدها لفرض الرقابة على الإعلام والصحف والمطبوعات، على اعتبار أن «الدول الكبرى لا يمكن أن تعيش دون رقابة»، على حد تقديراتها!


قالت سيمونيان إن الوقت قد حان لتغيير المادة التي تنص في الدستور الروسي على حظر الرقابة، وضربت مثالا على ذلك بالصين وبما تشهده من قيود قالت إنها تساهم في تطورها. وكانت رئيسة تحرير قنوات «روسيا اليوم» أسهبت خلال مداخلتها في برنامج «مساء الأحد مع سولوفيوف»، لتستعيد بعضا من تاريخ الدولة الروسية وما شهدته من حرية الإعلام والصحافة خلال الفترة من 1905-1917 (تاريخ اندلاع ثورة أكتوبر الاشتراكية البلشفية بزعامة فلاديمير لينين)، وما بعد البيريسترويكا في منتصف ثمانينات القرن الماضي وما أعقبها من حريات غير محدودة في التسعينات من القرن نفسه. وقالت إن الجميع يذكر أن الدولة الروسية انهارت في أعقاب كل من الفترتين. ولعله من الغريب أن تحاول سيمونيان الإيحاء إلى مشاهديها ومتابعيها في الداخل والخارج وكأنها لا تمارس مثل هذه الرقابة في قنوات «روسيا اليوم» بمختلف لغاتها، منذ عهدت إليها السلطات الروسية الحكومية بالإشراف عليها منذ ظهورها في مطلع القرن الجاري.


ومن الجدير بالذكر أن ما قالته سيمونيان حول ضرورة فرض الرقابة، جاء مواكبا لحملة إعلامية كاملة العدد تطالب بالتشدد وتصعيد العمليات العسكرية ضد أوكرانيا، والرد على قصف المدنيين والتطاول على ما وراء الحدود الروسية، بقصف السكك الحديدية الأوكرانية، ومحاورها الرئيسية الخمسة التي تلعب دورا أساسيا في تدفق الأسلحة والمعدات العسكرية من بلدان الناتو على أوكرانيا. وتوقف فلاديمير سولوفيوف الإعلامي الأشهر في روسيا خلال السنوات الأخيرة، عند قرار إرسال أعداد كبيرة من دبابات ليوباردو الألمانية إلى أوكرانيا لتكون في مواجهة مع القوات الروسية لأول مرة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهو أمر متعدد الدلالات، عميق المغزى. وذلك ما يبدو أنه يتفق مع ميول الغالبية داخل الأراضي الروسية وبما يتسق مع أبجديات المنطق وضروريات اللحظة، ردا على ما ترتكبه فصائل القوميين المتطرفين والنازيين الجدد من «جرائم» ضد المدنيين والأسرى الروس، حسب تقديرات مراقبين كثيرين في موسكو ممن يرون ضرورة أن تكون مثل هذه المواد الإعلامية في متناول الخارج، قبل التوسع في نشرها على الصعيد الداخلي.