العرب لإسرائيل: عروبة القدس مفتاح السلام

على غرار السنوات الماضية تعمدت السلطات الإسرائيلية مرة أخرى استغلال شهر رمضان الكريم لتصعيد تحرشاتها ضد أبناء الشعب الفلسطيني من خلال اتخاذ إجراءات أمنية استفزازية تهدف إلى تقييد أو منع ولوج معظمهم وخاصة الشريحة الشابة إلى باحات المسجد الأقصى للتعبد وإقامة صلاة التراويح مقابل العمل بدون هوادة وباستخدام القوة المفرطة لتأمين قيام المستوطنين بأداء طقوسهم الدينية التوراتية داخل بهو المسجد بمناسبة عيد الفصح الذي يتزامن للسنة الثانية على التوالي مع شهر رمضان المبارك.

 

لقد كان ينتظر أن تستفيد السلطات الإسرائيلية من تجربة رمضان في السنة الماضية عندما قادت استفزازاتها في حي الشيخ جراح والحرم القدسي الشريف إلى اندلاع معركة سيف القدس التي امتدت شرارة نيرانها إلى كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة ولمناطق داخل الخط الأخضر أيضا، ولكن حدث العكس إذ أصرت حكومة نفتالي بينيت على مواصلة استفزازاتها رغم ما تعانيه من ترنح نتيجة تصدع أغلبيتها الهشة في الكنيست؛ الأمر الذي يدفع إلى الاعتقاد الجازم بأن تلك الممارسات ليست نتاج قرارات إدارية ظرفية، وإنما تدخل ضمن استراتيجية متفق عليها بين كافة الأجهزة والقوى السياسية الإسرائيلية من واجب الحكومات الإسرائيلية أيا كان لونها السياسي العمل على تنفيذها.

وتستهدف تلك الاستراتيجية العمل دون كلل على تكريس أمر واقع في المسجد الأقصى بغية فرض تقسيم زماني ومكاني لاستخدام ساحاته ومختلف جنباته بين المسلمين واليهود كخطوة أولى في اتجاه شرعنة الادعاءات الباطلة لغلاة المتطرفين بأن الهيكل المزعوم يوجد تحت أرض المسجد المقدس؛ الأمر الذي يمكن استخدامه لاحقا لتبرير مختلف أعمال الحفر والتنقيب الجارية أسفله، وتسهيل متابعتها بدون أي اعتراض.

ومن البديهي مع هذا النمط من المخططات أن لا يعير التحالف الحكومي المسير حاليا للشؤون العامة في تل أبيب أي اهتمام لكل التحذيرات الدولية والعربية التي صدرت قبل شهر رمضان من مغبة أي تهور إسرائيلي في القدس الشريف وداخل المسجد الأقصى بصفة خاصة؛ بل لقد أعتقد، كما تؤكد معلومات موثوقة، أن بإمكانه تسريع تنفيذ خططه لتهويد المدينة المقدسة، وتشويه معالمها الإسلامية والمسيحية أو طمسها إن أمكن مستغلا مجموعة من الظروف الدولية والإقليمية أهمها:

* تحول بوصلة الاهتمام الدولي نحو الأزمة الأوكرانية، التي تستأثر بأسبقية مطلقة في كافة وسائل الإعلام العالمية، والتي باتت الشغل الشاغل للإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي مع ما يعنيه ذلك من ضعف الضغوط على تل أبيب إن هي أقدمت على خطوة مستفزة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

* الاستنتاج الخاطئ الذي توصل إليه وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس في زيارته قبل شهر رمضان  للأردن وفي اتصاله بالرئيس الفلسطيني من أن أولوية الطرفين معا هي مواجهة تفاقم وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشانها خشية تآكل ما تبقى من سلطة لدى الرئيس أبو مازن بالنسبة للجانب الفلسطيني، وخشية انفجار احتجاجات شعبية عارمة في عموم الأردن بعد أن استفحلت أزمات الطاقة والغذاء التي أصبحت تمثل تهديدا جديا للأمن والاستقرار في البلاد.

* سوء تقدير مواقف الدول العربية التي انفتحت مؤخرا على إسرائيل وأقامت معها علاقات دبلوماسية كاملة أو تكاد، واعتبار ما حصل من تطور في العلاقات معها، وخاصة بعد قبولها بسرعة دعوة المشاركة في اجتماع النقب بمثابة نفض اليد من القضية الفلسطينية، وتقبل لسلم الأولويات الإسرائيلية لقضايا المنطقة الذي يضع مشكلة احتلال الأراضي الفلسطينية في آخر اهتماماته.

والواضح من هذا المعطى الأخير أن الدولة العبرية لم تستوعب لحد الآن أن الخطوات الانفتاحية التي اتخذتها الدول العربية المعتدلة والواقعية في علاقاتها بتل أبيب لا تعني أبدا تخليها عن التزاماتها ومسؤولياتها وأدوارها القومية والإنسانية إزاء الشعب الفلسطيني، وعن دفاعها المستميت عن عروبة القدس الشريف كعاصمة مرتقبة للدولة الفلسطينية. فهذه الدول عودت المراقبين للقضايا العربية على وضوح سلوكها وشفافية مواقفها، إذ لم يسبق لها من قبل، ولا يمكنها اليوم أن تمتطي معاناة الفلسطينيين لدغدغة مشاعر مواطنيها، وصرف نظرهم عن مشاكلهم المعيشية اليومية أو  للمزايدة على الصعيد الإقليمي، كما تفعل دول تولي هي وأذرعها الإرهابية الاهتمام للقدس يوما واحدا في السنة هو يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان الأبرك.

ولا شك أن عدم الاستيعاب هذا طال أيضا وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي عبرت عن ذلك من خلال ما أبدته من  دهشة واستغراب من قوة بيانات الإدانة المنددة بممارسات السلطات الإسرائيلية ضد أبناء الشعب الفلسطيني في مدينة القدس الشريف الصادرة من العواصم العربية الكثيفة التواصل مع إسرائيل، والتي لم تتردد في وصف ذلك السلوك بالعدواني والمنافي لقواعد القانون الدولي، واستدعاء الممثلين الدبلوماسيين الإسرائيليين لإبلاغهم مواقفها الرافضة للممارسات الإسرائيلية.

إن منطق الأمور يفرض على إسرائيل الإنصات لصوت الحق والعدل والتجاوب مع مواقف الدول العربية المسؤولة الداعية إلى التوقف عن الممارسات المستفزة التي لن يستفيد منها سوى غلاة المتطرفين من الجانبين، وإلى البحث عن تهدئة مؤقتة بغية التمهيد لاستئناف عملية سلام جادة تفضي إلى حل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. فالزمن (أغسطس/ آب 1967) الذي قال فيه موشي دايان متبجحا: «إذا كنا نملك في أيدينا الكتاب المقدس، وإذا كنا نعتبر أنفسنا شعب الكتاب المقدس، فيجب أن نمتلك الأرض المقدسة... » قد ولى، والحقائق السياسية والديموغرافية والعسكرية في المنطقة تغيرت كثيرا.

فهل سيفرز المجتمع الإسرائيلي فريديريك دي كليرك آخر قادرا على إنقاذه من النرجسية والغطرسة المتزايدة لمتطرفيه؟