بركات: الاتفاق مع الصندوق ضروري وإلزامي

محذرا من أن يتسبب في إفلاس المصارف واستنزاف المودعين

 

اعتبر كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث لدى بنك عودة الدكتور مروان بركات أن «الاتفاق مع صندوق النقد حاجة ماسة ومحور ضروري وإلزامي للتعافي الاقتصادي في البلاد، إنما يجب أن لا ينجز هذا الاتفاق عن طريق إفلاس المصارف واستنزاف الودائع والمودعين، وأن التحدي الأهم يكمن حاليا في كيفية توزيع الخسائر على الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين في سياق خطة تعافٍ كاملة متكاملة بدأت ملامحها تظهر أخيراً».

وقال  في حديث مع «المجلة»: «رغم أن المذكرة بشأن السياسات الاقتصادية والمالية تضمنت بعض العناوين الإصلاحية الإيجابية لاسيما فيما يتعلق بسياسة المالية العامة واستدامة الدين العام، إلا أننا نعتقد أن الخطة يجب أن توزع الخسائر بشكل منصف على العملاء الاقتصاديين وبشكل تراتبي بين الدولة أولاً ومصرف لبنان ثانياً والمصارف ثالثاً والمودعين أخيراً. يعني الخسائر يجب أن تتوزع حسب التراتبية بالمسؤولية عن الأزمة، خصوصاً أن الدولة هي التي تعثرت وأدت إلى الضغوط على المصارف والمودعين. وعندما يتعثر عميل مدين، يجب اللجوء إلى موجوداته وممتلكاته أولاً قبل أي اقتطاع من العملاء الدائنين».

وأشار إلى أن هذا ليس للتقليل من أهمية الاتفاق مع صندوق النقد الدولي الذي يعد المنفذ الوحيد للخروج من الأزمة إلا أنه يجب تصويب خطة التعافي والنقاشات مع صندوق النقد من أجل الحفاظ على القطاع المصرفي وقاعدة الودائع قدر الإمكان.

وبرايه فإن «الاتفاق على مستوى الخبراء بين لبنان وصندوق النقد الذي أنجز مؤخراً خطوة مهمة طال انتظارها، وتعتبر إنجازا لافتا للحكومة لمحاولة كسر الانكماش الاقتصادي الكبير الذي يشهده لبنان والانتقال إلى مرحلة من الاحتواء التدريجي للمخاطر الكامنة كمعبر أساسي للنهوض الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل».

وقال: «أهمية الاتفاق مع الصندوق أنه أصبح هنالك مراقب دولي للإصلاحات التي يعتزم لبنان تنفيذها، علما أنه بغياب هذا المراقب الدولي في المؤتمرات الماضية، لم ينفذ لبنان التزاماته الإصلاحية السابقة. فاليوم كون صندوق النقد أصبح على الخط مباشرة فإن هنالك احتمالا أكبر بسلك المسار الإصلاحي، في حال الوصول إلى اتفاق نهائي مع الصندوق والذي يعتبر ممرّا إلزاميا للحصول على مساعدات من قبل الصندوق أو مساعدات خارجية أخرى من قبل الدول المانحة».

ولفت إلى أنه في حال الوصول إلى اتفاق نهائي مع الصندوق وتنفيذ تدريجي لكل الإصلاحات المطلوبة، فإن حجم المساعدات يمكن أن يتعدى 3 مليارات دولار المعطاة مباشرة من صندوق النقد، والذي ورد في الاتفاق الأولي. لا ننسى أن هنالك التزامات من الدول المانحة بمقدار 11 مليار دولار في مؤتمر CEDRE  تنتظر تنفيذ لبنان للإصلاحات الموعودة، كما أنه من الممكن الحصول على مساعدات خليجية إذا استمرت العلاقات اللبنانية الخليجية في التحسن كما شاهدنا في الأسبوع الماضي وإذا اطمأنت الدول إلى المسار الإصلاحي اللبناني.

واعتبر أن «التحدي الأساسي اليوم هو إقرار التشريعات المطلوبة من أجل موافقة مجلس إدارة الصندوق على الاتفاق المبدئي على مستوى الخبراء وأهم هذه التشريعات إقرار خطة تعافٍ منصفة وإعادة هيكلة المصارف بشكل ملائم، وتقييم أكبر 14 مصرفا في لبنان كل على حدة، وقانون الكابيتال كونترول، وقانون تعديل السرية المصرفية، وقانون الموازنة، وخطة متوسطة الأمد لإصلاح المالية العامة، والتدقيق في الوضعية الخارجية لمصرف لبنان، وتوحيد سعر الصرف. علما أن إقرار البرلمان لهذه التشريعات والتي تتضمن إجراءات قاسية ليس بالسهل، خصوصاً في فترة تتصف بالشعبوية قبيل الانتخابات النيابية، وعلى سبيل المثال، فإن قانون الموازنة يتضمن إجراءات ضريبية قاسية عبر أسعار الصرف المعتمدة للإيرادات مما يجعل إقراره صعبا في جو انتخابي شعبوي قبل الانتخابات. كذلك فإن قانون الكابيتال كونترول أدرج مرات عديدة وبنسخ مختلفة على مدى السنتين الفائتتين ولم يقرّ. وكذلك فإن تقييم اول 14 مصرفا ليس بالمهمة السهلة لأن المصارف تدير ثلاث ميزانيات مختلفة: الميزانية بالليرة والميزانية بالدولار المحلي والميزانية بالدولارات النقدية. أما توحيد سعر الصرف فليس بالبديهي في ظل ستة أسعار صرف مختلفة معتمدة في لبنان اليوم».

وختم: «أما الموضوع الأكثر حساسية فهو خطة التعافي والتي تتضمن توزيع الخسائر على العملاء الاقتصاديين مما يستوجب إعادة النظر في الشروط والمقاربات الإفلاسية للمصارف والتي تؤدي بطبيعة الحال إلى استنزاف الودائع والمودعين بشكل عام».