المسار العنيد في محادثات السلام

سوريا ولبنان آخر من يوقع على السلام مع إسرائيل

يستغرب المرء كيف أن الجبهة العربية في مواجهة اسراتيل تداعت بسرعة مذهلة. فإذا بمتظمة التحرير الفلسطينية توقع اتفاقا مع إسرانيل قوامه مبادئ فضفاضة عامة يحتاج كل منها إلى  مزيد من التفاوض وبالتالي إلى عقد اتفاقات جديدة لوضعه موضع التنفيذ، وهكذا تستمر المحادثات القلسطينية- الإسرائيلية إلى  أجل غير مسمى حول التفاصيل التطبيقية لاتفاق غزة أريحا من دون التطرق إلى القضايا الفلسطينية الأساسية التي طالما اقترنت بالقضية الفلسطينية أساسا بما فيها مصير  القدس ومصير اللاجئين الفلسطينيين المقيمين خارج الأراضي المحتلة وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة ومصير المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وغزة فكان الاتفاق الفلسطيني. الإسرائيلي بمثابة شرارة الانطلاق لسائر الأطراف العربية في الانفتاح على الدولة العبرية متذرعة بأن القضية أساسا هي قضية فلسطين، فإذا كان الفلسطيني قد ارتضى التسوية مع إسرائيل فهل يفترض في سائر العرب أن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم؟

وهكذا لم يلبث الأردن أن وقع على بيان مشترك مع الجائب الإسرائيلى أنهى حالة الحرب بين الدولتين، ثم وقع على اتفاق سلام في 26/ 10/ 1994. وسبق ذلك تطورات متسارعة، فإذا باجتماع لإحدى اللجان المنبثقة من المحادثات المتعددة الأطراف يعقد في مسقط عمان، ويشارك فيه وفد إسرائيلی موسع، وإذا بنا نسمع بلقاء بين وزير خارجية قطر ووزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز، ونسمع باستعداد قطر لمد أنابيب لنقل الغاز إلى إسرائيل، ونسمع بلقاء بين وزير خارجية البحرين ووزير خارجية إسرائيل، وإذا بالمغرب يتبادل مكاتب الاتصال مع إسرائيل ثم تحذو حذوه تونس.

في خطاب ألقاه بتاريخ 10/ 9/ 1994 انتقد الرئيس السوري حافظ الأسد الدول التي خرجت عن خط التنسيق العربي، فقال: «عندما طرحنا مسألة التنسسيق كنا ننطلق من أن الأطراف العربية الأخرى والتي تخوض عملية المباحثات بصورة غير متكافثة مع الجانب الإسرائيلي، يجب أن تستفيد من وضع سوريا وقوتها التفاوضية وإمكاناتها المختلفة في ساحة الصراع. أردنا أن تذهب الأطراف العربية وهي مستمدة قوة من قوة سوريا لأننا ندرك أنه في كل المعايير لن تكون المفاوضات المنفردة إطلاقا في صالح الطرف العربي المنفرد، وهو أصلا ضعيف وليست أمامه فرص سوى الخضوع للضغوط وتقديم التنازلات.. أردنا أن نكون عونا للأطراف العربية وإذا بنا نفاجأ بالاتفاق الفلسطيني-الإسرائيلي وبعده الاتقاق الأردني- الإسرائيلي.

وأردف قوله: «إن الاتفاقات والصفاقات غير المتكافئة والتي لا تضمن الحقوق، لا يمكن أن تشكل عامل أمن واستقرار في المنطقة».

بقي من مسارات السلام المسار السوري ومعه اللبناني عالقين، واستمرت المحادثات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل تجري عبر الولايات المتحدة الأميركية، أحيانا متمثلة بوزیر خارجیتها وارین کریستوفر وأحیانا أخرى بمنسق مفاوضات السلام في وزارة الخارجية الأميركية دنيس روس.

 

موقف مبدئي

تستطيع سوريا أن تباهي بأنها الدولة العربية الوحيدة التي لم ترضخ للضغوط فلم تتنازل عن موتف مبدئي وقفته منذ انطلاق مسيرة السلام في مدريد، وذلك برغم أن تهاوي المواقف العربية شكل إحراجا للموقف السورى وتضييقا عليه، بقي الرئيس حافظ الأسد متمسكا بمبدأ الأرض مقابل السلام الذي انطلق من مؤتمر مدريد، ويربط موقفه من السلام بالانسحاب الكامل من الجولان ومن جنوب لبنان وفق القرارات الدولية. وقد أكد ذلك في المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده والرئيس كلينتون بعد لقائهما في دمشق في 27/ 10/ 1994، أنه المسار العنيد الذي لم يهن أمام التحديات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي في 27/ 10/ 1994، قال الرئيس الأميركي كلينتون: «سيجري الكثير من المفاوضات الصعبة قبل التوصل إلى  اختراق على المسار السوري، وكان الرئيس الأميركي قد التقى الرئيس حافظ الأسد قبل يوم واحد في دمشق.

وبقي لبنان يلتزم خط التنسيق الكامل مع سوريا في عملية السلام بأمانة كلية، ولم يتزحزح عن الموقف الذي أعلنه منذ بداية العملية داعيا لتنفيذ القرار 425 القاضي بانسحاب القوات الإسرائيلية من أرض لبنان بلا شروط. وهكذا ينتظر أن تكون سوريا ومعها لبنان، آخر من يوقع على سلام مع إسرائيل من العرب.

كيف تبدو تطورات الموقف على المسار السوري في الوقت الحاضر؟

بعد جولة من المحادثات أجراها الوزير الأميركي وارين كريستوفر في العاصمتين السورية والإسيرائيلية، قال في مؤتمر صحافي عقده في دمشق: «إن الزمن يتغير والأشياء تتحرك باتجاه أكثر إيجابية وانفتاحا، وأن المشهد العام للمنطقة يتبدل بسرعة». ووصف المحاثات التي أجراها بأنها «الاكثر جدية وجوهرية حتى الآن». كذلك فعل الرئيس كلينتون إذ قال بعد زيارته دمشق إن سورية جادة في سعيها إلى  السلام.

وكان الرئيس السوري حافظ الأسد قد ألقى خطابا في افتتاح الدور التشريعي السادس لمجلس الشعب بتاريخ 10/ 9/ 1994 شكل منعطفا مهما في أجواء محادثات السلام، وذلك حيث قال: «إنني أؤكد أن سوريا مدركة لأهمية السلام الذي يضمن الانسحاب الشامل كما أنها مدركة أن للسلام متطلباته الموضوعية وستفى بمتطلبات السلام الموضوعية التي يتم الاتفاق عليها». وأردف قائلا إنه «لم يتحقق حتى الأن تقدم ذو مغزی في عملية السلام»، وحدد إثر لقائه الرئيس كلينتون في دمشق، المقصود بمتطلبات السلام الموضوعية فتحدث عن «إقامة علاقات سلام عادية مع إسرائيل في مقابل الانسحاب التام من الجولان وجنوبي لبنان».

علق وزير خارجية إسرائيل شيمون بيريز على خطاب الرئيس الأسد فقال: «كلمة الأسد كانت إعلان سلام. في الماضي اعتدنا سماع إعلانات حرب وأمس سمعنا إعلان سلام». وقال الناطق باسم الخارجية الأميركية إن «الخطاب أعاد التأكيد أن سوريا التزمت الخيار الاستراتيجي من أجل السلام مع إسرائیل».

بيد أن الناطق باسم قصر الرئاسة السسورية جبران كورية أشار في 13/ 10/ 1994، إثر اجتماع الرئيس حافظ الأسد بالوزير الأميركي كريستوفر، إلى  وجود «فجوات»، مؤكدا أن كريستوفر أعرب للرئيس الأسد «عن اهتمام الرئيس بيل كلينتون والإدارة الأميركية بمواصلة الجهود التي تقوم بها الولايات المتحدة لدفع عملية السلام والمساعدة في معالجة الفجوات القائمة بين وجهات النظر».

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين قد أعلن في 19/ 9/ 1994 أن «الهوة لا تزال عميقة بين موقفي سورية وإسرائيل وخاصة حول خط الانسحاب الإسرائيلي من هضبة الجولان السورية والجدول الزمني لهذا الانسحاب والعلاقة بين الانسحاب والتطبيع والترتيبات الأمنية»، مضيفا قوله: «لا تزال الهوة عميقة بشأن هذه النقاط الأربع».

إن الحديث عن وجود فجوة أو هوة بين الموقفين السوري والإسرائيلي لا ينفي وجود استعداد جدي لدى الإسرائيليين للسلام ولو على هواهم. ففي مقابلة لإسحق رابين في 4/ 9/ 1994 جاء قوله: «حافظ الأسد يتحرك بيطء، ولكن بثقة، وهو حذر للغاية».

 

احتجاجات المستوطنين

ومن علامات الاستعداد الإسرائيلي للسلام مع سوريا إعلان رابين في 11/ 9/ 1994 أن الجولان ليست مقدسة عند اليهود. وفي معرض تعليقه على احتجاجات المستوطنين اليهود الذين يخشون أن تنسحب إسرائيل من المرتفعات السورية المحتلة في إطار تسوية سلمية، قال رابين في اجتماع مع مؤيديه في الكنيست إن الجولان لم تتمتع في أي وقت من التاريخ اليهودي بأهمية روحية كتلك التي تتمتع بها القدس وهاجم رابين في الاجتماع نفسه النائب العمالي الذي افترح تعديل القانون بحيث يتوجب الحصول على أكثرية 70 في المائة في الكنيست و65 في المائة في أي استفتاء عام للموافقة علی الانسحاب من الهضبة، ونقل عنه قوله: «إن هذه المحاولة تعتبر مؤامرة من اليمين تهدف إلى إسقاط الحكومة ونسف عملية السلام مع سوريا».ما كان رابين ليفتعل مثل هذه المعارك الداخلية لو لم ير جدية في مسار المحادثات مع سوريا.

مع ذلك ما زالت تفصل بين الموقف السوري والموقف الإسرائيلي هوة أو فجوة على أربعة محاور:

المحور الأول للخلاف هر مدى الانسحاب الإسرائيلي من مرتقعات الجولان، فبعدما كانت إسرائيل تؤكد استعدادها للانسحاب في الجولانوليس من الجولان، بمعنى أنها مستعدة لإجراء عملية إعادة انتشار وليس انسحابا بالمعني الصحيح، يبدو أن إسرائیل عادت فسلمت بضرورة الانسحاب من الجولان خلال الجولات الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية الأميركي كريستوفر، إلا أنها طرحت عقدة جديدة إذ وافقت على الانسحاب إلى خطوط العام 1948 وليس إلى خطوط العام1967 ، والفرق بين الانسحابين ناجم عن أن سوريا اكتسبت خلال حرب العام 1948 شريطا من الجولان كان يقع ضمن منطقة الانتداب الإنجليزي في فلسطين وهذه المساحة تشمل منطقة بانياس ومنطقة الحمة.

ومن الطبيعي أن تتمسك سوريا بالانسحاب الإسرائيلي إلى  حدود العام 1967، من جهة باعتبار أن المنطقة المختلف عليها تعتبر امتدادا طبيعيا للجولان، ومن جهة ثانية، وهذا هو الأهم، باعتبار أن محادثات السلام انطلقت في مؤتمر مدريد من القرار 242 الذي ينص صراحة على الانسحاب إلى  حدود ما قبل حرب العام 1967. هذه العقدة ما زالت عالقة. ولم تنفع في حلها بعد، وساطة وزير الخارجية .الأميركي.

المحور الثاني للخلاف يتعلق بمدة الانسحاب. فقد طرحت إسرائيل في بداية المحادثات الانسحاب خلال فترة ثماني سنوات وييدو أن الوساطة الأميركية أثمرت حتي الآن تقليص فترة الانسحاب إلى  خمس سنوات ولكن الجائب السوري ما زال يتمسك بأن تكون فترة الانسحاب على امتداد أشهر معدودة وليس سنوات، ويبدو أن الوساطة الأميركية تسعى إلى  التوصل لاتفاق على فترة انسحاب تمتد ثلاث سنوات.

 

المحور الثالث

المحور الثالث للخلاف يتعلق بتطبيع العلاقات بين سوريا وإسرانيل، فقيما تصر إسرائيل على أن يكون التطبيع ناجزا بمجرد التوقيع على سلام بين الدولتين، فإن سوريا تصر على أن يصير التطبيع ناجزا بعد إتمام الانسحاب الإسرائيلي من الجولان، ويبدو أن الوسيط الأميركي يحاول الريط بين جدول الانسحاب وجدول التطبيع، بحيث تأتي كل مرحلة من التطبيع في موازاة مرحلة من الانسحاب.

المحور الرابع للغلاف يتعلق بالترتيبات الأمنية المطلوب تنفيذها عند إحلال السلام. ويقال إن التفكير يتجه نحو الاتفاق على انسحاب القوات العربية السورية والقوات الإسرائيلية مسافة معينة من الحدود الغاصلة بين الدولتين على أن تتمركز في المنطقة العازلة قوات للأمم المتحدة تشكل القرات الأميركية عمودها الفقري، وما زال الجدل محتدما حول تفاصيل هذه العملية.

ولكن المطلب الأخطر التي تقدمت به إسرائيل في المحادثات هو اشتراط تقليص حجم القوات المسلحة السورية وتجريدها من أي نوع من أنواع أسلحة الدمار الشامل كالأسلحة الكيماوية. وكان الرد السوري على هذا الطرح حازما، إذ طالب المفاوض السوري في المقابل بتقليص حجم القوات المسلحة الإسرائيلية، وأهم من ذلك إخضاع الترساتة النووية الإسرائبلية للمراقبة الدولية وانخراط إسرائيل في الاتفاقية الدولية للحد من الأسلحة النووية، وما زالت هذه النقطة من العقد المستعصية في المحادثات غير المباشرة الجارية بين سوريا وإسرائيل.

 

بين الأجواء الإيجابية التي تحيط بالمحادثات على الجانب السوري كما على الجانب الإسرائيلى وبين العقد المستعصية التي ما زالت تتحكم بمسار هذه المحادثات تتقاوت التقديرات إزاء المدة التي قد تستغرقها المحادثات قبل التوصل إلى  اتفاق بين الطرفين. فحسب التقديرات المتفائلة يمكن أن تستغرق العملية بضعة أشهر. وحسب التقديرات الأقل تقاؤلا يمكن أن تستغرق العملية أكثر من سنة كاملة. ولكن المسيرة، في رأي أكثر المراقبين، اجتازت نقطة اللاعودة في أي حال، حسب تعبير وزير خارجية لبنان فارس بویز.

أما لبنان فمن المقدر أن بنجز محاثات مع إسرائيل إذا ما وصلت المحادثات بين سوريا وإسرائيل إلى نهاية إيجابية. ومع أن لبنان ما زال يتشبث بالفرار 425 إلا أن إسرائيل لم تظهر أي استعداد للانسحاب من جنوب لبنان إلا في مقايل السلام مع لبنان فمع أن لبنان ليس طرفا في القرار 242 فإن إسرائيل استدرجته عمليا إلى  التفاوض على الأرض مقابل السلام.