مونيكا ستاب لـ«المجلة»: المجتمع السعودي إيجابي تجاه النساء اللواتي يمارسن الرياضة

رائدة كرة القدم الألمانية تقود التغيير في كرة القدم النسائية في السعودية
1- مونيكا ستاب أول مدربة للمنتخب السعودي لكرة القدم للسيدات. (مصدر الصورة: مونيكا ستاب)
2- تولت مونيكا ستاب تدريب أول منتخب نسائي سعودي منذ سبتمبر 2021 (مصدر الصورة: مونيكا ستاب)
3- مونيكا ستاب تدرب لاعبات كرة قدم باكستانيات أثناء تدريبها في كراتشي عام 2007 (مصدر الصورة: مونيكا ستاب)

الرياض: اكتسب مشهد كرة القدم النسائية في المملكة العربية السعودية زخما متزايدا، خاصة بعد إنشاء أول قسم متخصص لكرة القدم النسائية في عام 2019، فضلا عن أن الرياضة النسائية- في ضوء رؤية المملكة 2030- شهدت زيادة مذهلة في المشاركة. كما بلغت معدلات التفاعل 149 في المائة خلال السنوات الأربع الماضية. وحاليًا، تمارس أكثر من 195000 فتاة تتراوح أعمارهن بين 5 و15 عامًا الرياضة أسبوعيًا.

نجاح كرة القدم للسيدات السعوديات لم يكن نتيجة الصدفة أو ضربة حظ، بل كان نتيجة التخطيط الواعي والجهود الحثيثة وتضامن الجميع دعماً للتنمية ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

بداية واعدة ومتفائلة تدل على مستقبل باهر لكرة القدم النسائية السعودية بعد دخول اللعبة في المملكة تحت مظلة الفيفا، حيث فاز الفريق بأول مباراتين على حساب منتخبي سيشيل والمالديف تحت قيادة المدربة الألمانية المخضرمة مونيكا ستاب.

مونيكا ستاب رائدة في تطوير كرة القدم النسائية، فضلا عن كونها نجمة الكرة الألمانية، لعبت في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي. بدأت ستاب، والتي تتمتع بخبرة تزيد على 25 عامًا كلاعبة ومدربة، التدريب بعد مسيرة احترافية امتدت لأكثر من عقدين مع أندية مثل اكيكرز أوفنباخ الألماني، وكوينز بارك رينجرز في إنجلترا، وباريس سان جيرمان في فرنسا.

بعد تقاعدها في عام 1992، دربت SG Praunheim، آخر نادٍ لها، لمدة ست سنوات، قبل أن تنتقل إلى نادي فرانكفورت الألماني لكرة القدم، حيث فازت بكأس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم للسيدات 2002 (الآن دوري أبطال أوروبا للسيدات)، وأربعة ألقاب في الدوري، وخمسة ألقاب كؤوس ألمانية.

«أعتبر نفسي رائدة في كرة القدم للسيدات حيث كان علي التغلب على العديد من العوائق طوال حياتي في اللعبة. بدأت اللعب عندما كان عمري 4 سنوات مع الأولاد. كفتاة كان ممنوعا علي اللعب في ناد أو في أي فريق للأولاد. لذلك، عندما سمح لنا الاتحاد الألماني لكرة القدم باللعب في 30 أكتوبر (تشرين الأول) 1970، انضممت لفريق البالغين حيث لم يكن هناك فريق شباب للفتيات. منذ ذلك اليوم فصاعدًا، كنا نحاول أن يتم قبولنا في المجتمع. أنا الآن أعمل في المملكة العربية السعودية وأجد نفس الوضع الذي كان لدينا قبل 53 عامًا. أقول دائمًا إنه إذا كنت تعمل في كرة القدم النسائية، فعليك أن تكون مجنونًا بشكل إيجابي. لم يكن هناك الكثير من المال- فقط شغف اللعبة وحبها هو دافعك»، هكذا بدأت مونيكا ستاب حديثها مع «المجلة».

وأضافت: «في كرة القدم النسائية، عليك التحلي بالصبر والتفاني في تحقيق أي شيء. بشكل عام، عليك أن تؤمن بما تقوم به، وبعد ذلك ما يمكن أن يحدث، يجب أن تتمتع بقدرة كبيرة على التحمل. أنا دائما أعطي الأشخاص الذين يشاركون في كرة القدم النسائية الشرارة للنار التي يجب أن يشعلوها بأنفسهم».

تألقت ستاب مع الأندية الأوروبية المرموقة مثل كوينز بارك رينجرز، وساوثامبتون، في إنجلترا، ثم باريس سان جيرمان في فرنسا، قبل أن تقرر العودة إلى ألمانيا، حيث أشرفت على الإدارة الفنية لنادي فرانكفورت النسائي، قبل أن تتولى رئاسة نفس النادي بين 1999 و2003.

استطاعت ستاب أن تصنع لنفسها اسمًا لامعًا في دوائر صنع القرار الدولية لكرة القدم النسائية. كما اشتهرت بإلقاء محاضراتها عن اللعبة في الاتحاديين: الدولي (فيفا) والأوروبي (يويفا). كما اضطلعت في أكثر من مناسبة بمهمة تمثيل الفيفا وألمانيا في عدد من المهمات والأحداث الدولية.

بالإضافة إلى ذلك، كانت البحرين أول مغامراتها العديدة كرائدة كما قالت ستاب نفسها في العديد من المقابلات. سافرت إلى 85 دولة على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، من غامبيا إلى باكستان ومن سوريا إلى كوريا الشمالية. أبواب كل اتحاد كرة قدم تحت رعاية الفيفا الدولية كانت مفتوحة أمامها.

منذ نهاية عام 2018، كانت مسؤولة عن مشروع كرة القدم الغامبية حتى جاء فيروس كوفيد-19 ومعه تحدٍ جديد. بخصوص تجربتها في مشروع غامبيا الألماني لكرة القدم؛ قالت: «لقد كانت تجربة رائعة حقًا. تم دعم هذا المشروع من قبل الحكومة الألمانية والاتحاد الرياضي الأولمبي الألماني. غامبيا هي أيضًا دولة مسلمة، لذلك كان لدينا الكثير لإقناع المجتمع بأن الفتيات يمكنهن أيضًا لعب كرة القدم. لم يكن المقصود من اللعبة الجميلة أن تكون للأولاد والرجال فقط، وإنما أيضًا للفتيات والنساء. لذلك، قمنا بالعديد من البرامج المدرسية، وعليه بدأت الفتيات اللعب في سن مبكرة جدًا ومن ثم كان من الطبيعي اللعب لهن عندما يبلغن 12 عامًا».

وأضافت: «قمنا بتعليم الكثير من المعلمين حتى يتمكنوا من إدارة كل هذه البرامج المدرسية. قمنا بتنظيم الكثير من المهرجانات حتى يتمكن الآباء من رؤية بناتهم وهم سعداء. أنشأنا أكاديميات، لذلك كان هناك مسار جيد للفتيات لتحسين أدائهن. لا يُسمح للعديد من الفتيات بالذهاب إلى المدرسة بسبب نقص التمويل وأيضًا يتعين عليهن المشاركة في الأعمال المنزلية. لذلك، تمكنا من إعادة عدد غير قليل من الفتيات إلى المدرسة من خلال كرة القدم لأن التعليم هو أثمن فائدة لجميع الأطفال- الأولاد وكذلك الفتيات».

من الأحداث المهمة التي خاضتها ستاب في تاريخ كرة القدم للسيدات هي عندما عقدت ستاب أول جلسة تدريبية مع المنتخب الوطني السعودي للسيدات في 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021. حيث تم تسجيل 700 لاعبة للعب وتمثيل المملكة، وحضرن جميعهن التجارب وتم تقييم مهاراتهن، ثم قامت ستاب بتقليص العدد إلى 30 فريقًا.

وعن هذا قالت ستاب: «عندما جئت إلى هنا لم يكن هناك فريق وطني تقريبًا. بدأنا نعلن عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن بعض التجارب. تم بالفعل تسجيل 700 لاعبة. في النهاية جاءت 400 لاعبة واخترنا 50 من المدن الرئيسية الثلاث جدة والدمام والرياض. لم يلعبن أبدًا على ملعب من 11 فريقًا، لذلك بدأنا بلعب دوري في هذه المدن الثلاث مع 6 فرق لكل منهما. لعبت آخر 8 أفضل الفرق بطولة خروج المغلوب وفي بداية يناير (كانون الثاني) تم انتخاب أول بطل للمملكة العربية السعودية في كرة القدم النسائية. لقد لعبن 70 دقيقة فقط في كل مباراة. جمعت أفضل 36 لاعبة في نهاية يناير لإعدادهن لأول مباراة دولية رسمية في جزر المالديف ضد سيشيل».

وأضافت: «لقد كانت تجربة رائعة للاعبات؛ وخاصة أنها المرة الأولى التي لعبن فيها على ملعب كبير. في البداية كان كل شيء فوضويًا بعض الشيء. بعد أن لعبن بعض المباريات، تحسن أداؤهن بشكل كبير. النساء متحمسات للغاية للتعلم والمشاركة بشكل لا يصدق في لعب اللعبة. في الواقع، هناك 28 فريقًا نسائيًا في السعودية. لذلك تم لعب كرة القدم منذ عام 2007 ومع ذلك لم يكن هناك منافسة على ملعب مكون من 11 جانبًا - فقط 5 أو 7 أو 9 في بطولات/ مستوى المجموعات».

إن لعب دور في هذا التغيير الاجتماعي أمر مهم للغاية بالنسبة إلى ستاب، التي تنحدر من ديتزنباخ بالقرب من فرانكفورت. فبالإضافة إلى رعاية المنتخب الوطني، تشمل مهامها أيضا تدريب مدربين آخرين.

«إن تطوير كرة القدم النسائية يعني العمل الجاد- والبدء من جديد خاصة في البلدان العربية حيث لا تزال كرة القدم النسائية غير مقبولة في المجتمع بسبب الحواجز الثقافية. قال لي رجل عربي ذات مرة: المرأة العربية مثل البلورة عندما تلعب كرة القدم سوف تنكسر، فأجبت أنني ألعب منذ أكثر من 50 عامًا ولم أتحطم».

تغلبت الصقور، التي تشرف علي تدريبهن المدربة الألمانية، على سيشل 2-0 في أول مباراة ودية لهن والتي أقيمت في جزر المالديف. وبعد اللعب والفوز بأول مباراة دولية لهن على الإطلاق، نال المنتخب الوطني لكرة القدم للسيدات السعوديات إشادة عالمية، وعلى وجه الخصوص، من أحد أكبر الأسماء في اللعبة.

«اليوم هو يوم تاريخي، ليس فقط بالنسبة لكن، ولكن لكل من يحب كرة القدم»، هكذا غرد لاعب كرة القدم البرازيلي الأسطوري إدسون أرانتيس دو ناسيمنتو، المعروف باسم بيليه، لدعم اللاعبات. وأضاف بيله: «أود أن أهنئ الاتحاد السعودي لكرة القدم وفريقهم الوطني لكرة القدم للسيدات على أول مباراة رسمية لهما على الإطلاق من قبل الفيفا».

ومن ناحيتها وصفت رائدة كرة القدم الألمانية هذه التجربة بـ: «لقد قدمت اللاعبات أداءً مذهلاً- كن ممتلئات بالشغف- أردن هذا النجاح بشدة. لقد لعبن بهذا الشرف والفخر لبلدهن. لقد اندهشت حقًا من السرعة التي نفذت بها الفتيات جميع الجوانب التكتيكية والفنية والجسدية للعبة التي تدربن عليها في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن. لم يلعبن أبدًا في مثل هذا الملعب الكبير وأيضًا لمدة 90 دقيقة. لقد لعبن مباراتين في غضون 4 أيام. لم أكن أتوقع مثل هذا الأداء العالي للاعبات. كانت اللاعبات سعيدات للغاية لخوض أول مباراة دولية رسمية لهن. صنعت اللاعبات التاريخ ولن تنسى هؤلاء الفتيات أبدًا هذه اللحظة التاريخية الرائعة».

وعندما سُئلت عما إذا كانت قابلت الكثير من الأشخاص الذين ليسوا منفتحين للغاية بشأن كرة القدم النسائية في المملكة العربية السعودية؛ قالت: «لا على الإطلاق- كل التعليقات التي تلقيتها بعد هذا النجاح الكبير في جزر المالديف كانت رائعة حقًا. الرجال على وجه الخصوص هم داعمون وسعيدون للغاية لدرجة أن النساء يمكنهن الآن لعب اللعبة. السعودية دولة مجنونة بكرة القدم- كل من الجدة والبنات والأمهات وبالطبع جميع الرجال يدعمون بطريقة ما فريقًا أو حتى فريقًا دوليًا في أوروبا. يذهبن جميعًا إلى الملعب ويهتفن لفريقهن. أينما أذهب الآن في السعودية، سيعرفنني جميعًا كمدربة وطنية للسيدات ويرغبن في التقاط صور سيلفي معي».

وبخصوص عما إذا كانت كرة القدم للسيدات تساهم في المساواة؛ قالت ستاب: «النساء هنا في السعودية يتمتعن بالمساواة- لديهن وظائف جيدة وما فاجأني أنهن يحصلن على أجر متساوٍ. لاعبات المنتخب الوطني يحصلن على نفس البدلات اليومية التي يحصل عليها الرجال. كل هذا لم يكن متصورا في أيامنا عندما كنا نلعب كرة القدم. أنا سعيدة حقًا كيف أن المجتمع إيجابي تجاه النساء اللواتي يلعبن كرة القدم».

أما بالنسبة للمرحلة القادمة لها وللمنتخب الوطني للسيدات؛ فقالت ستاب: «في الوقت الحالي، تستعد معظم اللاعبات الوطنيات لبعض منافسات كرة القدم الخماسية (أو كرة الصالات) التي ستنطلق في مايو (أيار) أقصد بطولة كرة الصالات لدول مجلس التعاون الخليجي، وفي يونيو (حزيران) بطولة غرب آسيا لكرة الصالات حيث تستضيفها المملكة العربية السعودية. يوجد مدرب وطني لكرة الصالات لأنها ليست نفس اللعبة».

واختتمت ستاب حديثها بـالكلام عن المرحلة المقبلة للمنتخب الوطني السعودي للسيدات: «سيبدأ المنتخب الوطني لكرة القدم للسيدات المكون من 11 لاعبة من جديد في أغسطس (آب) استعدادًا لمبارياته الدولية الثلاث المقبلة في موريشيوس. علينا لعب خمس مباريات ضد فرق تصنيف الفيفا قبل أن يدخل المنتخب الوطني في قائمة تصنيف الفيفا».