هل كان سلفادور دالي سيرياليا بالفعل؟

قدّم فرانسيس بيكون عام 1936 بعضًا من أعماله للمعرض السيريالي العالمي ولكن تم رفضها لأنّها «ليست سيريالية بما يكفي». ويعتقد البعض أنّه كان من الأفضل لو أنّ بيكون تراجع عن هذه الخطوة من تلقاء نفسه خصوصًا وأنّه لطالما ادعى أنّ أعماله تصوّر الحقيقة وليس السيريالية. ولكنّ لا ينطبق الأمر نفسه على سلفادور دالي الذي تحوّل إلى مرادفٍ للسيريالية بشاربه الغريب المستوحى من دييغو فيلاثكيث وسلوكياته السخيفة واستهلاكه الفاضح.  

بدأ أفيدا دولارز (طمّاع الدولارات، كما كان أندريه بروتون يسمّيه) مسيرته مفلسًا، فاضطر عام 1929 للحصول على تمويل فيلم «كلب أندلسي» الذي أنتجه بالشراكة مع لويس بونويل، من والدة الأخير. وشكّلت نتائج هذا الفيلم اختبارًا صعبًا لوفاء والدة بونويل لأمومتها بعد أن اضطرّت في اللحظات الأولى من الفيلم لمشاهدة ابنها القوي يشحذ شفرة حلاقة قبل أن يستخدمها لشقّ عين امرأة (كانت العين تعود في الحقيقة لعجل ميت).

وكأنّ المشهد لم يكن سيئًا بما يكفي، فيظهر في الفيلم لاحقًا رجلٌ يداعب ثديي امرأة تحت ملابسها ثمّ تختفي الملابس فجأة لتظهر يديه على ثدييها العاريين. عاشت السيّدة بونويل دون شكّ حالة من الصدمة في تلك اللحظة وكانت غالبًا تعتقد أنّ الأمور لن تسوء أكثر، إلّا أنّ الثديين العاريين تحوّلا إلى مؤخّرة عارية. بعدها، عاد قميص المرأة للظهور وصدّت الأخيرة تجاوزات الرجل. ولكنّ السيّدة بونويل شعرت ربّما ببعض الراحة لمعرفتها بأنّ اليدين الظاهرتين في ذلك المشهد لم تكونا لابنها.

نجح الفنّانان الإسبانيّان في هذا الفيلم القصير بإظهار روح السيريالية بانحرافاتها المتعدّدة. ويصف بونويل علاقته العملية بدالي بشكلٍ مشابهٍ للطريقة التي يصف بها بروتون عمله مع فيليب سوبولت. فقد التزم الإسبانيّان بقاعدة واحدة هي: «لا تسهب في ما يتطلّب شروحات منطقية أو نفسية أو ثقافية محضة وأفسح المجال للامنطق. لقد حازت الصدمة على القبول بصرف النظر عن المعنى... ولم يكن لدينا أيّة حجّة وحصلنا على أسبوعٍ من التفاهم التّام. وقال أحدهم: (يجرّ الرجل آلة موسيقية مزدوجة)، فاعترض الآخر. حاز الاعتراض على القبول والتعليل فورًا، ولكنّ عندما أعجب طرح أحدهما الآخر، بدا الأمر رائعًا ولا يحتاج للنقاش وأُدخل إلى النّص على الفور».

لعلّ الآلة الموسيقية المزدوجة تحوّلت إلى كمانٍ يركله رجلٌ في الشارع قبل أن يحطّمه بقدميه، مع أنّ هذا الكمان عاد وظهر في فيلمهما الثاني «عصر الذهب» (لاج دور). لا يمكننا التأكيد على هذا الأمر لأنّ ذاكرة بونويل كانت ضعيفة حسب ما كشف في سيرته الذاتية (ذكروني بقراءتها مرّة أخرى في وقتٍ قريب) التي عنونها «نفسي الأخير»، واعترف فيها بأنّه ليس متأكّدًا مما إذا كان قد عاشر إحدى نجمات هوليوود الصعبات المنال ونسي من هي أو ربّما حلم بالأمر. تذكرت بنفس الطريقة الرجل الذي اعتقله رجلا الشرطة في المشهد في ذلك الفيلم ونجح في الإفلات عندما لمح كاهنًا وركض سريعًا لنزع ملابس الرجل. في الحقيقة، لقد اكتشفت الآن أنّه لا يفعل شيئًا من هذا القبيل. لقد اعتدى البطل الغاضب في الحقيقة على رجلٍ أعمى للركوب في سيّارة الأجرة التي يقودها. ولكنّني أتذكّر في المقابل بعض الأشياء بوضوح كالعقارب المتقاتلة في بداية الفيلم والهياكل العظمية لرجال الدين على المنحدرات.

ومن قد ينسى اللحظة التي تُصاب فيها البطلة بالجنون وتبدأ بمصّ إصبع قدم تمثالٍ كلاسيكي؟

عندما شاهدتُ هذه الأفلام للمرّة الأولى، بدت لي مثيرة جدًا للحماس لأنّ المكوّنات السيريالية الأساسية كانت مكثّفة لبضع ساعات ومشحونة بالفكاهة الشهوانية المخيفة والبعيدة عن المألوف لتبدو وكأنّها تتمسّك بالسيريالية بغرابة وحيوية وإبداع منذ لحظة بدايتها. ولفت أندريه بروتون إلى أنّ دالي وبونويل أبديا في الوقت نفسه التزامًا بمبادئ النظرية السيريالية. وعرّف بروتون السيريالية في بيانه الرسمي الذي كتبه عام 1924 كما يلي:    

«إنّها آلية نفسية بحالتها الصافية، يقترح الإنسان من خلالها التعبير- شفهيًا بواسطة الكلمات المكتوبة أو أيّ وسيلة أخرى- عن الأداء الفكري الفعلي. يملي الفكر السيريالية على الإنسان بغياب أيّ سيطرة للمنطق والمخاوف الجمالية والأخلاقية».

حسنًا، لم نر أيّ أثر للمخاوف الأخلاقية هنا. ففي فيلمه الأوّل الذي كان أقوى من ألف بيان رسمي، يستذكر بونويل كيف أنّ «جماليات السيريالية اندمجت مع بعض اكتشافات فرويد. التزم هذا الفيلم بمبادئ هذه المدرسة الأساسية التي عرّفت السيريالية على أنّها (آلية نفسية) غير واعية وقادرة على استعادة وظائف العقل الحقيقية بعيدًا عن أيّ نوع من سيطرة المنطق والأخلاق والجماليات».

أصيب بونويل بخيبة أمل من القنبلة التي رماها في وسط المجتمع البرجوازي لأنّ العرض الأول لفيلم «كلب أندلسي» لم يحدث الضجّة المرجوّة. ولكنّ الفيلم في الحقيقة حقّق نجاحًا مبهرًا في أوساط البرجوازية الفرنسية ما دفعه للاستهجان قائلًا: «ماذا يسعني أن أفعل حيال الأشخاص الذين يعشقون كلّ ما هو جديد حتّى عندما يخالف أعمق قناعاتهم، أو تجاه الصحافة الفاسدة غير الشفافة والقطيع التّافه الذي رأى جمالًا أو شعرًا في شيء لم يكن أكثر من دعوة بائسة للقتل؟».

كان فيلم «عصر الذهب» عملًا أطول مشحونًا بنفس مستوى الشهوانية ومطعّما بالفكاهة المخيفة التي تصل للمشاهد عن طريق مصّ ثدي دادا. احتوى الفيلم على ما يشبه الحبكة واستُخدمت فيه موسيقى كلاسيكية أضفت على القصة نوعًا من السخرية.  تحارب العقارب بعضها البعض في أوّل مشهد، الذي ترافقه موسيقى «فينغال كيف» لفيلكس مندلسون. لا يوجد علاقة واضحة بين هذا المرور التاريخي الطبيعي والأحداث التّالية، ولكنّ الخلافات التافهة اللاحقة التي حصلت في أحد اللقاءات الاجتماعية رافقتها أنغام درامية من «السيمفونية غير المكتملة» لشوبرت. يأتي المشهد الأخير منفصلًا عن الحبكة ويرينا أنّ إحدى شخصيات السادية الفاسدة تشبه المسيح عند الخروج من مشهد فجورها. يرافق هذا المشهد المحبط أصوات طبل مزعجة تذكّرها بونويل من طفولته، كنغمة يوم الجمعة العظيمة التي تستمرّ في الضرب ليلًا ونهارًا في قريته حتّى يقوم المسيح.

بعيدًا عن هذه الطبول، يصعب على المشاهد تحديد أي أجزاء من الفيلم كتبها بونويل وأيّها كتبها دالي. ولكن إذا اعتمدنا على مقارنة بيان بروتون للسيريالية بحشيشة الكيف، يمكن القول إنّ هذا الفيلم كان بالتأكيد عملًا مشتركًا بين الاثنين.

رائحة الخداع الكريهة

وصف رينيه ماغريت اللحظة التي رأى فيها لوحة «أغنية الحب» لجورجيو دي شيريكو بالأكثر تأثيرًا في حياته، قائلًا: «رأت عيناي الفكر للمرّة الأولى». ولكنّني شخصيًا لم أر أي لحظة مقدّسة كالتي وصفها ماغريت. انضممتُ متأخرًا للحفلة السيريالية التي اكتسبتُ الكثير منها بنوعٍ من التناضح مع المحيط وماغريت نفسه كان من المسؤولين عن هذا التناضح. ولكنّ الصورة الغريبة التي نظر إليها بهذا الحدس الجامح في هذه اللحظة المقدّسة سبقت في الحقيقة ظهور التيار السيريالي لأنّ شيريكو، الذي اعتبر نفسه ماورائيا، رسمها عام 1910 علمًا أنّه لقي ترحيبًا كبيرًا لاحقًا من أندريه بروتون كواحدٍ من السيرياليين.

لم أجد الإلهام الذي عبّر عنه ماغريت، ولكنّني رأيتُ في السيريالية فرصةً للتفكير بدل الحلم. فقد كنتُ مراهقًا يعاني من مشاكل عاطفية وتشغله أسئلة كبيرة. في هذه المرحلة، كانت «الحالة البشرية» لم تتحوّل بعد إلى كليشيه وكانت تناقضاتها تعاند كلّ فكرة يقظة لديّ. لماذا أنا أنا؟ ولماذا هنا؟ ولماذا الآن؟ لقد كانت آخر صيحات «لماذا» الصاخبة للطفل الذي بداخلي. دعمت السيريالية، أو الماورائية- لم تكن التسمية مهمّة- هدف السؤال «لماذا؟» بمزيد من الانفعال وأكثر من أيّ وقتٍ مضى واستعرضت الدراما المستمرّة للامتصاص الذاتي الكامل الذي أثّر على بعض السيرياليين أيضًا وخصوصًا رجلهم الأوّل سلفادور دالي، الذي جذبتني أعماله أكثر من الآخرين. لقد قرأت سيرته الذاتية التي يهنئ بها نفسه، ولا بدّ من أن أكون صريحًا مع نفسي القديمة وأعترف أنني وجدتها مضحكة حتّى في ذلك الوقت. لم أستطع مقاومة ساعاته الطرية المتدليّة من فوق الأغصان وعكازته التي ترفع الأجزاء الخلفية الممتدّة بشكل غريب من وليام تيل والزرافات التي تحترق دون سبب.

بعد إعجابي وتقديري الشديدين، جاء التحرّر من الوهم كما في أشياء أخرى كثيرة. ففي أحد الأيّام، خاطبني مساعد شاب لأحد أساتذة الفنون وامتدح جهودي الفنية وأصبحنا صديقين. وفي يومٍ ربيعيٍّ دافئ آخر، اقترح عليّ خلال جولة في حرم الجامعة أن أوسّع نطاق عملي قليلًا وسألني إذا فكّرتُ يومًا بالتجريد. أجبته بلا وأنّني أفضّل السيريالية، فردّ أنّ الأمر واضحٌ جدًا. وأضاف: «ولكنّ السيرياليين مبتذلون وفنّهم قديمٌ جدًا، ألا تظنّ ذلك؟». فأجبته بالنفي وقلتُ له إنني أعتبرهم مصدرًا للإلهام. فسألني من جديد من أفضّل منهم، إرنست؟ قلتُ لا، وسمّيتُ سلفادور دالّي. في هذه اللحظة، هاجمني مساعد الأستاذ قائلًا: «لا تصدّق ما يُحكى لأنّ هذا العبقري الإسباني ليس إلّا محتالًا يروّج لنفسه. إنّه دجّال ومدّعٍ متباهٍ بأجندة سياسية كاذبة والمثال الأسوأ عن البغاء الجمالي التجاري منذ مناصري العصر الفيكتوري»، وختم بكلمة لم أكن أتوقّعها، وقال: «إنّه سافل».

لم تكن وجهة النظر هذه غريبة أو غير مألوفة أبدًا ولكنّها كانت فقط فجّة ولم أسمع أحدا يستخدمها من قبل. بالكاد استطعت التركيز على محاضراتي في عصر ذلك اليوم، حتّى إنني بقيت أفكّر وأستعيد ما قاله لي لأيّام. لقد كنتُ محظوظًا فعلًا أنّني وصلتُ إلى نهاية مغامرتي السيريالية، حتّى أنّ ازدرائي للفن التجريدي قد تحوّل منذ ذلك الوقت إلى إعجاب وتقدير غاضبين لأنّه دفعني إلى متاهة التشكيك بنفسي الفنية وإلى ضرورة إعادة التفكير بسبب وجودي ككلّ. لقد بدا واضحًا أنّ مساعد الأستاذ يفتقر إلى الذوق، فمن يكون ليصدر الأحكام؟ كنتُ أملك مجموعة واسعة من الأسلحة النظرية ولكن الضرر وقع واخترقت الأفعى جنّتي السيريالية.

كيف فاتتني قذارة دالي وسمعته السيئة طوال هذا الوقت؟ فقد رأى السيرياليون أنفسهم هذه العيوب قبل الحرب العالمية الثانية بكثير، حتّى أنّ قرينه الإسباني بابلو بيكاسو كان يتحاشى ذكر اسمه بعد العلاقة الطيبة التي جمعته بفرانكو الذي أدّت انتفاضته الفاشية إلى وفاة الشاعر فيديريكو غارثيا لوركا، أحد أقرب أصدقاء دالي.

في النهاية، تنكّر دالي لنفسه للسيريالية وساءت علاقته جدًا بجميع أعضاء التيّار. كان الكاتب جورج أورويل من أشد منتقديه واكتشف الكثير من قذاراته بمجرّد اقترابه منه، حتّى إنّه وصفه «بالرسام الجيّد والكائن البشري المثير للقرف». ومع بداية عام 1944، كتب أورويل سيرة دالي الذاتية التي جاء فيها:

«هذا الكتاب مثيرٌ للاشمئزاز، ولو كانت الكتب تخرج روائح كريهة من صفحاتها، لكانت خرجت من هذا الكتاب. قد تروق هذه الفكرة لسلفادور دالي الذي بادر قبل أن يثير إعجاب زوجته المستقبلية للمرّة الأولى إلى دهن نفسه بمرهم مصنوع من روث الماعز المغلي بغراء السمك».

وكما هي العادة دائمًا في اعترافات دالي، يعاني القارئ من كثرة المعلومات. فقد اتهم أورويل الرسام الإسباني بكلّ أنواع النزعات المقرفة كجماع الأموات والولع بالبراز وغيرها من «الانحرافات» التي شكّلت مصدرًا للنفور في الأربعينيات كما اليوم. ولكنّه في المقابل اعترف أنّ دالي ماهرٌ في الرسم:

«يملك دالي صفتين لا يمكن التشكيك بهما هما موهبة الرسم والأنانية الشنيعة. فقد ذكر في المقطع الأوّل من الكتاب، أنه رغب في السابعة من عمره في أن يصبح نابليون وكبُر طموحه هذا كثيرًا منذ ذلك الحين».

لم يلاقِ أورويل نكتة دالي هذه بمزاج مرح وكتب:

«ولنفترض أنّك لا تملك شيئًا إلّا أنانيتك وبراعتك التي لا تتعدّى ذراعيك؛ لنفترض أنّ موهبتك الحقيقية أُعطيت لك على شكل أسلوب في الرسم التفصيلي والأكاديمي والتمثيلي وأنّ مهنتك الحقيقية هي رسم الكتب العلمية، كيف كنت لتصبح نابليون في هذه الحالة؟».

أشار أورويل إلى أنّه كان يستطيع ولكنّه تعثّر فورًا بسبب شجاعة أدائه المتوسطة: «ولكن يوجد دائمًا مهربٌ واحد: الخبث وفعل ما يصدم النّاس ويجرحهم... يمكنك أيضًا أن تزيد الطين بلّة بالتحوّل الديني والقفز مرّة واحدة من صالونات باريس الأنيقة إلى حضن أبراهام دون أن يظهر عليك أثرٌ للندم».

نادرًا ما نقرأ هذا النقد اللاذع في كتابات أورويل لأنّه يميل أكثر إلى اللهجة اللطيفة، ولكن رأيه في دالي ناتج عن سببٍ معروف للجميع، أي الحرب الأهلية الإسبانية. فقد جعلت منه المشاركة في ذلك الصراع شديد الحساسية تجاه الخيانة السياسية، ولم يستطع، كما بيكاسو، غفران خيانة دالي للقضية الجمهورية وعجز بالتّالي عن مسامحته لكونه «منفرا أشبه بالبرغوث» يستخدم عذر «أصوله العربية» الزائفة لتبرير أذواقه الباذخة ومعاشرة الأثرياء وتجنّب الحرب بعد أولى إشارات الخطر. ولكنّ السبب الرئيسي كان وقوفه في الجهة الخاطئة عندما وصل الأمر إلى مصير وطنه الأم. باختصار، يثير دالي الاشمئزاز ويستحقّ هذا الحكم اللاذع الذي يوازي حكم الأستاذ المساعد قوّةً.

اتّخذ دالي في شبابه موقفًا يساريًا كونه سيرياليا ولكن عند بلوغه العقد الثالث من العمر، وفي بداية ما سماه الشاعر ويستن هيو أودن «عقد الخداع الرخيص»، اشتبه من حوله في تعاطفه مع الهتلرية. حوكم دالي عام 1934 من قبل زملائه السيرياليين وبالكاد استطاع تجنّب طرده من المجموعة. عندها قال السيريالي غير التّائب: «الفرق بيني وبين السيرياليين أنّني سيريالي». لم تتحسّن الأمور بعد دخوله في عقد الخداع الرخيص. فبعد اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية في 1936، تجنّب دالي اتخاذ موقف مع أو ضدّ الجمهورية ولكنّه سارع بعد انتصار فرانكو في 1939 إلى مدح الكاثوليكية والمحافظين وطُرد من التيّار السيريالي. وفي العدد اللاحق من المجلّة السيريالية «مينوتور» الصادر في مايو (أيار) من ذلك العام، أعلن أندريه بروتون فصل دالي وادعى أنّه دعم السباق إلى الحرب وأنّ التكرار المبالغ به «لأسلوبه النقدي الموسوم بجنون العظمة» أدّى إلى انفصاله عن الذاتية السيريالية. في ذلك الوقت، رسم دالي لوحة سماها «لغز هتلر» وشكّلت اعترافًا بالمرّات الكثيرة التي رأى فيها «القائد» في أحلامه.  

اشتبه بروتون في ذلك الوقت أنّ بعض هذه الأحلام كانت أحلام يقظة جنسية استنادًا على ما كتبه دالي لأندريه بارينود للاعتراف بخيالاته الجنسية المثلية:

«غالبًا ما حلمتُ بهتلر على شكل امرأة. تخيّلتُ جلده أبيض أكثر من البياض وأثارني الأمر... لم أملك سببًا للتوقّف عن إخبار الجميع أنّ هتلر جسّد الصورة المثالية للمازوشي الذي قد يبدأ حربًا عالمية للاستمتاع بخسارة نفسه ودفنها تحت أنقاض إمبراطورية؛ كان يجب لهذا العمل غير المبرّر أن ينال إعجاب السيرياليين».

ولكن عندما تعرّفت على دالي، كانت هذه القضية قد أصبحت من الماضي، حتّى إنّ عدائية مساعد أستاذ الفنون ركّزت على بذخه بشكلٍ رئيسي. بدورها، أصبحت السيريالية ضحية نجاحها واحتُفي بها كاتجاه سمح للاوعي بالدخول إلى عالم الفنون الجميلة مع تناسي خلافاتها السياسية التي مضى عليها الكثير. كان سيغموند فرويد أيضًا من الأشخاص الذين تحدّثوا عن دالي عام 1934، معتبرًا أنّ «الرجل يبدو متعصبًا» ولكنّ دالي شعر بالسعادة عندما سمع التعليق الصادر عن بطله المفضّل. في اليوم التّالي، كتب فرويد: «لم أكن أرغب حتّى اليوم بالحديث عن السيرياليين الذين اعتبروني بسذاجة راعيهم القدّيس... ولكنّ ذلك الشّاب الإسباني غيّر تقديري بعينيه المتعصبتين الصريحتين ومهارته الفنية التي لا يمكن تجاهلها». وكما أورويل، انبهر المحلّل النفسي الطاعن في السن بمهارات الشاب بالرسم، فشعر باضطراب أقلّ من مواقفه السياسية المريبة، هذا إذا سمع بها أصلًا.

جذبت السيريالية ماغريت في يومٍ من الأيّام كرافعةٍ للفكر ولكنّها استسلمت منذ وقتٍ طويل لواحد من أبرز اهتماماتها، أي الأحلام. من الصعب معرفة ما إذا كان صاحب السمعة السيئة (ولو أنّ المال ليس له رائحة سيئة كما يقولون) كان المسؤول الرئيسي عن انفصال السيريالية عن الفكر خصوصًا وأنّ نظريته عن «الوسيلة النقدية المرتابة» اقتربت جدًا من النظريات الواردة في بيان أندريه بروتون. ولكن بصرف النظر عن المسؤول، خسر الأسلوب الذي حلّ محل الاتجاه الجرأة السياسية التي كان يتميّز بها في الثلاثينات. لذا كان علينا دراسة المستندات اللاحقة الصادرة قبل الحرب العالمية الثانية التي كتبها جورج حنين.

عارض حكم الانتداب البريطاني السيرياليين المصريين الذين ناصروا المساواة بين الجنسين على عكس زملائهم المعروفين بكرههم للنساء في باريس، ونشروا بيانهم تحت عنوان «يحيا الفنّ المنحلّ في مواجهة الفلسفة النازية». نستعرض فيما يلي البيان كاملًا لأنّه غير منتشر خارج مصر:

«ندرك العدائية التي يظهرها المجتمع الحالي تجاه أيّ نزعة فنية أو أدبية جديدة تهدّد بشكلٍ مباشر أو غير مباشر النظم الفكرية والقيم الأخلاقية للسلوك الذي يستند عليه هذا المجتمع للاستمرار.

تظهر هذه العدائية اليوم في الدول التوتاليتارية لا سيّما في ألمانيا التي يحكمها هتلر من خلال الاعتداءات المهينة التي تطال الفنّ الذي صنّفه هؤلاء المتوحشون الذين نصّبوا أنفسهم قضاة عالميين كفنٍّ منحلّ.

قوبلت كلّ إنجازات عباقرة الفن المعاصر من سيزان إلى بيكاسو- التي كانت نتاجًا للحرية والقوّة والأحاسيس البشرية- بالإهانات والقمع. نحن نؤمن أنّ إضعاف الفنّ الحديث وتحويله كما يتمنّى البعض إلى تعصّب لدين أو عرق أو أمّة هو نوعٌ من الحماقة والغباء.  

نرى في هذه السطور سجنًا للفكر خصوصًا وأنّ الفنّ هو تبادل للأفكار والمشاعر التي تتشاركها البشرية جمعاء لأنّه لا يعترف بالحدود المصطنعة.

تُركت فيينا لرعاع مزّقوا لوحات بيير رينوار وحرقوا كتابات فرويد في مساحات عامّة، وعمد النازيون إلى مصادرة أعمال رسّامين ألمان عظيمين كماكس إرنست وبول كلي وكارل هوفر، وأوسكار كوكوشكا، وجورج غروز، وفاسيلي كاندينسكي واستبدالها بأعمال أخرى دون قيمة. حصل الأمر نفسه أخيرًا في روما حيث تمّ إنشاء مجموعة لتطهير الأدب. قرّرت هذه المجموعة لأداء وظيفتها التخلّص من الأعمال التي تعارض القومية والعنصرية بالإضافة إلى أيّ عمل يدعم التشاؤم.

يا أهل الفن ويا أهل الحروف! دعونا نقبل هذا التحدّي سويًا! لنقف موحّدين لدعم هذا الفنّ المنحل الذي يحتضن كلّ آمال المستقبل. لنعمل لفوزه على العصور الوسطى الجديدة التي تتنامى في قلب أوروبا». (القاهرة، 22 ديسمبر (كانون الأوّل) 1938).

غاب عن لائحة آدم حِنِين اسمٌ واحدٌ بارز هو أفيدا دولارز، إذ لا يمكن لهذا السخط الصالح أن يصدر عن أحد أبرز السيرياليين في أوروبا. يدفعنا ميل دالي إلى اليمين المتطرّف إلى التساؤل عما إذا كان يُعتبر سيرياليا أصلًا خصوصًا وأنّه هو نفسه لم يكن واثقًا من ذلك وبدأ يصنّف نفسه «كلاسيكيًا».

عادت هذه المسائل إلى الأذهان في ربيع 1941، عندما نظّم معرضًا في غاليري «جوليان ليفي» في نيويورك أعلن خلاله أنّه لم يعد سيرياليا، مبشرًا بموت السيريالية وعودة الكلاسيكية. تضمّن المعرض 90 لوحة أبرزها «سوق العبيد مع تمثال فولتير النصفي الضائع»، و«وجه الحرب».

أعلن دالي في كاتالوغ المعرض النيويوركي العودة إلى التشكيل والسيطرة والهيكلة، إلّا أنّ مبيعاته كانت مخيّبة للآمال ولم ير معظم النقّاد تغييرًا حقيقيًا في عمله.

ولكنّ أعماله بدت واضحة في اتجاهها لاستعراض تغييره المستمرّ، حتّى إنّها عكست بعض الضمير الاجتماعي في تصوير الحرب وفولتير الزائل وبطل الحرية التي تشير بوضوح إلى موضوع سوق العبيد.

ولكنّ المظاهر قد تكون خادعة (وجميع من يعرف دالي يعي هذا الأمر). شُبّه الأخير بموريسي عالم الفن الذي ينفث ويعظ عند أدنى استفزاز. بعد العودة إلى مسقط رأسه كاتالونيا في 1948، دعم نظام فرانكو علنًا وأعلن أنّه يتبنّى المذهب الكاثوليكي. جمعته بالجنرال فرانكو لقاءات رسمية في يونيو (حزيران) 1956، وأكتوبر (تشرين الأول) 1968، ومايو (أيار) 1947. وفي 1968، صرّح دالي أنّه وبعد موت فرانكو، لا يجب أن تعود الديمقراطية إلى إسبانيا وأنه يجب تطبيق الحكم الملكي الكامل، وخرج له تصريح متباهٍ في السنوات التالية قال فيه: «أنا شخصيًا ضدّ الحرية؛ أنا مع محاكم التفتيش».

* يستمرّ معرض «سيريالية وراء الحدود» في معرض «تيت مودرن» حتّى 29 أغسطس (آب) 2022