أوروبا والأزمة الأوكرانية: القارة العجوز عاجزة

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم تشهد أوروبا حربا دامية بمثل خطورة وضراوة الصراع الذي يدور في أقصى شرقها، والناجم عن غزو روسيا لأوكرانيا. فالنزاعات العسكرية التي جرت في تسعينات القرن الماضي إثر انهيار الاتحاد اليوغوسلافي، ورغم أنها اكتست طابع تطهير عرقي وديني وخلفت كوارث إنسانية كبيرة في البوسنة والهرسك إلا أنها حسمت بسرعة بعد تدخل القوات الأميركية تحت راية حلف الشمال الأطلسي؛ الأمر الذي دفع كافة الأطراف آنذاك لتقبل الواقع الجديد بعد تعديلات حدودية طفيفة.

 

ولهذا، فإن معظم المراقبين يعتبرون الغزو الروسي لأوكرانيا أهم امتحان جدي تواجهه أوروبا في عقر دارها، لأنه لا يزعزع فقط أسس أمنها واستقرارها، ويعرض مناعة اقتصادها لمخاطر جمة، وإنما يضع على المحك قدرتها على الدفاع عن نفسها، ويكشف مدى إمكانياتها لحماية الحدود السياسية لكياناتها، ويختبر مصداقية ما تقوله عن التضامن فيما بين دولها.

والواضح أن هذا الامتحان لم يفاجئ أوروبا كدول منفردة وفي إطار اتحادها الإقليمي، فهي أدركت منذ سنة 2014 بأن موسكو ترفض حشرها في الزاوية، بل ستعمل على استرجاع هيبتها وفرض مراعاة رأيها في القضايا الدولية، وذلك من خلال استعادة نفوذها في محيطها الإقليمي، الذي باشرت تنفيذ خططه الخاصة بأوكرانيا عشية إسقاط حكم حليفها الرئيسي يانوكوفيتش. وقد بدأ ذلك التنفيذ بالاستيلاء عنوة على شبه جزيرة القرم وضمها إلى السيادة الروسية، وتوالى في إهمال التقيد بمقتضيات اتفاق مينسك من خلال مواصلة دعم وتسليح الانفصاليين في منطقة دونباس، الذي انتهى بالاعتراف باستقلال ما سمي بالجمهوريات الشعبية في لوغانسك ودونيتسك ثلاثة أيام قبل انطلاق غزو أوكرانيا.

ورغم دراية أوروبا بالنوايا الروسية المبيتة لأوكرانيا، إلا أنها بدت عاجزة عن كبح تلك النوايا بسبب غياب موقف جماعي موحد عن كيفية التعامل مع التحرشات الروسية على مدى الثماني سنوات الماضية، إذ تباينت المواقف الأوروبية بين دول مثل فرنسا وألمانيا، التي فضلت المعالجة الدبلوماسية المصحوبة بنوع من الضغط الاقتصادي الخفيف على موسكو، وبين دول أخرى كبولونيا وجمهوريات البلطيق التي طالبت بمواقف حازمة وعقوبات اقتصادية أشد إيلاما لروسيا.

إن عجز أوروبا عن ردع مخططات موسكو تجلى في الاكتفاء بالقيام بمساع محمودة للتهدئة، ونزع فتيل الانفجار عبر قيام قادة أوروبيين كالرئيس الفرنسي والمستشار الألماني بزيارات لروسيا لم تجد تحذيراتهما خلالها أي آذان صاغية لدى الرئيس بوتين، الذي بدا من الصور المنشورة عن لقاءاته بهما أنه تعمد معاملتهما بازدراء.

لم يكن فشل جهود الزعيمين الأوروبيين في إثناء القيادة الروسية عما كانت تعتزمه من غزو للتراب الأوكراني مستغربا، إذ لم تتجاوب موسكو من قبل مع خطوات فرنسية ألمانية مماثلة في إطار المسار الدبلوماسي المسمى Format Normandie الذي انطلق سنة 2014 أثناء زيارة ممثلين روس وألمان وأوكرانيين لفرنسا لحضور الاحتفالات الخاصة بإنزال نورماندي خلال الحرب العالمية الثانية.

فهذا المسار، رغم دعمه بمبادرات حسنة النية من قبيل دفع مجلس أوروبا إلى قبول دمج روسيا في جمعيته البرلمانية سنة 2019، ودفاع ألمانيا وفرنسا المستميت عن عودة موسكو إلى مجموعة الدول الصناعية السبع، ورغم تعدد محطاته وانتظام انعقاده منذ 2019 لم يسفر عن أي تطور إيجابي، ولم يحقق أي انفراج في الاحتقان المتصاعد في العلاقات الروسية الأوكرانية.

ولا شك في أن جزءا كبيرا من العجز الأوروبي يعزى إلى هشاشة الموقف الجماعي وغلبة المصالح الذاتية لبعض الدول نتيجة إما لحساسية موقعها الجغرافي كالمجر، أو كثافة علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع روسيا، وخاصة اعتمادها في التزود بمعظم حاجياتها من مصادر الطاقة على الغاز الروسي كما هو حال ألمانيا التي حذر مستشارها من أن تشديد العقوبات على الطاقة الروسية سيؤدي إلى ركود اقتصادي أوروبي شامل.

وفيما تواصل ألمانيا وبلجيكا وهولندا والنمسا والمجر استخدام الوقود الأحفوري الروسي تعارض ذلك بشدة دول مثل فنلندا وجمهوريات البلطيق التي تعتبر استمرار الاستيراد من موسكو تمويلا فعالا لعملية غزو أوكرانيا، معززة بذلك موقف الرئيس الأوكراني الذي ذكر بالاسم ألمانيا والمجر في خطابه أمام البرلمان الأوروبي، طالبا منهما تحديد موقعهما بشكل نهائي وحاسم.

ولا يتوقف اختلاف مواقف دول الاتحاد الأوروبي عند ضرورة استخدام الغاز الروسي من عدمه، بل امتد إلى كيفية دفع سعره بين من خضع لشروط موسكو للدفع بالروبل، ومن يرفض ذلك باحثا عن حل وسط من خلال الدفع بالعملة الأوروبية.

إضافة إلى هذين المعسكرين داخل الاتحاد الأوروبي برز موقف ثالث من خارجه تمثله بريطانيا التي يتطابق موقفها تقريبا مع الموقف الأميركي العامل على توريط روسيا وإرهاقها في المستنقع الأوكراني عبر السعي إلى إطالة أمد المعارك، وبالتالي رفع فاتورة تكاليف عملية الغزو.

وفي ظل هذا العجز المصحوب بالهلع من احتمال توسع رقعة المواجهات العسكرية، واتساع نطاق المآسي الإنسانية الناجمة عنها، من الطبيعي أن تنسق الدول الأوروبية لائحة العقوبات التي تود فرضها على موسكو مع واشنطن، وأن تصطف عسكريا خلفها في إطار حلف الشمال الأطلسي، الذي استرجع حيويته بعد أن كان في موت سريري كما وصفه الرئيس ماكرون قبل سنتين. ولكن هذا الاصطفاف لم يمنع الأوروبيين من البحث عن مصادر بديلة للتزود بحاجياتهم من الطاقة، وبدء العمل على تطوير إمكانياتهم الدفاعية.

في هذا السياق عاد الحديث مجددا عن ضرورة بناء قدرات عسكرية أوروبية مستقلة وقادرة على إحداث التوازن المنشود. فهل هي عودة لأفكار الديغولية إلى أوروبا؟ ولكن أي من زعمائها له كاريزما الجنرال؟