عرب يشاركون في مسيرة «المحرقة» ببولندا

أكثر من مليون زائر سنوياً للنصب التذكاري المقام على أرض معسكر أوشفيتز جنوبي بولندا
مسيرة الإحياء من أوشفيتز إلى بيركيناو في بولندا

القاهرة: «الهولوكوست قضية إنسانية.. وليست إسرائيلية فقط».. من هذا المنطلق شاركت مجموعة من الشباب العربي في المسيرة الدولية للعيش في بولندا من معسكر الاعتقال النازي لليهود في معسكر أوشفيتز إلى معسكر الإبادة في أوشفيتز-2 (بيركيناو)، لإحياء ذكرى ضحايا محارق النازية لليهود خلال الحرب العالمية الثانية المعروفة بـ«الهولوكوست».

شارك في المسيرة 18 عربًيا بجانب نحو عشرة 10 آلاف شاب يهودي، يأتون كل عام من أنحاء العالم، ويسيرون على طريق طوله ثلاثة كيلومترات، بجانب ممثلين للديانات الإسلامية والمسيحية بهدف التأكيد على أفظع حدث في تاريخ البشرية، والتذكير بضرورة أن تتعلم الدول منه ليتعدى الأمر الهولوكوست إلى جميع أشكال التعبير عن العنصرية، خاصة مع توزيع وفد يضم الديانات الثلاث كميات من المساعدات الغذائية على اللاجئين الأوكرانيين.

لا توجد تقديرات ألمانية أو بولندية رسمية لعدد ضحايا المحارق الألمانية لكن التقديرات تشير إلى أن العدد الإجمالي لمن تم ترحيلهم ضمن نظام معسكرات الإبادة النازية يفوق خمسة ملايين شخص. ولم ينجُ من هؤلاء إلا عدد ضئيل للغاية، لكن الدراسات الإسرائيلية ترفع العدد إلى ستة ملايين شخص، وفي مسيرة الهولوكست السنوية يتم حمل ستة مشاعل للتأكيد على ذلك الرقم.

 

 

انتهت المحرقة بعد هزيمة النازيين

كانت منطقة أوشفيتز مجرد قرية هادئة إبان اندلاع الحرب العالمية الثانية خلال سبتمبر1939 ليتغير الحال بعد  احتلال الجيش الألماني لها، وبعد عام واحد حولت قوات النخبة التابعة للحزب النازي، المكان بسرعة ودون جهد كبير في البناء إلى معسكر يخضع فيه السكان اليهود لـ«التطهير» الذي فرضته السياسة العرقية النازية، وإفساح المجال أمام استيطان الألمان هناك وعُزل اليهود بعدها في منطقة خاصة، أو تم ترحيلهم مثل كثير من البولنديين لأماكن أخرى للعمل بالسخرة.

توسع الألمان في المنطقة بدءًا من عام 1942، وتحولت أوشفيتز-2 إلى معسكر للإبادة الجماعية. فبحسب الدراسات الألمانية لم يتم تسجيل 80 في المائة من القادمين الجدد إليه كمعتقلين ولكن تم إعدامهم في غرف الغاز، قبل أن يتم بناء أفران إضافية في المحارق الجديدة لإحراق الجثث ونثر رمادها في البحيرات المجاورة، وتحولت أوشفيتز لملتقى قطارات وافدة تضم اليهود من أماكن الرايخ الألماني لإعدامهم.

انتهت المحرقة في مايو (أيار) 1945 عندما هزمت دول الحلفاء الكبرى (بريطانيا العظمى والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي) ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية بعدما تحركت قوات الحلفاء عبر أوروبا في سلسلة من الهجمات، حيث اجتاحوا معسكرات الاعتقال. وهناك حرروا السجناء الباقين على قيد الحياة، وكان أغلبهم من اليهود. كما واجه الحلفاء وحرروا الناجين مما يسمى بمسيرات الموت التي تألفت من مجموعات من نزلاء معسكرات الاعتقال اليهود وغير اليهود الذين تم إجلاؤهم سيرًا على الأقدام من أماكن الحشد تحت حراسة قوات الأمن الخاصة.

في عام 1947، تم إنشاء المتحف الوطني في أوشفيتز-بيركناو، كنصب تذكاري، وبقرار من البرلمان البولندي، تضم منطقة النصب التذكاري ما تبقى من مبان وثكنات المعسكر الأساسي لأوشفيتز إضافة إلى الأرض التي أقيم عليها المتحف، في أول عام من إقامته، زار المكان نحو 170 ألف شخص بينما تتم زيارة المتحف اليوم من قبل وفود شبابية من كافة أنحاء العالم، خاصة بعد أن تم إدراجه على قائمة اليونسكو للتراث العالمي.

المشاركون في مسيرة المسيرة الحية التي تبلغ 1.9 ميلًا سنويًا من معسكر الاعتقال في أوشفيتز إلى معسكر الإبادة في بيركيناو في بولندا لإحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست ، 28 أبريل 2022.- تصوير ألوني مور

 

اهتمام عربي بالمحرقة

تشهد المحرقة اهتماما عربيًا مستجًدا تعدى مرحلة الاطلاع عليه من فحوى السينما الأميركية فقط، فمنذ قرابة العام تم افتتاح معرض تذكاري دائم للهولوكوست، وهو الأول من نوعه في العالم العربي في متحف مفترق طرق الحضارات في دبي، والذي يضم شهادات ناجين، وصورا ومحتويات من ذلك الوقت.

الإعلام الغربي سلط الضوء كثيرًا على المشاركة العربية في مسيرة الهولوكوست كمؤشر على تغيير الحل السياسي المحتمل للصراع الدائم في الشرق الأوسط خاصة مع إحياء ذكرى الهولوكوست في العديد من المدن العربية من بينها السفارة الأميركية في القاهرة التي رعت أول ذكرى رسمية للمحرقة، بجانب زيارة وفد من رابطة العالم الإسلامي إلى معسكر أوشفيتز مؤلفاً من زعماء دينيين مسلمين رددوا عبارة «لن تتكرر أبدًا» وأدى صلاة من أجل الضحايا.

أعضاء من منظمة «شراكة» خلال الزيارة 

 

روان عثمان، التي تشارك في المسيرة من أب سوري وأم لبنانية، تقول إن المرة الأولى التي رأت فيها يهوديًا أصيبت بنوبة هلع حين انتقلت إلى أوروبا لكنها عاشت في الحي اليهودي في ستراسبورغ بجوار كنيس دي لابيه، والمدينة بها مجتمع متنوع، في إشارة على إمكانية خلق مجتمع متنوع يضم الإسرائيليين والفلسطينيين، بينما تقول أنيسة نقراشي، المغربية التي ترأس مجموعة أمل العربية للقضاء على زواج الأطفال، إن المحرفة تظهر محاولة القضاء على الأمة بأسرها، فرغم أنها شاهدت أفلامًا عن الهولوكوست من قبل، واعتقدت أن لديها عمومًا معرفة أكثر عن هذه القضية من الكثيرين في مجتمعها لكنها حيتما جاءت لأوشفيتز أدركت معنى الرعب فعلاً.

فاطمة الحربي عضو في منظمة «الشراكة»

وتقول فاطمة الحربي، التي عملت لمدة سبع سنوات في وزارة التربية والتعليم البحرينية، إن الناس لديهم فضول ويريدون معرفة المزيد، والمشاركة في مسيرة الهولوكست فرصة لفهم هذا الجزء المظلم من التاريخ، بينما يؤكد السوري عصام زيتون أنه تعلم الكثير عن هذا الفصل المظلم من التاريخ منذ انتقاله إلى ألمانيا، حيث يتم استكشاف الموضوع بشكل متكرر على شاشات التلفزيون.

 

 

معاناة الناجين

وفي 20 يناير (كانون الثاني) الماضي، تبنت الأمم المتحدة قرارا يهدف إلى محاربة مكافحة إنكار المحارق النازية لليهود خلال الحرب العالمية الثانية، أو ما يعرف اختصارا باسم الهولوكوست، وحث القرار الدول الأعضاء وشركات التواصل الاجتماعي على المساعدة في مكافحة معاداة السامية، وتمت الموافقة على القرار الذي قدمته إسرائيل وألمانيا، من دون تصويت فى الجمعية العامة المكونة من 193 عضوًا في خطوة قالت الأمم المتحدة إنها «رسالة قوية... ضد إنكار أو تشويه هذه الحقائق التاريخية».

ويرى أميت درعي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لمنظمة «شراكة» وهي منظمة غير ربحية أسسها قادة شباب عرب وإسرائيليون لتحويل رؤية السلام بين الشعوب إلى واقع، أن مشاركة مجموعة الشجاعة من المؤثرين من جميع أنحاء الشرق الأوسط للتعرف على تاريخ الهولوكوست ومشاهدته لنشر الوعي في بلدانهم ومجتمعاتهم إنجاز، فمن خلال مثل هذه المشاركات يمكننا حقًا أن نبني سلاماً دافئاً وتفاهماً، ومنذ هذا المنطلق صمم الشباب العربي المشارك على الاستماع إلى أحد الناجين من الهولوكوست لإخبارهم بالقصة الحقيقية.

عند نهاية الحرب العالمية الثانية، واجه الناجون من الهولوكوست عدة معضلات أهمها التعافي الجسدي والشعوريّ من الإذلال والمعاناة التي تعرضوا لها؛ وكان عليهم البحث عن أقاربهم ولمّ الشمل بهم إذا كان ما يزال أيّهم حيًا؛ وإعادة بناء منازلهم أو الهجرة إلى أماكن جديدة وأكثر أمانًا لأن منازلهم ومجتمعاتهم قد تدمّرت بالكامل.

لم يتبقّ من معسكرات أوشفيتز سوى مبانٍ من الطوب الأحمر في القسم الأول الذي استخدم لأغراض إدارية أو للتعذيب ومحطة سكك القطارات التي كانت تتوقف فيها السيارات المليئة باليهود لتنزل ركابها، الذين كان ينتظر غالبيتهم المجهول، وبعضهم كان يتم اختياره لأداء مهمات السخرة بحسب الروايات التي يقولها الناجون من المحرقة ويتذكرون تفاصيلها دون نسيان.