بغداد.. والعودة إلى المربع الأول

الأزمة السياسية تصل إلى البرلمان العراقي
البرلمان العراقي

بغداد: ما زالت أزمة تشكيل الحكومة العراقية تُلقي بظلالها على المشهد السياسي في البلاد، حيث تعثرت لغاية اليوم 6 مبادرات سياسية داخلية، بالإضافة إلى عدة وساطات بين زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي حصل على المرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية، التي جرت في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بفارق كبير عن أقرب منافسيه، وتحالف الإطار التنسيقي المدعوم من طهران.


وقد انعكست هذه الأزمة على مختلف المؤسسات الدستورية العراقية، حيث يُعاني البرلمان العراقي من شلل تام يعد فشله في الفترة الماضية من تمرير أي قانون أو تشريع قرّر البرلمان السابق ترحيله إليه، ومنذ عقد أول جلسة رسمية للبرلمان الجديد في 9 يناير (كانون الثاني) الماضي، لم ينجح المجلس النيابي في عقد جلسة كاملة واحدة بعدها، بسبب الأزمة السياسية. كما أن فشل البرلمان ينسحب كذلك على فشل عمل اللجان النيابية التي تمكن البرلمان من تشكيلها وتوزيع جداول المهام الرقابية لها.


وكان الإطار التنسيقي قد أفقد النصاب من ثلاث جلسات برلمانية متتالية مخصصة لانتخاب الرئيس العراقي، إذ إنها تحتاج إلى ثلثي الأعضاء لاستكمال النصاب القانوني المطلوب لانتخاب الرئيس. ويمكن القول إن القوانين التي ينتظرها العراقيون وعجز البرلمان عن إقرارها ممثلة بقانون الموازنة العامة للعام الحالي، وما تحمله من مشاريع خدمية وتعويضات للمواطنين، وقانون التكافل الاجتماعي، وكذلك قانون النفط والغاز، وقانون حماية المرأة والطفل، وقانون حرية الإعلام والجرائم الإلكترونية.

تعطيل عمل البرلمان
وفي هذا الصدد، رأي المحلل السياسي رمضان البدران في حديث لـ«المجلة» أن «البرلمان في النظام النيابي هو السلطة الشرعية الوحيدة المُنتخبة، ولكن هذه الشرعية كي تتحول إلى دور وظيفي ناجز لا بدّ أن تكون في البرلمان إدارة وتنظيم صحيح، وذلك يتلخص بتشكيل كامل للجان البرلمانية، وأن تبدأ عملها بشكل فاعل كل بحسب اختصاصه». وأضاف: «أما رئاسة البرلمان فيجب أن توزع اهتمامها بين المهام التشريعية والرقابية».

المحلل السياسي رمضان البدران


وتابع: «بالتالي فإن البرلمان الحالي يمكنه أن يمارس كامل دوره مهما كانت الخلافات السياسية إذ إن النصف زائد واحد متوفر فيه، ولكن على البرلمان مهمة أخرى تتمثل بإكمال تشكيل الجناح التنفيذي المُمثل بالحكومة، وهي سلطة مفوضة بمعنى أنها سلطة غير منتخبة وإنما مفوضة من قبل البرلمان المنتخب من قبل المواطنين، والوزراء يعملون تحت وصاية وإشراف البرلمان، والدستور العراقي جعل هذه العملية سلسة وسهلة لأن هذه السلطات يمكن أن تُشكّل أو تُحل من قبل البرلمان».


ولفت البدران إلى أنه «من حيث النية فإن مسألة الثلثين في البرلمان، أي فكرة إشراك المكونات هي مسألة مطلوبة ومشروعة، ولكن الدستور لم يطرحها كشرط جازم وإنما كخيار، وهذا الخيار إذا لم يحدث لأي سبب، فالدستور يضع خيار أن يُعاد التصويت على أعلى متنافسين على منصب رئاسة الجمهورية ويحصل أعلاهم على هذا المنصب».


كما أشار البدران إلى أن «عجز البرلمان يعود إلى التوتر السياسي الذي تُرافقه عملية تهديد للسلم الأهلي واستقرار البلاد، والإشكالية التي أمامنا هي في الأداء السياسي المحتقن والذي يتطاول على شروط اللعبة السياسية والسياق الدستوري، وبالتالي يُعطل الدستور ليس لخلل كامن في الدستور وإنما لأن الدور السياسي يُلوّح بالعنف والفتنة والتهديد. فالبرلمان يُعطل نفسه احتياطاً، إذ إنه إذا ما استمر في وظيفته قد تحصل اصطدامات سياسية، مع الإشارة إلى أن هذا التعطيل غير شرعي».


من ناحيته، أشار المحلل السياسي رعد هاشم في حديث لـ«المجلة» إلى أن «هناك تشابكا في الأزمات وحتى في التوافقات، أي سلسلة علاقات متأزمة يسودها عدم الثقة».

الكاتب والمحلل السياسي رعد هاشم


وأضاف: «هذا الجو المشحون بعدم الاتفاق على من هي الكتلة الأكبر والتفسيرات القانونية المتضاربة على تسميتها ولدت عدم الاتفاق على رئاسة الجمهورية ورئيس الحكومة، كما أدت إلى تجميد عمل مجلس النواب حتّى عن الاجتماع أو إقرار قوانين حتّى إن كانت بسيطة. فهناك تعقيدات تمنع عقد جلسة اعتيادية، وليس فقط جلسات إصدار قوانين».

أسباب الأزمات الحكومية المتتالية
والشلل الذي يُعاني منه البرلمان العراقي ليس وحيداً، فلطالما عرف العراق أزمات متتالية عند الوصول إلى استحقاق تشكيل الحكومة. ووفقاً لبدران: «هناك مدرستان تناولتا موضوع التغيير، الأولى أرادت أن يسير البلد في السياق الديمقراطي والدستوري، والثانية اعتبرت أن نجاح هذا السياق والتجربة الديمقراطية يُعتبر خطر على بعض بلدان الجوار، على اعتبار أن نجاح هذه التجربة سيُسبب بتوتر داخل العراق».


وأضاف «فتدخل إيران كان هدفه أن لا تستمر العملية الديمقراطية بشكل كامل، إذ إن طهران أسست لعُرف سياسي يغلب السياق الدستوري ويتمثّل بأنه يجب أن يكون هناك توافق بين جميع القوى السياسية وأن يتقاسموا السلطة باعتبارها مغنما». وتابع: «هذا خلق عبر الزمن ميليشيات وقوى بدأت تتطاول على الدستور والقانون، وبالتالي تم ضرب النظام الديمقراطي بعذر الحفاظ على الوفاق الوطني، كل ذلك كان على حساب الشعب وعلى حساب مُحاسبة الحكومة ومراقبتها».


كما لفت بدران إلى أن «المدرسة التي تُريد العودة إلى المسار الدستوري تُحاول أن تُغلّب سياق المحاسبة والنظام الديمقراطي على العرف السياسي».
أما هاشم فيرى أن «الأحزاب السياسية مُستفيدة من هذا الوضع  القائم على المحاصصة، وكما أن وجود بعض الفقرات في الدستور مُلغمة وتفسير أي فقرة فيه يحمل لُغماً». وأضاف: «لم تعمل الإرادة السياسية على  تغيير هذه المفاهيم، فضلاً عن وضع المحاصصة المتغلغل، وكل ذلك لم يمكّن الأطراف العراقية من إجراء تعديلات دستورية وبقي الدستور على وضعه المنقوص في الكثير من فقراته والتي تؤدي إلى هذه النتائج والأزمات، ودائماً ما تولد اللجوء إلى المحكمة الاتحادية لتقديم تفسيرات أخرى بعضها يزيد من الأزمات».

مسار الأزمة الحكومية في الوقت الراهن
يسعى الإطار التنسيقي، لدفع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، إلى القبول بمشاركته في الحكومة المقبلة، فيما يتمسك الصدر بتشكيل حكومة «أغلبية وطنية». وكانت الحوارات السياسية قد تجمدت وسط ترقب لانتهاء مهلة زعيم التيار الصدري التي منحها لتحالف الإطار التنسيقي لتشكيل الحكومة والتي تنتهي في 11  مايو (أيار) المقبل.


إلا أن تحالف الإطار لم ينحج لغاية اليوم من عقد أي تفاهم مع أي كتلة أخرى للمضي نحو تشكيل الحكومة الجديدة، فيما جدد التيار تمسكه بمبدأ تشكيل حكومة الأغلبية الوطنية، التي يعارضها الإطار.


وفي مبادرة جديدة، دعا الصدر النواب المستقلين في البرلمان العراقي إلى إنهاء الأزمة السياسية عبر تشكيل حكومة جديدة خلال 15 يوما.
وقال الصدر في تغريدة على «تويتر» إن تحالف إنقاذ الوطن هو أكبر كتلة برلمانية وراعي الأغلبية الوطنية، لكنه بسبب قرار القضاء العراقي تفعيل الثلث المعطل تأخر في تشكيل حكومة الأغلبية.


وفي هذا السياق، يؤكد بدران أن «مسار الأزمة يسير نحو الانسداد ولا حل إلا بالقبول بالدستور، فعلى رئيس البرلمان أن يُقدم طلبا إلى المحكمة الاتحادية لكي تستأنف قرارها بمسألة الثلثين وأن تعود إلى تفسير المادة بفقرتيها بشكل متكامل وتقبل بالنصف زائد واحد أو تعتبر أن الثلثين ليس شرطا، وبالتالي تحصل عملية الترشيح والتصويت على منصب رئاسة الجمهورية، وإذا تجاوزنا خطوة انتخاب رئيس الجمهورية فإن السياق سيسير».
من جهته، أشار هاشم إلى أنه «لم تتوفر الإرادة السياسية لدى الجميع للاحتكام إلى منطق يُفضي إلى مشتركات فيما بينهم، أي القبول بالحلول التي توصل إلى الكتلة الأكبر التي يمكن أن تنبثق منها توافقات حول رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة. والمقصود ليس التوافقات على الصفقات وإنما التوافق على الكتلة الأكبر، وهذه العقدة الأكبر، وعندما تُحل تنتهي الكثير من المشاكل». وأضاف: «بتقديري أن هذه الأزمة لا تُحل بتفسير من المحكمة الاتحادية وإنما قبول أحد الطرفين بالأمر الواقع والطرف الآخر يذهب إلى المعارضة، وبالتالي فإن الأزمة مرشحة للاستمرار».


إذن، ما زالت الأزمة السياسية في العراق تتجه نحو التفاقم في ظل العجز عن استكمال المسار الدستوري، لناحية انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تمهيداً لتشكيلها، وهذا ما أدى بدوره إلى تعطّل عمل البرلمان. وهذه الأزمة ليست الأزمة الدستورية الأولى التي يُعاني منها العراق، إذ إن المسار الديمقراطي ما زال يتعرّض للكثير من الاهتزازات مع كل استحقاق. لذا، بات من الضروري البحث في وضع آليات جديدة تحد من هذه الأزمات وتُساعد على استكمال العملية الديمقراطية.