انتخابات لبنان... الانهيار التاريخي قد يترجم في نسب الاقتراع!

هل سيقدّم الناخبون الاعتبار الاقتصادي في خياراتهم؟
جنود يوقفون المتظاهرين ضد مشروع الكابيتال كونترول خارج مبنى البرلمان وسط بيروت (أ.ف.ب)

بيروت: بعد الغليان السياسي الذي شهدناه في الآونة الأخيرة، على وقع احتدام الخطابات والسجالات والحملات والمهرجانات الانتخابية، دخل لبنان رسميّاً، ليل الأربعاء الخميس، مرحلة الصمت الانتخابي الأولى لانتخابات المغتربين في 6 مايو (أيار)، والتي تنتهي عند إقفال صناديق الاقتراع في السابعة مساءً من يوم الجمعة. على أن تبدأ المرحلة الثانية من الصمت الانتخابي، عند منتصف ليل الجمعة السبت في 7 مايو، تمهيداً لانتخابات المغتربين بجزئها الثاني في 8 مايو، في الدول التي تتبع الأحد يوم عطلتها الأسبوعية، على أن تنتهي عند إقفال صناديق الاقتراع في السابعة مساءً من يوم الأحد.

ومع بدء هذا الصمت، يترقب اللبنانيّون ما ستحمله الساعات والأيام المقبلة، سيمّا وأن الانتخابات النيابية المرتقبة، قد تشكّل منعطفاً أساسيّاً في المسار السياسي والاقتصادي في بلد يرزح تحت وطأة انهيار تاريخي، وانفجار مأساوي أصاب عاصمته، أعاد إحياء الآمال الكبيرة المعقودة على التغيير.

قلب الانهيار الاقتصادي غير المسبوق، كلّ الموازين ما شكّل واقعاً جديداً اختلفت حوله الآراء في تقييم ما يمكن أن يشكلّه من تأثير في خيارات الناخبين.

 

الخبير المالي والاقتصادي دكتور إيلي يشوعي

 

التناقضات أضعفت أطراف النظام نفسها

الباحث الاجتماعي والخبير في مجال التنمية ومكافحة الفقر أديب نعمة، قال لـ«المجلة» إن «التصويت في الانتخابات في لبنان بشكل خاص ومعظم الدول النامية بشكل عام، لا يتحكّم به عنصر واحد، بل هو مزيج مركب من عناصر مختلفة تتراوح بين استقطابات سياسية وأخرى آيديولوجية، وبين الأوضاع الاقتصادية ووعي الناس لمصالحها بالمدى المتوسط والبعيد، وبين المنفعة المباشرة والحس البرغماتي بأن يتصرّف الفرد بما يحقق له تلك المنفعة».

وأضاف: «تأثير كل عامل يختلف باختلاف الفئات وبحسب البلدان وحدّة التناقضات الموجودة. وفي لبنان للأسف ومنذ سنوات الطابع الأساسي للاستقطاب السياسي والانتخابي من شعارات وحملات يتم تقليدياً على أساس هويّاتي. وهذا ما شهدناه خصوصاً في السنوات الأخيرة وبشكل أكثر حدّة بعد انقسام 8 و14 آذار وقبلها الحرب والميليشيات وغيرها. إذن هذا عنصر حاسم بعملية الاختيار».

وتابع: «هذا العنصر ليس طائفياً بمعناه البسيط، بل مركب، إمّا عبر إحساس بفائض القوة وبالتالي انسياق وانجذاب لها، وإما استقطاب الناس عبر الإحساس بالمظلومية بالقول فلان أو جماعة خطر علينا وعلى الكيان والطائفة والمنطقة. وإما بجانب آيديولوجي كالحملات الانتخابية عبر القطبين الأساسيين حزب الله والقوات اللبنانية».

الباحث الاجتماعي والخبير في مجال التنمية ومكافحة الفقر أديب نعمة

 

هل سيقدّم الناخبون الاعتبار الاقتصادي على الطائفي والمذهبي والسياسي في خياراتهم؟ يؤكد نعمة في حديثه لـ«المجلة» أن العامل الاقتصادي والاجتماعي يلعب دوراً كبيراً، قائلاً، إن «الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والمالية التي يمر بها لبنان وتدهور المستوى المعيشي ومستوى الفقر المرتفع سيكون العامل الجديد الذي سيدخل ويترك بصمته وتأثيره على العملية الانتخابية وهذا كان موجوداً طبعاً ولكن بشكل أضعف عما هو الآن».

ويضيف: «سيكون هناك لاعبون جدد، وهذا ليس فقط نتيجة الوعي الذي حصل بعد ثورة 17 تشرين بل نتيجة التفكك والتفتت والتناقضات بين أطراف النظام نفسها مما أضعفها».

وفي تقديره، أن «هذا العامل ليس العامل الأول في تحديد مصير الانتخابات، لا بل في التأثير في حالة الامتناع عن المشاركة بها»، حيث توقّع انخفاض النسب. وقال: «سنشهد هذه الظاهرة داخل الطبقة الوسطى التي تشعر بالتدهور والضرر في المستوى المعيشي أكثر من الفئات الأخرى، كما أنّها تشعر بصعوبة حل الأزمة».

ويلفت نعمة إلى أن هذه الطبقة أو الفئة يمكن استقطابها تحت شعارات أحادية ودغدغة المشاعر.

وإذ حذّر من أن «لبنان ذاهب إلى مستوى اقتصادي واجتماعي سيئ جداً بعد الانتخابات»، أشار نعمة إلى أنه «لا وعي كافيا عند بعض الفئات، وفي بعض المناطق أيضاً طغيان لقوى أمر واقع تضغط على حياة الناس والمستوى المعيشي»، لافتاً إلى أن «التصويت سيكون عقابياً ضد أطراف يعتبرها الناس قادرة على خلق تغير كحزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي، على سبيل المثال».

وختم: «ما يحصل ليس انتخابات، حيث لا مسار ديمقراطي ولا قانون ولا حرية فردية ليختار الفرد ممثليه فالسلطة خارج المؤسسات وقانون التحريض هو السائد».

 

صورة مجلس النواب في لبنان سوداء

من جهته، أكد الخبير المالي والاقتصادي دكتور إيلي يشوعي في حديث لـ«المجلة»، أن «الناس مصابون  باليأس والإحباط وهذا يعني عدم وجود الحافز، ما سيؤثر في نسبة الامتناع عن التصويت، ومن المتوقع أن يكون هذا الأمر مهماً في نتائج الانتخابات النيابية».

وتابع: «الوجوه المرشحة كان يمكن أن تكون أفضل بكثير، إلّا أن الشرط الأول لوجود المرشح في السلطة التشريعية في لبنان هو امتلاك المال وهذا (الدارج) وحيتان المال حتماً لا يحتفظون بنفوذهم بسبب العبقرية والخبرة الطويلة في التشريع أو المستوى الرفيع لعلومهم ومعارفهم».

وأضاف: «على سبيل المثال في الولايات المتحدة يموّل القطاع الأميركي الخاص المرشح لأنه يدرس ماضيه السياسي وسياسته ويراه مناسباً لاستمرار وازدهار مصالحه الاقتصادية ولا يغيّر سلوكه السياسي، فليس المال من يغيّر الرأي بل يثبّته ويرسخه وكذلك الأمر في فرنسا المعيار هو التوجهات والفكر والقناعات والمصالح الاقتصادية ولكن لا تغيير في المواقف».

وشدّد على أن «أي جواب عن حجم ترجمة واقع الناس في نسب الاقتراع الآن، لن يكون دقيقاً وموضوعياً، ولكن هذا لا يمنع من أن عددا كبيرا من الناخبين يمتلك الوعي الكافي لتحديد خياراته وأكثرهم أصبح في الخارج».

وسأل يشوعي: «أين الكفاءة والبرهان في ظل قانون انتخابي لا يمتلك المنطق والعلم والمستوى، إن كانت حكومات ما بعد الطائف أو مجالس النواب أوصلت البلد إلى ما هو عليه؟»، قائلاً: «تعرفونهم من ثمارهم».

وشدد يشوعي على أن «صورة مجلس النواب في لبنان سوداء، فمشكلتنا مالية، والإفلاس حصل منذ سنتين والمجلس حينها كان قائماً فكيف يقبل أن تفلس دولة هو المسؤول التشريعي فيها ولا يذهب لتشريعات جديدة، وهو يعرف تماماً أن الدولة أفلست بسبب السرقة والقطاع المصرفي أفلس بسبب النهب، والدولة سقطت وكذلك البنك المركزي والمصارف، ماذا فعل أمام المشهد الدرامي؟ أين التشريعات الجديدة والتي على أساسها يستند القضاء لبدء المحاكمة واسترداد الأموال والمحاسبة؟».

وختم: «هذا ليس بلدا بل مجموعة تجّار يبيعون ويشترون بهيكل اسمه لبنان».


مقالات ذات صلة