القطاع الصناعي في لبنان... بين الحاجة لدعم مالي وتشريعات تحميه

رئيس جمعية الصناعيين لـ«المجلة»: نعمل لعودة الصادرات اللبنانية إلى السعودية
القطاع الصناعي في لبنان صمد رغم الأزمات

بيروت: تعتمد الصناعة اللبنانية بشكل كبير على المبادرات الفردية للقطاع الخاص، الذي أثبت، رغم كل الأحداث والحروب التي مرت على لبنان منذ العام 1975، قدرته على التكيف مع التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية، بالإضافة إلى المستجدات الاقتصادية في الأسواق الإقليمية والدولية، وقد بدأ القطاع الخاص اللبناني يعي الحاجة إلى المبادرة بالاهتمام بمحيطه البيئي والتنموي.


وعلى الرغم من حدة الأزمة المالية والاقتصادية التي يرزح تحتها لبنان اليوم بعد الأزمة المالية الحادة وجائحة كورونا، والتي أدت إلى انحدار أكثر من 80 في المائة من الشعب اللبناني تحت خط الفقر، وفقدان الآلاف لوظائفهم، يشهد القطاع الصناعي نوعاً من الانتعاش والنهضة على أثر تراجع حجم الاستيراد نتيجة الشح المتواصل بالدولار الأميركي، واحتجاز المصارف أموال المودعين، وانخفاض نسبة اليد العاملة الأجنبية لأن المؤسسات لم تعد قادرة على تأمين رواتبها بالدولار وهذا الأمر انعكس إيجاباً على الصناعة الوطنية التي عززت دورها ومبيعاتها في السوق اللبنانية.


وقد تراجع عدد إجازات العمل الممنوحة للأجانب من 247 ألفاً في عام 2019 إلى 180 ألفاً في عام 2020. كما انخفض عدد السمات خلال ديسمبر (كانون الأول) 2021 إلى 483، قياساً بـ2.844 سمة في 2020.

تراجع الاستيراد بنسبة ضئيلة
وتراجع حجم الاستيراد في لبنان من 19.2 مليار دولار عام 2019 إلى 11 مليار دولار في عام 2020، وأقل من 11 مليارا عام 2021. وفي حال استمرار هذا التراجع في الاستيراد، يعول كثيرون على التصدير لإدخال العملات الصعبة إلى البلد، علماً بأن الصادرات تراجعت بنسبة ضئيلة من 3.7 مليار دولار عام 2019 إلى 3.5 مليار عام 2020، وهو ما يعد بحسب المعنيين «ارتفاعاً نسبياً» بسبب الإقفال الذي شهده لبنان والعالم بسبب جائحة «كورونا».


ما هو واقع القطاع الصناعي وما هي توجهات مجلس الإدارة الجديد بعد انتهاء ولاية رئيسه الدكتور فادي الجميل الذي دفع القطاع على الاتفاق على لائحة توافقية تقود القطاع في هذه المرحلة الصعبة التي يعيشها لبنان؟


رئيس جمعية الصناعيين الجديد سليم الزعني تحدث لـ«المجلة» عن المشاكل والعقبات التي تواجه الصناعي في عمله وهواجس الجمعية من التشريعات التي تحضرها الحكومة للمرحلة المقبلة.

كورونا عمّقت الأزمة
واستهل الزعني حديثه بالقول أن «القطاع الصناعي مر بمرحلة دقيقة خلال العامين الماضيين بعد انتشار جائحة كورونا والانهيار المالي الكامل في البلد، ولو لم نكن متجذرين في لبنان وتعودنا على الانهيارات والمصائب التي مرت منذ العام 1975 وحتى اليوم لما كنا صمدنا، ولكن اللبناني وخصوصا الصناعي تجذر في البلد وليس من السهل اقتلاعه أو كسره».

رئيس جمعية الصناعيين الجديد سليم الزعني


وحول ردة فعل القطاع خلال أزمتي كورونا والأزمة المالية، قال الزعني: «أولا، لايوجد أحد في العالم لم يعان من الإجراءات التي اتخذت لمواجهة كورونا، فخلال أسبوع عمل استطاع  الصناعيون اللبنانيون وبكل جهد إنتاج كل الاحتياجات المطلوبة للمستشفيات والمؤسسات الطبية لمواجهة الجائحة، في حين أن هناك دولا كبرى وبسبب تخليها عن الصناعات الصغيرة، اضطرت إلى تأمين هذه المتطلبات من دول الشرق الأقصى عن طريق الشحن البحري والجوي».


وأضاف: «أحببت أن أبدأ حديثي بهذه الواقعة لإعطاء فكرة عن دور الصناعة في لبنان التي للأسف لم يكن أي مسؤول يؤمن بهذا القطاع أو يؤمن بأن هناك قطاعا يعمل لمصلحة البلد، فالكل كان ينظر إلى قطاع الخدمات مع أن كل الخدمات مهمة ولها دورها بدءاً من السياحة والزراعة والقطاع المصرفي والقطاع الصحي فهذه القطاعات تكمل بعضها البعض ولا يمكن لقطاع واحد أن يقوم بالبلد مع أن القطاع الصناعي هو ثاني أكبر رب عمل بعد الدولة وهذا القطاع هو الذي يدخل العملة الصعبة إلى البلد عن طريق التصدير، ونحن بالتصدير الذي كنا نقوم به من قبل وبعد الأزمة التي حصلت خففت كلفة الإنتاج واستطعنا نتيجة ذلك أن نبقى في السوق المحلية والخارجية».


وأكد الزعني: «محليا قمنا باستبدال بالبضائع المستوردة بضائع محلية، صحيح أن هناك بضائع أجنبية تتمتع بمواصفات معينة إلا أننا مع بعض الوقت طورنا صناعتنا لأننا غير معقدين من البضائع الأجنبية بل بالعكس الصناعة اللبنانية متطورة ولها مواصفات مميزة. هذا هو واقع الصناعة اليوم والآن وبعد الأزمة وانخفاض الناتج المحلي من 55 مليارا إلى 20 مليار دولار، الصناعة حاليا تمثل 13 مليارا من الناتج المحلي وهذ الواقع ساعدنا أن نبقى صامدين في الوقت الذي انهارت فيه القطاعات الأخرى مثل المصارف والقطاعات الصحية والتعليمية والسياحة التي باتت موسمية أي عندما يعود اللبناني في فترة الأعياد مع أنه  والحمد لله لا يزال القطاع السياحي صامداً حتى اليوم رغم الضربات المتتالية التي طالته منذ ثورة أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، ولكن المطلوب أن يكون هناك قناعة لدى الجميع لتأمين ديمومة عمل القطاع وليس كما حصل مؤخرا حين أعدت النسخة الأولى من مشروع قانون الكابيتال كونترول الذي لو أقر لكان وقعه كارثياً على القطاع».

كورونا أدى إلى تفاقم أزمة الصناعيين

محاذير من الكابيتال كونترول
وأشار الزعني إلى أن «مشروع الكابيتال كونترول كان يهدف إلى إدخال أموال التصدير إلى البرنامج وبالتالي هم يحددون متى تصدر ومتى تستورد، لذلك تحركنا نحو المسؤولين لإقناعهم بأنه لا يجوز وضع هذه الضوابط لأن القطاع لا يهرب الأموال إلى الخارج بل العكس يدخل الأموال إلى البلد فهو يصدر بنحو 4 مليارات دولار ويشتري المواد الأولية وينتج بضائع بقيمة 13 مليار دولار والفارق هو 9 مليارات دولار ناجمة عن البيع في السوق المحلية واستطعنا إقناعهم وتم تعديل مشروع القانون، اليوم تعقدت الأمور ولم يصدر القانون مع أننا مقتنعون بضرورة إقرار الكابيتال كونترول ولو أنه تأخر أكثر من عامين، مع العلم أنه لم يعد هناك كابيتال حتى يخضع للكونترول، مع ذلك يجب إقراره لضبط الرساميل إذا وجدت وهنا لا بد لنا أن نسأل ما هي الرساميل التي يتحدثون عنها؟ الرساميل هي الدولار الموجود في المصارف وهذا جامد ولا يتحرك، فأنت تعطي المصرف شيكا والمصرف يعطيك شيكا مقابله على مصرف لبنان أو يتم بيعه في السوق بـ14 في المائة من قيمته أي إن الهيركات يبلغ 86 في المائة، لذلك الكابيتال كونترول يجب أن يكون لجذب رساميل جديدة وفي الوقت نفسه تحاول إقناع أصحابها بالبقاء في لبنان، لكن هذا الأمر يجب أن تتوفر له الثقة».


وقال: «نحن لا نعرف أي شخص كان يستثمر أمواله في لبنان سيعود ويدخل أي مبلغ، لأن الثقة لن تأتي من السلطات المالية أي من الدولة أو المصارف فهولاء لا يمكنهم جذب الأموال. أما إذا كانوا معتمدين على أن صندوق النقد الدولي سيقدم للبنان قروضاً حتى يظهر أن لبنان عاد إلى السوق العالمية فهذا لن يعيد الثقة لأننا اليوم أصبحنا في اقتصاد الكاش ولم يعد هناك شخص يضع أي مبلغ في المصارف. وإذا سألتني هل أنت متفائل في المرحلة المقبلة، سأقول لك نحن عشنا الحرب عام 1975 حتى اليوم ومررنا بالأزمة المالية التي نعيشيها وهذه الأزمة لم تحصل في تاريخ البشرية ولو حصلت في أي بلد بالعالم لانهار تماماً، مع ذلك لا نزال صامدين ولا يمكنك أن لا تؤمن بالناس الصامدة وموجودة في البلد ومشكلتنا اليوم كقطاع هي أن لا تزيد الدولة علينا الأعباء حتى نستمر، لقد أخذنا القرار بأن نبقى ولن نغادر البلد، المهم أن يساعدونا ليس بالمال لأننا لسنا بحاجة، بل بالتشريع وترك الصناعي حتى يستطيع أن يعمل وليس وضع العراقيل أمامه، اليوم الصناعي موجود ويريد العمل ولا يجوز أن تضع له عراقيل وتطلب منه دفع كل الضرائب أو نضيف عليه أعباء جديدة ونضع على رأسه كل المشاكل الاجتماعية فهذه الأمور ستزيد كلفة الإنتاج بحيث لا يمكننا العمل ولا نستطيع أن نصدر إنتاجنا، لذلك نحن نطالب بتشريعات تحمي الصناعة نحن لا نطالب بدعم مالي بل إبقاء الكلفة كما هي الآن والابتعاد عن التشريعات التي تتحضر اليوم لقد واجهنا ارتفاع أسعار المحروقات لأن هذا الارتفاع سببه عالمي لذلك لا يجوز أن تضاف علينا أعباء جديدة».
وحول عودة الصادرات اللبنانية إلى السعودية، قال الزعني: «إن المؤشرات تبشر بالخير وهي جيدة وسنتصل قريبا بالسفير السعودي لبحث فكرة تنظيم زيارة للسعودية بغية شرح وجهة نظرنا إذ إننا نتفهم توجسات السعوديين بالنسبة للموضوع اللبناني ثم إن لكل دولة سياستها وأمورها السيادية وشؤونها وتوجهاتها بالنسبة للغير وسنبذل جهدنا لعودة الأمور إلى مجراها الطبيعي».

يحتاج القطاع الصناعي إلى تشريعات تحميه


وتابع: «لم نتوقف عن البحث عن أسواق جديدة نصدر إليها وقد دفعتنا هذه الأزمة للبحث أكثر. إن الأزمة التي نعيشها في لبنان بشكل عام هي التي تدفعنا دائما للبحث أكثر عن التصدير إلى أسواق جديدة».


وأكد الزعني: «لقد قامت دول عديدة بتأمين دعم مباشر لكل المؤسسات، وعلى سبيل المثال أمنت فرنسا القروض عبر المصارف والمؤسسات المالية وبضمانة منها لمجابهة كورونا وكذلك اهتمت بتأمين الرواتب إلى جميع العاطلين عن العمل بحيث لا تتحمل المؤسسات أي عبء لمواجهة الوباء».