بين أوكرانيا وسوريا

لا بد أن يشعر المواطن السوري وهو يتابع الاندفاعة الثابتة والقوية لدول الغرب لدعم أوكرانيا وشعبها بوجه الهجوم الروسي عليها ولتعاطف الصحافة والمفكرين والفنانين أنه كإنسان أقل شأنا وأقل أهمية من غيره لديهم. 

قبل أسبوع تناقلت وسائل الإعلام العالمية صورا وفيديوهات واعترافات عن إحدى المجازر البشعة التي قام بها نظام الأسد، مجزرة التضامن حيث شاهد العالم كيف أن جزّارا معروف الهوية والعنوان والانتماء يدفع بعشرات المدنيين معصوبي الأعين ومكبلي اليدين نحو حفرة بعد أن يوهمهم بأنهم في طريقهم إلى الحرية ليرديهم بدم بارد وسط أجواء احتفالية من قبل شركائه في الجريمة. هذه إحدى المجازر التي كُشف عنها النقاب ومن البديهي القول إنه يبقى الكثير من المآسي المماثلة والبشعة التي ربما لن نعرف عنها شيئا. تضاف هذه المجزرة إلى مجزرة معتقلات وسجون النظام التي تعرف العالم عليها من خلال «قيصر»، هذه المسالخ التي تنزع عن جزاريها صفة الإنسانية فتراهم يستلذون في إطالة أمد تعذيب الأرواح لأسباب عصية عن الفهم تتداخل فيها أعراض نفسية خطيرة لدى هؤلاء السفاحين ممزوجة بكره طائفي ومذهبي لا حدود له. مع هذا بالكاد لفت انتباه خبر مجزرة التضامن انتباه المسؤولين الغربيين.

سوريا اليوم هي 11 عاما تقريبا من القتل الممنهج على يد نظام الأسد وحلفائه وملايين النازحين ومئات من مليارات الدولارات دمارا، ويتصدر مرتكبي هذه المآسي الرئيس الروسي بوتين من خلال قصفه الوحشي وتدميره بطائراته الحربية مدنا وضياعا وبيوتا على رؤوس قاطنيها الأبرياء وعلى مرأى ومسمع العالم الغربي. لم يتحرك الغرب يومها لمعاقبة الرئيس الروسي على أفعاله بسوريا.

حتى عندما ضم بوتين، القرم وأوسيتيا وأبخازيا وتدخل عسكريا في جورجيا وكازاخستان لم يتحرك الغرب مطلقا.

ولكن عندما بدأ نفس الرئيس هجومه على أوكرانيا تكتل ضده الغرب وبدأ بمحاولة خنقه اقتصاديا بشتى الطرق وفتح مخازن الأسلحة على وسعها لمقاتلين أوكرانيين من دون أي سؤال وأغدق المال على حكومة زلينسكي والمساعدات من كل نوع وأصبحت كييف أيقونة الحريات والديمقراطيات وشبّه البعض رئيس أوكرانيا برئيس وزراء بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية تشرشل لهجومه على أوكرانيا. 

غريب هذا الأمر.

لماذا لم يتحرك الرئيس أوباما آنذاك ضد الرئيس الأسد وحلفائه لوقف عمليات القتل الممنهج للشعب السوري وبالأسلحة الكيماوية؟ لماذا قبل العالم أن يتفرج على أبشع مجازر القرن من دون أن يحرك ساكنا؟ مع العلم أن الثورة السورية في بداياتها كانت تشبه أهلها المعتدلين الذين يطلبون بعضا من حرية. المتطرفون اختطفوا الثورة عندما لم يهتم الغرب بحماية سلمية المظاهرات وردع عنف نظام الأسد. وعند بروز المجموعات المتطرفة قال الغرب هذه حجتنا للإحجام عن إسقاط النظام. أتريدون لداعش أن تحكم؟ انظروا كيف يحكمون في سوريا؟ انظروا ماذا يفعلون في العراق؟ هذا كان لسان حالهم فيما سوريا تذبح. عندما كان يطالب السوريون بصواريخ مضادة للدبابات كان يقال لهم: لا، مخافة أن تقع في أيدي المنظمات الإرهابية المتطرفة، وهم تركوا أضعاف هذه الأسلحة وغيرها الأكثر تطورا تقع في أيدي طالبان لا بل أكثر تراهم اليوم يضعون أسلحة متطورة بين يدي فصائل ذات نزعات ندية كفرقة أزوف مثلا من دون حرج.

غريب هذا الأمر ومحبط لما يحمل من ظلم إذا ما قارن الواحد منا بين ردة فعل الغرب على الحربين الأوكرانية والسورية، فيبدو أن قيمة الإنسان عند رافعي لواء الحرية والمساواة والأخوة مسألة تفضيلية.. للأسف.