حفرة بحجم وطن

كنت أظن أن أقسى ما يمكن أن يتعرض له المرء هو أن يجلس ساعات طويلة وأياما يقلب في صور جثث مشوهة عله يتعرف على ابنه أو أبيه أو أحدا من أفراد عائلته اختفى قبل سنوات في سجون النظام السوري، ولكن بعض الظن إثم، فدائما ما يفاجئنا نظام الأسد بقدرته على «إدهاشنا» بكمية الوحشية والإجرام التي مارسها ويمارسها بحق السوريين.

هذه المرة جلست عائلات تتابع شريط فيديو لقتل مدنيين في منطقة التضامن في ريف دمشق، علهم يجدون أبناءهم بين من يُقتلون، فيعيشون معهم لحظاتهم الأخيرة ويشاهدون كيف تم قتلهم بدم بارد، كيف كان قاتلهم يضحك وزميله يصور، ليعرفوا هل من يبحثون عنهم من أحبائهم لا زال معتقلا أم في عداد المفقودين، أم أنهم مدفونون هناك في تلك الحفرة قرب بنايات دعبول.

أم تفرح أن ابنها قتل في مجزرة التضامن، أقله هو لا يتعرض للتعذيب منذ لحظة اختفائه في ذلك اليوم من عام 2013 إلى يومنا هذا، أب يصله فيديو المجزرة من صديق في ألمانيا، فيتعرف على ابنه من مشيته، قاتل يظهر بوجهه ضاحكا وضحاياه معصوبة عيونهم، يسمعون صوت موتهم ولا يرونه، قصص لن نسمع عنها إلا في سوريا الأسد.

بعد أيام من الكشف عن المجزرة التي حصلت في أبريل (نيسان) من العام 2013 والتي كشفها تحقيق للباحثة السورية أنصار شحود والبروفسور أور أوميت أونغر في جامعة أمستردام، والذي تزامن مع تحقيق لصحيفة «الغارديان» البريطانية يتضمن مقتطفات من فيديو المجزرة، الذي ما لحق أن تسرب كاملا، ويظهر قيام مجموعة مسلحين تابعة لقوات النظام السوري في 16 أبريل 2013 تقوم بإعدام 41 مدنيا، بينهم 7 نساء وعدد من الأطفال، وتقوم بتكديس جثث المدنيين الضحايا فوق بعضها، وإلقاء إطارات سيارات وأخشاب فوقها، وسكب البنزين عليها ثم إحراقها. أصدر رئيس النظام السوري مرسوم عفو عام يشمل «الجرائم الإرهابية» المرتكبة قبل تاريخ السبت 30 أبريل 2022 عدا الجرائم التي «أفضت إلى موت إنسان والمنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب».

ليعيش السوريون ويسمعوا قصصا أخرى لا يمكن أن تسمعها إلا في سوريا الأسد. فبعد ساعات من إصدار الأسد مرسوم العفو، تجمع الآلاف من عائلات المعتقلين عند «جسر الرئيس» في العاصمة دمشق لينتظروا الإفراج عن أبنائهم وأقاربهم أو ليسألوا من يخرج إن كانوا يملكون أي خبر عنهم، أيام وليال أمضوها في العراء، وللمفارقة لم تغب كاميرات إعلام النظام عن الحدث، فيطلب المراسلون من المفرج عنهم تقديم «الشكر لسيادة الرئيس»، قهر لا يمكن أن يعيشه الإنسان إلا في سوريا الأسد.

عدد المفرج عنهم بضع مئات، أغلبهم وفقا للجان الحقوقية والمنظمات من مرتكبي جرائم جنائية، فيما عدد المفرج عنهم من الثوار هو نحو المائة، بينما يقبع في المعتقلات عشرات الآلاف، ولكن من يدري من منهم على قيد الحياة ومن منهم قد دفن في حفرة ما في حي ما في مدينة ما من مدن سوريا الأسد.

حكايا من كانوا ينتظرون أبناءهم أعادت إلى ذاكرة السوريين حكايا من عاشوا عشرات السنين ينتظرون عودة أبنائهم ممن اعتقلوا وأخفوا قسريا في الثمانينات، وصور شجعت معتقلين سابقين ليرووا قصصهم، مآسٍ لا تسمع عنها إلا في سوريا الأسد، وإن كان العالم يسمع مع السوريين هذه المرة ويشاهد فيديوهات المجازر وقصص المعتقلين ويعلن تضامنه اللفظي دون أي فعل جدي واحد منذ نحو 11 عاما لإنهاء مأساة السوريين المستمرة، وكل ذلك لم يوقف في الوقت نفسه حملات التحريض ضد اللاجئين السوريين خارج سوريا ودعوات إعادتهم إلى سوريا الأسد بذريعة أن سوريا أصبحت آمنة.

يتجاهل أصحاب هذه الدعوات أن سوريا آمنة لأمجد يوسف الذي ارتكب مجزرة التضامن، وتفاخر بها واعترف، وتابع حياته وتزوج وأنجب، بينما كان أطفال ضحاياه وأهاليهم ينتظرون خبرا عنهم.

سوريا حيث المجازر موثقة ومصورة، وحيث صور الضحايا مرقمة، وحيث القاتل يتصور مع صورة ضحيته ضاحكا، وحيث الجلاد يسجل أساليب تعذيبه ويشاركها مع أهله وأصدقائه فخورا بما اقترف، سوريا آمنة لكل هؤلاء ولكنها مقبرة جماعية للسوريين، فمن يدري عندما يمشي بالطريق إن كان يدعس على حفرة مليئة بجثث ضحايا قد يكون أحدهم ابنه أو أباه.

وإن كان الحديث والتذكير بكل هذه الجرائم التي لم تتوقف كما لم يتوقف الكشف عما خفي منها أمرا لا يعني المجتمع الدولي بشيء طالما أن الجريمة حدودها سوريا والضحايا هم من السوريين والفلسطينيين، فإن المعارضة الرسمية السورية أيضا لم تبدل من استراتيجياتها شيئا ولم تجعلها كل هذه الأحداث تعلق مشاركتها باللجنة الدستورية ولو تعليقا للكشف عن مصير المفقودين، حتى وهي تقر على لسان الرئيس المشترك للجنة الدستورية عن قائمة هيئة التفاوض المعارضة، هادي البحرة، أن «النظام ماضٍ بالمماطلة».