اللبنانيون أمام اختبار مصيري... المزاج التغييري واضح

مؤشرات عدّة تبلورت لما سيشهده يوم 15 مايو
انتخابات لبنان في الخارج تم تنظيمها في 58 دولة (أ.ف.ب)

بيروت: ما قبل 15 مايو (أيار) لن يكون كما بعده، فالرهان على ما ستفرزه الانتخابات النيابية اللبنانية لبلورة وجهة البلد، في استحقاق هو الأول بعد الانتفاضة الشعبية في 2019 بوجه المنظومة الحاكمة التي يُلقى على عاتقها مسؤولية الانهيار الاقتصادي والتدهور المعيشي والاجتماعي المصحوب بفساد ينخر مؤسسات الدولة.


بدأ العد العكسي لاستحقاق يُعوّل عليه اللبنانيون للتغيير من خلال صناديق الاقتراع التي تشكّل فرصة لهم للمحاسبة، على الرغم من أن خرق لوائح السلطة لن يكون بالكبير، في ظل تشرذم مرشحي الثورة ضمن لوائح غير موحدة وتخوّف من الأساليب الملتوية التي ينتهجها أصحاب النفوذ للجم حضور تلك الفئة التي شكّلت مشاركتها تحدياً مباشراً للسلطة ومكوناتها.


أدلى المغتربون في المرحلة الأولى من المعركة  بصوتهم في 58 دولة، بنسبة بلغت نحو 60 في المائة، بعد مشاركة نحو 130 ألف مغترب لبناني من أصل 225 ألفاً مسجلين في عملية الاقتراع في الخارج يومي الجمعة والأحد الماضيين، في نسبة جيدة مقارنة بمشاركتهم الأولى عام 2018 التي سجّلت 56 فيالمائة إذ صوّت نحو 50 ألفاً من أصل 90  ألفاً سجلوا أسماءهم، إلا أن البعض يعتبر عدد المسجلين والناخبين ضئيلاً نسبة إلى انتشار ملايين اللبنانيين في أنحاء العالم.

نسبة الاقتراع العامة بلغت نحو 60 في المائة في العالم (أ.ف.ب)


ووسط ترقب لما ستظهره نتائجهم بعد انتهاء عمليات التصويت داخلياً، تم نقل صناديق الاقتراع بعد إقفالها بالشمع الأحمر عبر شركة شحن خاصة إلى لبنان لإيداعها في المصرف المركزي لفرزها يوم الأحد، بدأ العد العكسي داخلياً  للانتخابات التي تجري وفق القانون النسبي، ويتنافس فيها 103 لوائح موزعة على 15 دائرة لحصد مقاعد مجلس النواب الـ128، من دون إغفال إشكالية اعتماد القانون على الصوت التفضيلي الذي  يختاره المقترع لمرشح واحد ضمن اللائحة التي صوت لها، على أن يكون حصراً من دائرته الصغرى، و يُحتسب الحاصل الانتخابي بقسمة عدد المقترعين بكل دائرة على عدد مقاعدها.

حماسة لافتة.. ومزاج تغييري!
يترقّب الداخل والخارج ما ستؤول إليه نتيجة تلك المحطة المفصلية، وسط حماوة للماكينات الانتخابية التي تجهد، قبيل الساعات الأخيرة من الموعد المصيري، إلى اجتذاب أصوات المترددين، فيما حسم آخرون قرارهم بالتأييد لصالح من يرون أنهم قادرون على التغيير، أما الأحزاب التقليدية فتحشد مناصريها ليوم تقرير المصير.


وفي قراءة للمشهد قبيل ساعة الحسم، أوضح الكاتب الصحافي والمحلل السياسي علي حمادة لـ«المجلة» أن «المرحلة الأولى من الانتخابات والمتعلقة بانتخاب لبنانيي الاغتراب أعطت مؤشرات عدة  لما ستشهده انتخابات الداخل، فالمؤشر الأول أبرز حماسة لافتة للمشاركة، أما المؤشر الثاني فتجلى بالمشاركة الكثيفة على مستوى الشباب والحماسة لدى المخضرمين الذين كانوا في المراحل السابقة غير آبهين للانتخابات».

الكاتب السياسي علي حمادة


ولفت إلى أن «المؤشر الثالث هو المزاج التغييري الواضح الذي يسكن عقول ووعي الناخبين بمعظمهم، وعلى الرغم من التفاوت، إلا أن المزاج التغييري المنبثق من ثورة 17 تشرين والانهيار الاقتصادي والمالي والاجتماعي الهائل والمخيف الذي عاناه ويعاني منه لبنان، هو مزاج حقيقي وراسخ»، مشيراً إلى أن «الاغتراب قد يكون مترجماً في غالبية الأصوات التي صبت في صناديق الاقتراع، أما في الداخل فيحتاج هذا الأمر إلى مزيد من التحفيز لأن اللبنانيين سئموا من الوضع  الحالي، وجميعهم يريدون الاقتصاص ومعاقبة المسؤولين عنها بشكل أو بآخر».


وأوضح حمادة أن «المؤشر الرابع سيتأكد يوم الانتخاب، وهو وجود نفس سيادي راسخ لم يتغير، قد ضعف قليلاً بسبب نتائج الأزمة وانقسام الشارع السيادي ما بين الحالة السيادية التقليدية والحالة المدنية الاعتراضية، ولكن القاسم المشترك بينهما هو أن مشروع حزب الله لا يستطيع أن يخرق الحالتين، وإن خرقهما من خلال تشتتهما، فإنه لن يستطيع أن يخترق العقول والوعي».


وأكد أن «المؤشر الخامس يُظهر أنه ستكون هناك مبدئياً مشاركة واسعة لجميع البيئات اللبنانية»، مشيراً إلى أن «هناك من يتحدث عن مشاركة أقل في البيئة السنية وهذا احتمال وارد، بسبب انكفاء تيار المستقبل، لكن الانتخابات حاصلة والنتائج ستكون راسخة لـ4 سنوات».


وشدد حمادة على أن «ما ستصدره صناديق الاقتراع سيتعايش معه اللبنانيون، لذلك سنرى في الساعات الأخيرة  التي ستسبق افتتاح صناديق الاقتراع تحفيزاً وتشجيعاً أكبر و حماسةً ستتصاعد للمشاركة».


وجزم بأن «مرحلة ما بعد الانتخابات لا يمكن استشرافها بدقة لأن الملامح والنتائج غير واضحة، وفي 16 مايو ستتبلور صورة المرحلة المقبلة على صعيد تكليف رئيس حكومة وتشكيل حكومة جديدة، كما استعار المعركة حول رئاسة الجمهورية التي سيكون لها تأثيراً كبيراً على الواقع في لبنان».

انتهاكات بالجملة
لن تكون مراقبة الانتخابات تحت مجهر هيئة الإشراف على الانتخابات فقط، بل تلعب هيئات المجتمع المدني المختصة، كما الهيئات الدولية، دورها في مواكبة ومراقبة مجرياتها، وفقاً لشروط معينة.


لم يتمكن القانون الانتخابي من ضبط حركة المال السياسي الذي برز حضوره خلال الحملات الانتخابية، بالإضافة إلى انتهاكات جمّة  تتم على مرأى من أعين الرقابة والقانون.


ورصدت الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية ​الانتخابات​ (LADE) العديد من المخالفات التي وثّقها مراقبوها منذ انطلاقة التحضيرات، مروراً بانتخاب المغتربين، وصولاً إلى يوم الاقتراع وما يليه.


أكدت عضوة الجمعية جودي فتفت لـ«المجلة» أن «مراقبيها وعددهم 42 توزعوا في كل المناطق  اللبنانية حيث رصدوا انتهاكات فاضحة لقانون الانتخابات، خصوصاً من المنتمين إلى الأحزاب السياسية التقليدية، وتجلّت عبر الرشى والخدمات والمساعدات والوعود التي وصلت إلى حد لا يمكن لجمها»، مشيرة إلى أنها «تبدأ من استغلال أبسط احتياجات الناس، تحت مسمى مساعدات، عبر تقديمات بسيطة وصولاً إلى هبات وتبرعات بأرقام خيالية وعيديات وإفطارات وابتكار أساليب جديدة لشراء الأصوات».

الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية ​الانتخابات​ (LADE)


ولفتت إلى أنه «تم رصد كميات هائلة من الرشى الانتخابية، وكلما اقترب موعد الاستحقاق، كلما ازدادت عملية شراء الأصوات، واستغل المرشحون الوضع الاقتصادي الصعب للمواطنين والناخبين لحجز مقعد في البرلمان عبرها، في ظل غياب لمؤسسات الدولة المنوط بها تقديم ذلك حصراً».


واعتبرت فتفت أن «أي خدمة أو مساعدة تُقدّم خلال الحملات الانتخابية تعزز العلاقة الزبائنية بين الناخب والمرشح وتؤثر على صوته خلال عملية الاقتراع»، مشيرة إلى أنه «تنوعت الرشى بين تعبيد طرقات وهبات مالية خيالية وتقديم محروقات ومولدات كهربائية وتجهيزات لنوادٍ رياضية ومستشفيات ودور أيتام وعبادة ولبلديات، بالإضافة إلى الحصص الغذائية والقسائم الشرائية».


تخطت التجاوزات، بحسب فتفت، حدود الرشى لتصل إلى أشكال عنف متعددة للضغط على الناخبين والمرشحين ومحاولة تخويفهم، لافتة إلى «ازدياد عمليات الترهيب ضدهم والاعتداء عليهم وتهديدهم بالمباشر أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما تم منع بعضهم من إطلاق  لوائح أو إقامة  لقاءات في مناطق معينة وصلت لحدود إطلاق نار عليهم وتحطيم سيارات وتمزيق صور».


وأوضحت أنه «تم لحظ استغلال نفوذ واستخدام لموارد عامة من أجل غايات انتخابية بشكل مخالف للقانون، وذلك للترويج للوائح معينة ورفع صور وافتتاح مشاريع  بمشاركة رؤساء بلديات ورجال دين، كما سُجّل قيام بعض المرشحين باتصالات مع شركة الكهرباء الرسمية لإصلاح أعطال كهربائية  في استغلال واضح للنفوذ».
وأشارت إلى أن «الجمعية رصدت هيمنة للخطابات الشعبوية وازدياداً في الخطاابات التحريضية والتخوينية والطائفية وتوزيع منشورات قدح وذم ضد عدد من المرشحين، بالإضافة إلى تحريض وتخوين واتهامات متبادلة».


لم تخلُ انتخابات المغتربين من الانتهاكات، وأوضحت فتفت أن «80 مراقباً موزعين على 29 دولة رصدوا في المرحلتين تجاوزات عدة تمثّلت بعدم احترام لسرية الاقتراع  حيث كانت العوازل مكشوفة، كما تكررت حالات مرافقة مندوبي الأحزاب للناخبين إلى العوازل، وهذا لا يضمن سرية الاقتراع».


وتحدثت عن «وجود حملات انتخابية داخل وخارج مراكز الاقتراع حيث تم إطلاق هتافات للوائح معينة، مترافقة مع إشكالات بين ناخبين ومندوبين»، مشيرة إلى أنه «تم إبلاغ وزارة الخارجية عبر مراقبي الجمعية بما يحصل في محاولة للحد من المخالفات التي يُؤمل أن تتفادها وزارة الداخلية وهيئة الإشراف خلال انتخابات المقيمين، إذ إنه حتى الساعة لم يتم اتخاذ أية إجراءات أو تدابير عملية بما تم رصده في التقارير التي رُفعت إلى المعنيين».

القرار الحاسم للناس!
«هل سينجح الناس في التغيير؟!»، سؤال سيتّضح الجواب عليه الاثنين المقبل بعد فرز الأصوات وبلورة قرار الناخبين الذين يؤكدون أن قرارهم سيكون حاسماً، فبحسب سابين البطل، فإن «مشاركتها هي من أجل محاسبة الطبقة الحاكمة على ما اقترفته بحق البلد، فالتغيير لن يتحقق إلا بالتصويت».


من جهته، اعتبر يوسف علاء الدين أن «الاقتراع ضد المنظومة الفاسدة هو انتصار لدماء شهداء مرفأ بيروت وزورق طرابلس ولكل اللبنانيين الذين وقفوا في طوابير الذل أمام محطات المحروقات وسُلبت أموالهم منهم وحُرموا من الكهرباء وباتوا عاجزين عن تأمين الدواء وقوتهم اليومي».


وفيما جزمت سمر رمضان بأن «خيار عدم المشاركة، كما الورقة البيضاء، حق للتعبير عن الامتعاض من الوضع الحالي ولقناعتها بعدم وجود من يُمثّل طموحاتها»، أبدى هادي دنش «إيمانه بمشروع حزبه ضد من يعتبر أنهم دخلاء على الساحة السياسية ويرفعون شعارات فارغة من أجل أجندات لا تخدم الوطن».