قبل مشاهدة «ياكاموز» التركي.. عليك مشاهدة «Into The Night»

«نتفليكس» تبتكر فكرة غير مسبوقة في عالم الدراما
من مسلسل ياكاموز

بيروت: إذا شاهدت الموسم الثاني من المسلسل البلجيكي «Into The Night» الذي بدأت منصة نتفليكس عرضه في شهر سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، ثم شاهدت المسلسل التركي «yakamoz s-245» لبطله النجم الشهير كيفانش تاتليتوغ والذي بدأ عرضه قبل أيام على المنصة نفسها، ستكتشف أنّ المشهد الأخير في المسلسل الأوّل، هو نفسه المشهد الأخير في المسلسل الثاني، وأنّ تشابه أحداث المسلسلين ليس صدفة، ولا اقتباساً ولا استنساخاً، بل مقدّمة للانطلاق من عملين، ثم دمجهما في عملٍ واحد، في فكرة عبقرية لم يسبق لصنّاع الدراما أن أنجزوها من قبل.

فكرة المسلسلين واحدة، عندما يحصل انفجار شمسي، تبدأ أشعة الشمس في قتل كل مظاهر الحياة على الأرض، يكون الحل في مسلسل «Into The Night» الذي بدأ عرض موسمه الأوّل أواخر العام 2020 الانطلاق بطائرة تتّجه غرباً للهرب من أشعة الشمس، وبعدها الهبوط في مطار مظلم ومليء بالوقود، قبل الهروب إلى حيث الظلام من جديد، في إطار البحث عن مخبأ قيل إنّه يحمي من أشعة الشمس.

أما في الموسم الثاني، فيكون الهاربون قد وصلوا إلى مخبأ وبدأوا يبحثون عن بذور لزراعتها، لتأمين قوت يومهم بعد أن قتلت الشمس كل مظاهر الحياة. منهم من يتعلق بالنجاة، ومنهم من تتملكه رغبة الانتقام، ومنهم من يرى أنّ الحياة لمجرد التنفس والأكل والنوم وسط مصير مجهول، وفقدان الأحبة لا جدوى منه.

أما في المسلسل التركي، فيبدأ المسلسل عندما تقنع عالمة أحياء بحرية (أوزجي أوزبرنجي) حبيبها السابق (كيفانش تاتليتوغ) بالغوص في مهمة إنقاذية مع فريق من العلماء، ليكتشف بعد أن يصبح في أعماق البحار أن غواصته بحاجة إلى إصلاح، وعندما يطفو بها على سطح البحر، يدرك حقيقة ما يحصل على الأرض، وأن ثمة أشعة قاتلة أنهت كل مظاهر الحياة على الأرض، وأنّ النجاة عبر غواصته باتت مستحيلة، فيلتقي الفريق صدفة بغواصة ياكاموز التي يقودها عناصر من قوات الأمن التركية، فيصبح الجميع ركاب الغواصة الباحثة عن النجاة، وعن مخبأ لا تصل إليه أشعة الشمس، يغطسون في أعماق البحر خلال النهار حيث لا تصل أشعة الشمس، وفي الليل يطفون على السطح ويبحثون عن سبل النجاة، لتكتشف مع تقدّم الأحداث أن رحلة غواصة ياكاموز، ورحلة الغواصة العسكرية، ولقاء الصدفة لم يكن صدفة، بل إنّ الأمور كانت مرتبة من قبل جهات عليا، كانت تدرك أنّ الانفجار الشمسي حاصل، وأنّ قلة فقط ستنجو بنفسها.

تتشابك أحداث الموسم الثاني من المسلسل البلجيكي مع الموسم الأوّل من المسلسل التركي، في هذا الأخير ينطلق صاروخان من الغواصة لسبب غامض لا يعرفه ركاب الغواصة فيصيب طائرة روسية، وفي الموسم الثاني من المسلسل البلجيكي تجد طاقم الطائرة يتهم الأتراك بتفجير طائرته.

في المشهد الأخير من المسلسل التركي يلتقي فريقا المسلسل، ومن دون حرق الأحداث، ينتهي المسلسلان عند نقطة فاصلة تحتم وجود موسم يجمع العملين معاً في عمل واحد.

الفكرة شيقة، لكنّها تفتح المجال للمقارنة بين العملين

المسلسل البلجيكي عرض في موسمه الأوّل في بداية جائحة كورونا، كان العالم يعيش رعب نهاية العالم ولا يعرف الكثير عن الجائحة بعد، وفي الحجر المفروض على سكان الأرض، شاهد مشتركو نتفليكس المسلسل، وبين فيروس غامض يقتل وأشعة شمس تفني الحياة، كان ثمّة تماهٍ أفضى إلى موسم ثانٍ.

أما في الموسم الثاني الذي عرض أواخر العام 2021، فكان العالم يعيش رعب المتحورات، قبل أن ينتشر أوميكرون ويصيب حتى من ظنّ نفسه محصناً، إلا أنّ الرعب من نهاية العالم كان قد انتهى، وكان التعامل مع الجائحة قد بدا مفهوماً أكثر. كما أنّ فكرة مسلسل يدور فوق السحاب، بدت مثيرة للاهتمام أكثر من فكرة مسلسل يدور في مخبأ خانق لا تدخله الشمس، مع مظاهر حياة لا تشبه الحياة، تجعل المشاهد يتساءل: هل يستحق هذا الجحيم كل هذا الكفاح؟

نال المسلسل البلجيكي 7.1 على عشرة حسب تصنيف IMDb ونال 66  في المائة حسب تصنيف Rotten Tomatoes، أما المسلسل التركي فحاز على تصنيف أقل بنسبة 6.1 على عشرة حسب تصنيف IMDb ونال 50  في المائة حسب تصنيف Rotten Tomatoes.

وبالمقارنة بين العملين، غرق الأتراك في مواقف عاطفية بدت نافرة جداً في سياق العمل الدرامي، فلدى مقتل قائد الغواصة، يعد له جنوده بعد هبوط الظلام جنازة مهيبة، ويؤدون له التحية، مشهد بدا دخيلاً على جنود فقدوا بدورهم أهاليهم وأحباءهم ولم يقيموا لهم جنائز ولم يحظوا بفرصة الوداع الأخير.

كما أن سرعة تأقلم ركاب الغواصة مع فكرة أن الشمس بدأت تقتل كل مظاهر الحياة على الأرض بدت نقطة ضعف العمل الأساسية، في حين أن ركاب الطائرة البلجيكية عاشوا صراعات وهم يتخيلون كيف أنّ حياة كل الذين يحبونهم باتت من الماضي.

في المسلسل التركي برز أكثر من عامل تشويقي، إذ إن الأحداث التي بدت وكأنها صدف لا تحصل سوى في خيال كاتب جامح لم تكن كذلك، وكل شيء كان مرسوماً بدقة، إلا أنّ فكرة البحث عن الملجأ وعن البذور المعدّلة التي تضمن إنتاجاً زراعياً يقي الناجين خطر الموت جوعاً، كانت قد استهلكت في المسلسل البلجيكي.

أما العامل السلبي الذي حال دون أن يصل المسلسل التركي لأن يكون من ضمن الأعمال الأكثر مشاهدة، فهو فكرة استهلاك أعمال نهاية العالم، في فترة بدأ فيه العالم يخلع الكمامات وينطلق نحو مرحلة يرجو فيها أن تكون الجائحة قد أصبحت من الماضي، لا يطيق الحديث عنها، ولا مشاهدة أعمال تذكره أنّه يعيش بدوره حقبة سوداء استمرت عامين، كان يهرب فيها من المجهول إلى المجهول ولا يعرف أي مصير ينتظره.

في خضم الجائحة كانت المشاهد يتماهى مع الممثلين المذعورين من المجهول الهاربين نحو الخلاص، أما بعد أن بلغ عتبة الخلاص، فباتت مشاهدة أعمال نهاية العالم بمثابة فتح جرح لم يندمل بعد.

يبقى أن نشير إلى تميز الممثلين الأتراك بأداء عالٍ، في عمل كان سيكون الأكثر جماهيرية لو عرض في ظروف أفضل.

وبانتظار الموسم المقبل، وأن يلتحم العملان في عمل واحد لا يعرف بعد أي عنوان سيحمل، يبقى أن نقول إنّ فكرة نتفليكس في الجمع بين مسلسلين، مؤشر لحقبة جديدة في عالم الدراما، يبذل فيها صناع الأعمال الكثير من الجهد ليقدموا أفكاراً متميزة لمشاهد وصل حد الإشباع ولم يعد من السهل إرضاؤه.


مقالات ذات صلة