«المجلة» تغوص في ظاهرة « الإتجار بالبشر» واستغلال الفقراء في مصر

ارتفاع ظاهرة خطف الأطفال ومطالبات بتشديد العقوبات
حوادث خطف الأطفال تؤرق الأسرة المصرية

القاهرة: انتشرت في مصر في الآونة الأخيرة ظاهرة اختطاف الاطفال بشكل متزايد، وتنوعت دوافع مرتكبيها، غير أن المحصلة بالنسبة لذوي الضحايا واحدة، وهي فقدان فلذات أكبادهم. هذه الجرائم تمثل خطرا حقيقيا على المجتمع المصري وسلامته، خاصة عندما يتم ربطها بمحاولات الإتجار بالأعضاء البشرية، الأمر الذي دفع بالدولة المصرية، عن طريق مؤسساتها التشريعية والقضائية، إلى النظر في مواد القوانين، التي تتعرض لقضايا الاختطاف، ومنها جرائم اختطاف الأطفال، وتدرجت العقوبات في القانون بحسب ملابسات وقرائن كل جريمة حتى وصلت إلى الإعدام في بعض الحالات الموثقة، بما يعكس حرص الدولة على محاصرة هذه الظاهرة الغريبة على المجتمع والشارع المصري.

في هذا التحقيق وقفت «المجلة» على أسباب ودوافع عمليات الاختطاف، وآراء المسؤولين والخبراء حول هذه الظاهرة، التي تؤرق كل أسرة مصرية.

 

حالتا خطف يومياً في المتوسط

رغم عدم وجود إحصاءات رسمية دورية تضع توصيفاً دقيقاً للحالة في مصر من حيث متوسط عدد الجرائم المماثلة، إلا أن التصريحات الرسمية تحمل تأكيداً على أنّه منذ ما بعد العام 2010 تزايدت البلاغات الخاصة بجرائم خطف الأطفال.

وتزايد البلاغات بشكل لافت بعد 2010 تظهره بيانات المجلس القومي للطفولة والأمومة. وتكشف الإحصاءات الصادرة عن خط نجدة الطفل، أن مصر تشهد ما يصل إلى حالتي خطف يوميا في المتوسط.

وطبقا لإحصاءات سابقة لمركز البحوث الجنائية، فقد تم تسجيل 856 حالة خطف بهدف طلب فدية في عام 2012، ثم زاد العدد إلى 1860 في عام 2013.

وفي عام 2016، بلغ متوسط عدد بلاغات خطف الأطفال حوالي 30 طفلا شهريا، طبقا لتصريحات سابقة آنذاك لمسؤول خط نجدة الطفل بالمجلس القومي للأمومة والطفولة وذلك بما يشكل 1.5 في المائة من عدد الأطفال.

وخلال عامي 2018 و2019 أظهرت إحصاءات خط نجدة الطفل عن تلقي ما يزيد على 2264 بلاغاً بحالة خطف.

وأوضح تقرير أعدته المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة أن أعداد الأطفال المختطفين في مصر عام 2016 إلى 148 طفلا تم تداول قضاياهم إعلاميا، مضيفا أن من أسباب اختطاف الأطفال في مصر خلال عام 2016 «الفدية المالية» التي تحتل النسبة الأكبر من أسباب اختطاف الأطفال في مصر وتبلغ 52 في المائة تليها اختطاف الأطفال في ظروف غامضة وتمثل 24 في المائة وغيرها من الأسباب كالمشاكل في الإنجاب أو استغلال الأطفال في تشكيلات عصابية للتسول أو للسرقة.

وذكر التقرير أن ذلك يأتي وفقا للتصنيف العمري للفئات الأكثر عرضة لاختطاف الأطفال خلال عام 2016 حيث كانت فئة الأطفال بين سن 5:1 سنوات وكذلك الفئة العمرية بين 10:6 سنوات، أما التصنيف النوعي للأطفال المختطفين فكان على النحو التالي 61 في المائة من الذكور و30 في المائة من الإناث و9 في المائة من الأطفال لم يتم ذكر نوعهم.

أمام انتشار تلك الحالات يظهر رجال وزارة الداخلية المصرية كفاءة احترافية وجهدا كبيرا في التصدي لتلك الظاهرة، وضبط الجناة وإعادة الأطفال إلى ذويهم، وتشير الأرقام والإحصائيات في هذا الصدد إلى أن ما نسبته 99 في المائة من حالات خطف الأطفال يتم ضبطها من خلال تحديد العناصر والبؤر الإجرامية، والأشخاص المسجلين الذين يشتهر عنهم هذا المجال، فضلا عن المراقبة الكاملة للمستشفيات وأماكن الولادة والملاجئ لذلك ترى وزارة الداخلية أن هذه الحالات لا يمكن أن نطلق عليها ظاهرة بل هي مجرد حالات ووقائع متفرقة ومختلفة الأهداف والدوافع.

 

الأسباب والدوافع

ترى المحامية والحقوقية نورا نبيل في تصريحات خاصة لـ«المجلة» أنه وبالبحث عن الأسباب المؤدية إلى تزايد نسب خطف الأطفال في المجتمع المصري نجدها متعددة نحاول توضيحها وفقا لما توصلنا إليه من معلومات عن تلك الوقائع، فترجع النسبة الأكبر من اختطاف الأطفال إلى تكوين تشكيلات عصابية لخطف الأطفال لطلب فدية من ذوي الأطفال المخطوفين، وفي المرتبة الثانية تأتي الخلافات الشخصية بين ذوي الأطفال والخاطفين، وغالبا ما تكون بسبب الانتقام وتفشي ظاهرة العنف في المجتمع المصري، التي غالبا ما تنصب على الفئات الأضعف في المجتمع، ألا وهي الأطفال تليها خطف الأطفال في ظروف غامضة.

ثم الخطف نتيجة مشاكل في الإنجاب، ثم الخطف بهدف سرقة المصوغات الذهبية والإتجار بالبشر، وهناك العديد من حالات الاختطاف التي تتم دون وجود أي أسباب.

ومع تزايد حالات اختفاء وخطف الأطفال في مصر؛ لجأت العديد من الأسر إلى مواقع التواصل الاجتماعي لنشر صور أبنائها المختفين، والإعلان عن مبالغ مالية لمن يدلي بمعلومات عنهم، لا سيما أن ظاهرة التسول باستخدام الأطفال صارت تتوسع وتستشري، وتعدت نقاط إشارات المرور حتى وصلت لشوارع الأحياء وبات من غير المستغرب أن تجد امرأة تجلس على ناصية الشارع حولها أطفال تستدر عطف المارة.

وتضيف المحامية والحقوقية نورا نبيل أن التشريعات والقوانين، التي سنت لمواجهة تلك الجرائم كثيرة ومتشعبة، وتصدى قانون العقوبات لجرائم خف الأطفال حديثى الولادة وتعريض حياتهم للخطر من خلال الباب الخامس من القانون وحدد القانون العقوبة المقررة لكل فعل.

ونصت المادة 283 على أن يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن سبع سنوات كل من خطف طفلا حديث العهد بالولادة أو أخفاه أو أبدله بآخر أو عزاه زورا إلى غير أي من والديه.

مادة 284 يعاقب بالحبس أو بغرامة لا تزيد على 500 جنيه كل من كان متكفلا بطفل وطلبه منه من له حق في طلبه ولم يسلمه إليه.

مادة 285 كل من عرض للخطر طفلا لم يبلغ سبع سنين كاملة وتركه في محل خال من الآدميين أو حمل غيره في ذلك يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين.

مادة 286 إذا نشأ عن تعريض الطفل للخطر وتركه في المحل الخالي كالمبين في المادة السابقة انفصال عضو من أعضائه أو فقد منفعته فيعاقب الفاعل بالعقوبات المقررة للجرح عمدا فإن تسبب عن ذلك موت الطفل يحكم بالعقوبة المقررة للقتل عمدا.

مادة 287 كل من عرض للخطر طفلا لم يبلغ سبع سنين كاملة وتركه في محل معمور بالآدميين سواء كان بنفسه أو بواسطة غيره يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور أو بغرامة لا تتجاوز مائتى جنيه.

مادة 289 كل من خطف من غير تحيل ولا إكراه طفلا يعاقب بالسجن المشدد مدة لا تقل عن عشر سنوات.

فإذا كان الخطف مصحوبا بطلب فدية فتكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن خمس عشرة سنة ولا تزيد على عشرين سنة.

ويحكم على فاعل جناية الخطف بالإعدام أو السجن المؤبد إذا اقترنت بها جريمة مواقعة المخطوف أو هتك عرض.

مادة 290 كل من خطف بالتحيل أو الإكراه شخصا يعاقب بالسجن المشدد مدة لا تقل عن عشر سنين.

فإذا كان الخطف مصحوبا بطلب فدية تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن خمس عشرة سنة ولا تزيد على عشرين سنة.

أما إذا كان المخطوف طفلا أو أنثى فتكون العقوبة السجن المؤبد.

 

ويحكم على فاعل جناية الخطف بالإعدام إذا اقترنت بها جناية مواقعة المخطوف أو هتك عرضه.

مادة 291 يحظر كل مساس بحق الطفل في الحماية من الإتجار به أو الاستغلال الجنسي أو التجاري أو الاقتصادي، أو استخدامه في الأبحاث والتجارب العلمية ويكون للطفل الحق في توعيته وتمكينه من مجابهة هذه المخاطر.

وتؤكد نبيل على ضرورة تغليظ العقوبات وتعديل بعض مواد القوانين من خلال التشريعات اللازمة حتى تكون أكثر فاعلية في مواجهة جرائم الاختطاف بكل أشكالها.

فيما قالت النائبة دعاء عريبي، عضو لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب وعضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، إنه يجب تغليظ عقوبة خطف الأطفال في المواد 288 و289 من قانون العقوبات لمنع تلك الجرائم الدخيلة على مجتمعنا المصري والتي تبث الخوف والقلق في نفوس الأسر المصرية، وذلك بعد انتشارها في الفترة الأخيرة.

 

مطالبات بالإعدام بدلاً من السجن المشدد

وحول نصوص المواد التي ترى النائبة البرلمانية دعاء عريبي ضرورة تعديلها، أن العقوبة المنصوص عليها في المادة 288 والتي تنص على «كل من خطف بالتحايل أو الإكراه طفلا لم يبلغ 16 سنة كاملة بنفسه أو بواسطة غيره يعاقب بالسجن المشدد»، مؤكدة أنه يجب تعديلها لتكون العقوبة السجن المؤبد أو الإعدام بدلا من السجن المشدد.

وتابعت عضوة لجنه حقوق الإنسان بمجلس النواب، أنه يجب تغليظ عقوبة المادة 289 بقانون العقوبات، والتي تنص على «كل من خطف من غير تحايل ولا إكراه طفلا لم يبلغ 16 سنة كاملة بنفسه أو بواسطة غيره يعاقب بالسجن من ثلاث إلى عشر سنوات، فإن كان المخطوف أنثى فتكون العقوبة السجن المشدد».

وأوضحت عريبي، أن هناك العديد من الملفات المتعلقة بحقوق الإنسان وحتى نتمكن من ترجمة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان على أرض الواقع، ستتقدم بمقترحات للمجلس، ومنها «إنشاء صندوق في المحافظات للمساهمة في حل المشاكل الإنسانية».

وأضافت أنه يشار إلى قانون العقوبات على أنه مجموعة من القواعد القانونية التي تنظم حق الدولة في العقاب على الأفعال التي تنال من المصالح الجوهرية الجديرة بالحماية القانونية، وهي قواعد معينة وضعت لسلوك الأفراد بحيث يترتب على مخالفة لهذه القواعد جزاء قانوني يتمثل في العقوبة.

بينما يرى أستاذ الصحة النفسية والأسرية في جامعة قناة السويس فؤاد بدراوي، في تصريحاته لـ«المجلة» أن الإهمال والتفسخ الأسرى مع انتشار الفقر والبطالة، ومعه ارتفاع نسب الطلاق، أضاف متغيرا جديدا على مدى تمسك بعض الآباء والأمهات بأطفاهم، وذلك بإهمالهم وتركهم للهو واللعب أمام منازلهم وفي الشوارع دون رقابة أو عناية أو اهتمام، ومن ثم يكونون عرضة لعصابات الخطف، التي تستخدمهم في عمليات التسول أو لبيع أعضائهم ضمن تجارة الأعضاء التي تتفاقم بشكل كبير في العديد من الدول ومنها مصر، وتقف وراءها جماعات وعصابات منظمة عابرة للحدود تجند عملاء ووكلاء لها في مختلف المناطق، لذا يؤكد الجميع على أهمية دور الأسرة في الحفاظ على أطفالهم من خلال العناية والرقابة الدائمة والاهتمام وعدم تركهم فريسة لتلك العناصر الإجرامية الخطرة.

وتابع بدراوي أن الدراسات والإحصائيات التي أجريت حول وقائع الاختطاف وخريطة انتشارها على أن تلك الجرائم تنتشر في الريف بنسبة 70 في المائة، مقابل 30 في المائة في الأماكن الحضرية، وأرجع ذلك إلى ارتفاع مستوى الفقر في الريف، وتدني الخدمات به مقارنة بالحضر. كما أثبتت الأبحاث الميدانية التي أجريت على أن عمليات الخطف زادت بعد حالات الانفلات الأمني التي واكبت ثورة يناير وانتشار الأسلحة وتوافر الجرأة لدى الجناة. لكن حالات الانفلات الأمني هذه لم تدم طويلا وتمت السيطرة عليها وعودة الأمن إلى الشارع المصري، وبالتالي تراجعت عمليات الخطف خلال الآونة الأخيرة لكن برزت هناك دوافع أخرى أهمها انتشار الفقر والبطالة والتفسخ الأسرى وغيرها من التشوهات التي طرأت على البنية الاجتماعية والأسرية للمجتمع المصري.

أما اللواء محمد ربيع الدويك المفكر والخبير الأمنى ونائب رئيس المركز الاستشارى للأعمال القانونية والتحكيم، فيؤكد أن أجهزة الشرطة قادرة على ردع كل من تسول له نفسه ارتكاب أي جريمة وهز استقرار المجتمع أو إيذاء أي أسرة، مشيراً إلى أن جرائم خطف الأطفال تسبب فزع الأسر في كل المحافظات، وهو ما يتطلب تنفيذ التشريعات المغلظة والقوية ضد كل من يتورطون في ارتكاب هذه الجرائم، لردعهم وردع أمثالهم، وذلك بتشديد العقوبة حتى الإعدام لمنع تفاقمها.

لافتا إلى أن كل الأجهزة الأمنية تتحرك سريعا عند حدوث جريمة اختطاف، بما تمتلك من التقنيات الحديثة والدقيقة فتتعقب المجرمين، وتجمع الدلائل من شهادات الشهود وكاميرات المراقبة، وتقارير الأدلة الجنائية بفحص المضبوطات المستخدمة في الواقعة، ويتم تتبع المجرمين والوصول إليهم والقبض عليهم وإعادة الأطفال المخطوفين وإعادتهم لمنازلهم.

وشدد «الدويك» على أهمية تكثيف الجهود المبذولة لرجال مباحث التحريات والضبط الجنائي، وتدريب كل أفراد جهاز الشرطة بشكل مستمر وانتشار دوريات الشرطة في كل مكان، وسرعة الاستجابة على الخطوط الساخنة للبلاغات، ومعاقبة من يثبت تقصيره في التعامل مع بلاغات واستغاثات المواطنين، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي والتنبيه بمخاطر ظاهرة اختطاف الأطفال.

 

أطفال مفقودون لم يعرف مصيرهم

 

وسائل مبتكرة لمواجهة جرائم خطف الأطفال

وبالاضافة إلى تشديد العقوبات التي تجرم وتضاعف عقوبة خطف الأطفال ومطالبة البعض بأن تصل إلى عقوبة الإعدام، طالب عدد من الخبراء من وزارتي الداخلية والصحة، بسرعة البدء في تطبيق استخدام البصمة الإلكترونية للأقدام بالنسبة للأطفال حديثي الولادة، أو ما تسمى «الباركود»، وتعميمها في المستشفيات العامة والخاصة، وعلى جميع الوحدات الصحية، وأماكن استخراج شهادات الميلاد لضمان حماية الطفل من حوادث الخطف، ومنع خاطفي الأطفال من إمكانية استخراج جوازات سفر لهم للإتجار بهم وتسفيرهم خارج البلاد، موضحا أن شهادة الميلاد المميكنة عبارة عن «باركود»، يحمل بصمة قدم الطفل ورقمه القومي والرقم القومي للأب والأم، مع تأمين تلك الوثيقة بعلامات مؤمنة خشية العبث بها.

 

حوادث الخطف والإتجار بالأعضاء البشرية

تكرار حوادث الاختطاف ومحاولة ربطها بالإتجار في الأعضاء البشرية دفعنا إلى سؤال دكتور محمد المهدي استشاري الجراحة العامة في مستشفيات وزارة الصحة عن حقيقة وجود تجارة بالأعضاء البشرية في سوق موازية للطرق القانونية المتبعة، فقال في تصريحاته لـ«المجلة»: الأمر مبالغ فيه، فرغم أننا نعلم أن هناك عصابات تتاجر في الأعضاء البشرية، ولكنها جزء من حالة الإجرام، بمعنى أننا يجب أن لا نرتاع، وننظر للحالة على أنها أصبحت ظاهرة، وأن كل شخص ينزل الشارع معرض للخطف.

وأضاف المهدي أنه لا يمكن لأي طبيب القيام بأخذ عضو من إنسان دون إجراء فحوص وتحاليل؛ لضمان توافق الأنسجة والأعضاء، ولا يستطيع أي طبيب أن يحتفظ بالعضو؛ لأن ذلك يجرمه القانون، كما أنه لا توجد لدينا بنوك للأعضاء، ولا يمكن لأي شخص أن ينشئ مثل هذه البنوك في أي مكان؛ لأنها تحتاج إلى تكلفة عالية، واستعدادات وتصاريح وموافقات، ولها معايير عالية، ومجهزة تجهيزا خاصا لحفظ الأعضاء وتحديد هويتها، وهذا كله لا يتوافر للأشخاص، وهناك عدد قليل من المراكز الجامعية لنقل الأعضاء، ولكن للأسف لا يوجد بنوك؛ لأن موضوع نقل وزراعة الأعضاء لم يتم حسمه وتقنينه وتحديد قانونه واللوائح الخاصة به حتى الآن، ولا يتم تشجيع ثقافة التبرع بالأعضاء للأحياء أو المتوفين حديثا، وبالتالي لا توجد بنوك أعضاء، وتقتصر العملية على إيجاد متبرع حي وإجراء العملية مباشرة.

وأشار استشاري الجراحة العامة إلى أن القانون ينص على أن يكون الطبيب الذي يقوم بإجراء العملية جراحا معتمدا، ومسجلا لدى النقابة بممارسة هذا التخصص، ولا بد من الحصول على موافقة كتابية من المتبرع مع وجود شهود قبل العملية، ولا يجوز الاحتفاظ بالعضو إلا في بنوك معتمدة أو مستشفيات معتمدة ومعروفة لنقابة الأطباء ووزارة الصحة بممارسة نقل وزراعة الأعضاء مثل المراكز الجامعية والتخصصية.

وأوضح أن هناك سوقاً خفية للإتجار في الأعضاء البشرية، والسبب في ذلك الحالة الاقتصادية، وتدني مستوى المعيشة والفقر، ما يؤدي إلى تبرع أو بيع العديد من الناس أعضاءهم لآخرين مقابل المال، والصحف الآن أصبحت تنشر الكثير من تلك الإعلانات، ويجب أن تكون هذه العملية مقننة ومحددة الأسعار من قبل الدولة، ومحددة بقانون ومسموحا بها مثل الدول العربية الأخرى التي سبقتنا كثيرا، على الرغم من توافر الكوادر المدربة على زراعة الأعضاء في مصر، وبذلك يتم تفويت الفرص على تلك العصابات، بشرط أن يكون هناك حرص وحسم وقانون وعقوبات مشددة تصل للإعدام لمن يثبت عليه الإتجار في الأعضاء البشرية.

وعن موقف القانون قال المهدي: القانون الحالي يتعرض لكل النقاط الخاصة بالإتجار بالأعضاء، ولكن لا يوجد الحسم والاهتمام بتلك الجريمة كما ينبغي، لذلك لا بد من تشديد العقوبات على تلك العصابات؛ لأنها تقوم بالإتجار في الأعضاء بالتحايل، وأحيانا يصل الأمر إلى القتل، لذلك يجب أن تكون العقوبة مشددة.

 

مافيا تجارة الأعضاء البشرية

أصبح لمافيا تجارة الأعضاء البشرية سوقا رائجة في هذه التجارة غير المشروعة، والتي وجدت ضالتها فيها، حيث يستغل السماسرة الفقر والحاجة التي يعانيها ما يقرب من نصف سكان مصر، ويقومون بإغرائهم بقليل من المال مقابل بيع عضو من أعضائهم، في حين يقوم بعض الأطباء وأطقم التمريض من معدومي الضمير بإجراء هذه العمليات في مستشفيات كبرى وصغرى على السواء، ورغم القانون الذي يجرم مثل هذه العمليات إلا أنه لم ينجح في وقف هذه التجارة التي أصبحت تمثل مافيا دولية، تبدأ من الأحياء الشعبية في القاهرة والمحافظات الفقيرة وتنتهي في الخارج حيث يوجد الزبائن أصحاب الأموال، وأحيانا ما يتم إجراء العمليات نفسها في الخارج، وفي الوقت الذي يحصل فيه البائع الفقير على الفتات يحصل السماسرة على الآلاف ولا عزاء للقانون الذي يجرم البيع ويقر بالتبرع.

في تحد صارخ لكافة القوانين والمبادئ الإنسانية تنتشر في مصر عصابات إجرامية، لا تقوم بسرقة الممتلكات وإنما تقوم بسرقة أرواح البشر وأعضائهم، تستغل فقرهم وحاجتهم للمال وتقوم بإغرائهم لبيع أعضائهم لمن يدفع أكثر، تتخذ هذه العصابات من الأحياء الفقيرة مركزا لممارسة أنشطتها الإجرامية، تجتذب إليها شبابًا دفعتهم ظروفهم الاقتصادية إلى بيع أي شيء حتى لو كان قطعة من أجسادهم، فمنذ مدة ألقت مباحث القاهرة القبض على تشكيل عصابي تخصص في الإتجار بالأعضاء البشرية، وتبين من التحريات أن المتهمين يستدرجون الشباب من الباعة الجائلين بميدان رمسيس ويحثونهم على بيع أعضائهم البشرية مقابل مبالغ مالية، وتم ضبطهم وتحرير محضر بالواقعة وإحالته للنيابة.

وأكدت التحريات أن المتهمين وهم نجار مسلح وجزار صادر ضده حكم بالحبس 15 عاما في قضية إتجار بالأعضاء البشرية، يقومان باستدراج الشباب من الباعة الجائلين العاملين بالمنطقة لبيع أعضائهم، واعترف المتهمان بأنهما يعملان لصالح طبيب يدعى «تامر. ز» رئيس قسم زراعة الكلى بإحدى المستشفيات بالمعادي، من خلال وسيط يعمل موظفا بالمستشفى نفسه، وتقاضيه عمولة قدرها «10 آلاف جنيه» عن كل متبرع، وأشار أحد المتهمين إلى أنه يصطحب المتبرعين لمعمل دكتورة تدعى «ميرفت. أ» بالدقي، لإجراء التحاليل الطبية اللازمة، وأشار المتهم، إلى أنه قام ببيع كليته منذ عشر سنوات بمعرفة الطبيب المذكور، ومنذ ذلك الحين يزاول نشاطه في تجارة الأعضاء، كما اعترف باستقطاب 4 أشخاص لبيع أعضائهم «كلى» وتبين أنهم مقيمون بشقة مستأجرة بمنطقة البراجيل بالجيزة، تمهيدا لإجراء الفحوصات والتحاليل الطبية، حيث تم ضبطهم، وهم ثلاثة عمال سن 18 و22 و30 عامًا ومقيمون بالجيزة ودمياط والقاهرة.

 

عصابة الـ41

لم تكن هذه العصابة هي الأولى من نوعها بل قامت قوات الأمن خلال السنوات الأخيرة بالقبض على عدد كبير من هذه العصابات أشهرها عصابة الـ41 التي ضبطتها الرقابة الإدارية في العام الماضي، والتي احترف أعضاؤها نقل وزراعة الأعضاء البشرية، وتم توجيه عدة تهم لهم، منها الإتجار في البشر، والتربح من أعمال الوظيفة العامة، خاصة أن من بينهم 20 من الأطباء الجامعيين والعاملين بالمستشفيات الحكومية من المتخصصين في الباطنة والجراحة العامة والتخدير، و10 ممرضين و9 سماسرة ووسطاء وعاملين ببنك الدم، قاموا بـ28 عملية جراحية لنقل وزراعة كلى المصريين وبيعها لمرضى أجانب.

وكشفت التحقيقات أن أعضاء الشبكة استخدموا مستشفيات خاصة في حلوان، ومستشفى تخصصي في فيصل، ومركزا خاصا للجراحات العامة في المريوطية، ومستشفى خاصا شهيرا، وكان المريض الراغب في إجراء عملية زراعة الكلى يدفع مبلغا يتراوح بين 80 ألف دولار و120 ألفا لشراء الكلى، ووصل عدد الوفيات نتيجة عمليات نقل وزراعة الكلى إلى 4 منهم مصرية واحدة تم استئصال الكلية منها، و3 من الأجانب المنقول إليهم الكلى المنزرعة.

كما سبق ذلك القبض على عصابات مماثلة في الأزبكية والمعادي والخليفة وأبو النمرس والمعصرة وكلها تضم سماسرة يستخدمون المقاهي الشعبية للإيقاع بضحاياهم مستغلين حاجتهم الماسة للمال، ويقومون بإقناعهم ببيع كليتهم أو فص كبد تحت ستار التبرع، ومقابل مبلغ يتراوح بين 20 ألفا إلى 50 ألف جنيه، في المقابل يحصل السمسار على مبلغ يصل إلى 10 آلاف جنيه عن الشخص الواحد، ويقوم الأطباء والممرضات ومعامل التحاليل باقتسام المبلغ الباقي فيما بينهم كل حسب عمله.

المثير أن هذه العصابات طورت نفسها مع التطور التكنولوجي، فلم يعد الأمر قاصرا على استقطاب العملاء من خلال المقاهي، بل تطور ليتم من خلال الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما حدث من عصابة المعصرة التي استدرجت عملاءها من خلال الشبكة العنكبوتية.

 

ازدادت حوادث الاختطاف منذ العام 2010

 

نجاح الشرطة في التعامل مع قضايا الاختطاف

المفاجأة التي تؤكدها التحليلات الدقيقة لكل حوادث خطف الأطفال، هو أن أغلب تلك الحوادث وراءها خلافات عائلية أو مشكلات مالية، والقليل من تلك الحوادث وراءها عصابات لخطف الأطفال لاستغلالهم في عمليات التسول، والبيع للتبني، أو الإتجار بالمخدرات، المتاجرة بأعضائهم، أو طلبا للفدية وتصفية الحسابات مع ذويهم.

كانت واقعة اختطاف «أب» لطفلته ومساومته لطليقته لدفع تعويض 3 ملايين جنيه مقابل عودة الطفل لأمه، واحدة من جرائم خطف الأطفال التي تثبت أن الخاطف أحيانا يكون أقرب الناس.

وحادثة خطف «طفل أسيوط» كان سببها علم الخاطفين بالمقدرة المالية لوالد الطفل، أما سرقة الأطفال حديثي الولادة من المستشفيات فكان بغرض الانتقام من ذويهم وبيعهم في عدد من المحافظات.

بينما كان اختفاء طالب بالصف السادس الابتدائي يدعى «شوقى. س» وراءه عصابة لبيع الأعضاء البشرية، في حين كان اختفاء طفلة تدعى «أسماء.م. ق» والبالغة 8 سنوات وراءها ذئب بشري اغتصبها وقتلها.

بعض حوادث الاختفاء تنتهي أحيانا نهاية سعيدة، وكثير منها ينتهى بعودة المخطوف وعودة ابتسامته وفرحته لتنير منزله من جديد مثلما حدث مع «الطفل زياد» ذى الـ8 أعوام، ابن المحلة الكبرى، بعد نجاح قوات الأمن والمباحث الجنائية بمديرية أمن الغربية في إعادته بعد 48 ساعة من اختطافه وانتشار مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعى لعملية اختطاف طفل من أمام أحد محلات البقالة بمدينة المحلة الكبرى، وكشفت عودة الطفل عن تفاصيل مثيرة عن سبب الخطف ودور كاميرات المراقبة في تتبع الخاطفين، وتحديد مكان السيارة المستخدمة في عملية الخطف ومقطع فيديو يبين لحظة تحرير الطفل وهتاف الأهالي للشرطة.

وأكدت السيدة رضا عبد الهادي، ربة منزل، في تصريحاتها لـ«المجلة» أنه أثناء عودتها من منزل أسرتها هي وابنها، وفي الطريق تم خطف طفلها آدم من يدها بواسطة شابين يستقلان «توكتوك» وتوجهت لقسم الشرطة، وحررت محضرا رسميا، وعلى أثر ذلك قامت فرق البحث الجنائي بفحص البلاغ وتجميع خيوط الجريمة، ومناقشة شهود الواقعة، وباستخدام الطرق الحديثة في البحث والتتبع، نجحت جهود الشرطة المصرية في استعادة آدم خلال 36 ساعة وعودة الطفل سالما لوالديه، وإلقاء القبض على الخاطفين، وتقديمهم للمحاكمة الجنائية لينالا جزاءهما المستحق عما اقترفت أيديهم.

كما كشفت أجهزة الأمن مؤخراً غموض اختطاف طفل الشرقية، خلال وجوده بحفل عرس خاله، وتبين من التحريات أن عاطلا استعان بـ3 أشخاص آخرين لارتكاب الواقعة لوجود خلافات مالية بينه وبين خال الطفل المجني عليه، وألقي القبض على المتهمين وبحوزتهم الطفل، وأُحيلوا إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيقات.

وأيضا تمكنت قوات الأمن من تنفيذ خطة بحث متكاملة أسفرت عن التوصل لمكان «أطفال الغربية الثلاثة» وتبين أنهم في «نزهة بالإسكندرية» ولم يصبهم أي مكروه.

 

توصيات هامة

التأكيد على حتمية التصدي لوقائع خطف الأطفال وترويع الأسر أمنيا وقانونيا ومجتمعيا وتفعيل كافة القوانين التي تتصل بحقوق الطفل وأمنه واستقراره وسلامته انطلاقا من التشريعات التي أقرها المشرع المصرى والقوانين والاتفاقيات والمواثيق الدولية ذات الصلة من خلال تفعيل الباب الخامس من قانون العقوبات المصري والمواد المتصلة بحماية الطفل وحقوقه.

العمل على تعزيز وحدة المجتمع المصري والحفاظ على البنية الأساسية للأسرة المصرية من التفكك.

تفعيل أداء المجلس القومي للطفولة والأمومة والقيام بدور توعوي ورسم سياسات تحفظ حقوق الأطفال.

مكافحة كافة أشكال التسول واستغلال الأطفال والقصر من قبل عصابات ومافيا وجماعات إجرامية.

الضرب بيد من حديد على عمليات الإتجار بالبشر ومناهضة تلك الجرائم.

تفعيل اتفاقية حقوق الطفل رقم 260 لسنة 1990 والتي أعلنت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن للطفولة الحق في رعاية ومساعدة خاصتين.

واقتناعا بأن الأسرة المصرية باعتبارها الوحدة الأساسية للمجتمع والبيئة الطبيعية لنمو ورفاهية جميع أفرادها وبخاصة الأطفال ينبغي أن تولي الحماية والمساعدة اللازمتين لتتمكن من الاضطلاع الكامل بمسؤولياتها داخل المجتمع.

 


مقالات ذات صلة