البحث عن هدف جديد عندما تنقلب الحياة فجأة

تخيل أنك تبني حياتك وفقا لأمنياتك وقيمك، ثم وأنت في خضم حياة حافلة تفاجأ بتشخيص طبي يصيب كل هذا النشاط بالجمود.

بعد تلقي الصدمة الأولى وتجاوز مرحلة عدم التصديق، ربما تبدأ في معركة البحث عن طرق جديدة تعيش بها في هذا الواقع الجديد.

ولكن ما الذي يحدث عندما يصل شخص إلى نهاية الممكن في عالم العلاج؟

إن الرعاية التلطيفية نهج طبي شامل متعدد التخصصات يركز على المريض ككل، والمقصود بها الاعتناء الشامل بالأشخاص الذين يعانون من مرض عضال أو في مراحل متأخرة من المرض. تستهدف الرعاية التلطيفية الأشخاص الذين يعانون من مرض مزمن مستعصٍ مع توقع بقصر ما تبقى في أعمارهم.

يهدف العلاج التلطيفي إلى التخفيف من الأعراض التي يعاني منها المرضى مثل الألم والخوف والقلق، مع تمكين المريض من عيش حياة كريمة عن طريق تحسين جودتها. تتضمن المهام الأساسية في هذه الرعاية التلطيفية: التعامل مع الأعراض الجسدية- التعامل مع العلاج المستمر للمرض- تقديم رعاية معنوية وروحانية- تقديم دعم يومي فيما يتعلق بالاحتياجات اليومية (مثل الاغتسال وارتداء الثياب وتناول الوجبات)- تقديم الدعم لأسرة المريض والقائمين على رعايته- دعم تخطيط الرعاية المتقدمة (تدوين الأمنيات والرغبات في مراحل المرض المتأخرة).

قد يتساءل البعض عما إذا كانت الرعاية التلطيفية تعني الوفاة. لا، ليست كذلك. الرعاية التلطيفية فقط ليس بإمكانها معالجة الأعراض، ولكنها تسعى إلى تخفيفها من دون كلل. وهذا ما يفرق بين الرعاية التلطيفية ومعالجة الأمراض. ويوصى بالسعي إلى الحصول على دعم متخصص في وقت مبكر قدر الإمكان. ولكن يرجع الأمر في النهاية إلى توقيت استعداد الشخص وقبوله لتأخر حالته المرضية.

يمكث أغلب الأشخاص الذين يتلقون رعاية تلطيفية في المنزل كمرضى خارجيين أو في أثناء سماح المستشفى بخروجهم لفترات قصيرة. وتوجد أقسام رعاية تلطيفية عالية التخصص في بعض المستشفيات. ويفضل بعض المرضى دخول مستشفى الحالات النهائية في رحلتهم الأخيرة. هكذا يتلقى كل شخص الرعاية وفق احتياجاته وقدراته وظروفه، حيث يتم تخصيص خدمات الرعاية التي يتلقاها بهدف تحسين جودة حياته على أفضل نحو ممكن.

غالباً ما يتم تقديم رعاية نهاية الحياة كمرحلة أخيرة من الرعاية التلطيفية، عندما يصل المرض إلى مرحلة متأخرة للغاية، ويصبح من المتوقع للمريض أن يقضي أواخر شهور حياته.

أحد أشهر الشخصيات المعروفة التي تصارع مرض السرطان في بريطانيا هي ديبورا جيمس. إنها صحافية مقيمة في لندن، تم تشخصيها بسرطان الأمعاء في المرحلة الرابعة في عام 2016 عندما كان عمرها 35 عاما. انقلبت حياتها فجأة رأساً على عقب في وجود ابنيها وزوجها. واشتهرت بتدوين رحلتها مع تطور حالتها المرضية على «إنستغرام»، حيث يتابعها أكثر من 719 ألف شخص. وأنشأت مدونتها الخاصة بعنوان «Bowelbabe»، كما أنها تقدم بودكاست عبر شبكة «بي بي سي»بعنوان: «أنت وأنا وبيغ سي».

ومنذ ذلك الحين، ألفت  ديبورا كتاباً عن مرضها بعنوان «F**K You Cancer»في عام 2018. وأنشأت صفحة لجمع التبرعات على منصة «جاست جيفيغ»(Just Giving)حيث جمعت ما يزيد على ستة ملايين جنيه إسترليني، سوف توجهها لتمويل التجارب والأبحاث السريرية التي تسعى للوصول إلى علاج للسرطان. وفي الثالث عشر من مايو (أيار)، حصلت جيمس على لقب «السيدة»الشرفي بعد أن زارها دوق كمبريدج الأمير ويليام في ووكينغ بمقاطعة سري، حيث تتلقى علاج المرحلة النهائية بمنزل والديها. سلمها الأمير ويليام شخصياً اللقب الشرفي. وفي اليوم ذاته كتبت على «إنستغرام»: «الأمير ويليام جاء بالفعل إلى منزل عائلتي اليوم!! ياله من تشريف أن ينضم إلينا لتناول شاي بعد الظهيرة، حيث أمضى وقتا كريماً في الحديث مع العائلة كلها، بل شرفني أيضا بمنحي لقب السيدة».

يبدو أن ديبورا جيمس تتجه بكل أسف إلى المرحلة الأخيرة في مرضها. وهي تتلقى الآن رعاية نهائية في المنزل حيث وصلت رعاية تلطيفية إلى منحنى الرعاية النهائية. أكثر ما يؤثر في المرء هو القوة التي تتسم بها ديبورا على الرغم من مرورها بأصعب لحظة في حياتها. كتبت ديبورا على «إنستغرام»: «أسرتي رائعة وعاطفية جداً، حيث نجد الكثير لنبتسم له وسط الحزن. ربما أكون أكثر ضعفاً وإرهاقاً بعد أن فرغ مني الأدرينالين، ولكني دائماً ما أقول إني أريد أنأغادر عندما يحين الوقت بابتسامة كبيرة دون أسف وبكأس شامبانيا كبير! وما زلت عازمة على ذلك».

السيدة ديبورا بطلة حقيقية. شخصيتها مؤثرة بقوة، وهي نموذج ملهم لكيف يعيش المرء حياته على أكمل وجه على الرغم من مروره بمأساة عميقة، وكيف لا نيأس وأن نبحث عن حل بديل وهدف جديد وطرق جديدة للحياة، عن طريق تقبلها للقدر في حياتها اليومية، ساعية إلى الضوء بابتسامة متفائلة.