«حرب بين جيلين» قد تشتعل في لبنان... هل سيُسمح لقوى التغيير بالعمل بحرية؟

حوار متفجّر ولغة خشبيّة تحت قبّة البرلمان في المرحلة المقبلة
إحراق قبضة الثورة في وسط بيروت (أ.ف.ب)

بيروت: انتهت الانتخابات النيابية اللبنانية في يوم واحد مصحوبة ببعض الاختلالات الأمنية والحوادث المتفرقة، والتي كانت تحت السيطرة، راسمةً مشهدية سياسية جديدة تستحق التوقف عندها، حيث أنتجت صناديق الاقتراع وجوهاً جديدة، وأبقت على كمّ هائل من التقليديين.


وظهرت نتائج وأرقام صادمة، ليس لبعض الأفرقاء السياسيين في لبنان وقوى التغيير فحسب، بل ومعها بعض السفراء أيضاً، سيّما بعد خسارة حزب الله وحلفائه الغالبية النيابية التي حققوها منذ أربعة أعوام.


وعلى بُعد أيام من استحقاقات لا تقل أهميتها عن الانتخابات النيابية، بدا الجميع بحالة من الترقب لبدء العمل الفعلي والجدّي الذي قد يُخرج لبنان من نفق الأزمة الخانقة التي عانى منّها، وقد يبقيه فيها لأجل غير مسمّى.


وبعد الابتهاج والنصر والفوز والخروق وغيرها، والتي رسمت في بعض الدوائر ملامح ولادة نمط جديد سيشق طريقه من داخل مجلس النواب، تشريعياً ورقابياً، ثمّة تغيير، وبمعزل عن التحليلات، بدأ يتجلّى من خلال السهام التي وُجّهت من قوى المعارضة إلى مختلف الأحزاب في صناديق الاقتراع.

انتخابات لبنان (أ.ف.ب)


وبدا لافتاً، إجماع مختلف الأفرقاء على ضرورة العودة إلى لغة العقل والحوار ووحدة المصير، استشعاراً منّها بخطورة ما ينتظر لبنان في الاستحقاقين الحكومي والرئاسي، فضلاً عن استمرار انهيار العملة الوطنية بشكل مخيف، والأمر عينه للأوضاع الاقتصادية والحياتية والمعيشية، مما يبقيه أمام أيّ فوضى مرتقبة ومحتملة.


ووسط هذا الإجماع، فُتح الباب أمام طرح أسئلة إشكالية من نوع هل في مقدور قوى التغيير التي اقتحمت أروقة المجلس النيابي أن تبدّل ما كُتب منذ 30 عاماً في صفحة الواقع المرير؟ وهل في مقدورها لملمة أشتاتها والتحول إلى قوة واحدة؟ أم إن كل فرد منها سيلتحق بفريقه السياسي أو الطائفي أو المناطقي؟

انتخابات لبنان (أ.ف.ب)


غموض تام يلفّ انطلاق الاستحقاقات التي ستعقب بدء ولاية مجلس النواب المنتخب في 22 مايو (أيار) الحالي بدءاً بانتخاب رئيس المجلس وهيئة مكتبه وهو الاستحقاق الذي يواجه عبره رئيس المجلس نبيه بري منذ عام 1992 بلا انقطاع، وللمرة الأولى، تحدياً كبيراً لجهة وجود كتل وازنة ترفض إعادة انتخابه، وصولاً إلى الاستحقاق الثاني الأشد تعقيداً والذي سيكون في تسمية شخصية لتشكيل الحكومة الجديدة في الاستشارات النيابية الملزمة.

السلاح سينتخب رئيساً للجمهورية
الباحث والكاتب السياسي، الدكتور مكرم رباح، قال لـ«المجلة»: «لقد أثبتت هذه الانتخابات عدم قدرة حزب الله على تجيير الأصوات لمصلحة حلفائه حتى لو أراد ذلك، كونه كان مهتما مبدئياً بإيصال كتلته الشيعية، ولو حتى تحت تهديد السلاح. أما عدم قدرته على إعطاء حلفاء سوريا في لبنان فهو شيء متعلّق أولاً بعدم شعبية هؤلاء الأشخاص بالإضافة إلى أن القانون الانتخابي لا يسمح بذلك».


وأضاف: «سيكون لقوى التغيير قيمة مضافة، إذ إنها ستذكر الجميع بأن هناك نوعا من الرقابة على  السلطة التشريعية، كما سيكون لهذه القوى نموذج جديد للعمل السياسي داخل البرلمان ورسالة واضحة للشعب اللبناني بأن التغيير ممكن عبر صناديق الاقتراع ولو كان محدوداً».
وتابع: «لا أعتقد أن لغة الحوار ستسود داخل أروقة البرلمان لأن الطبقة الحاكمة لا تخاطب العقل بل تخوّن وتهاجم وخير دليل على ذلك التصريح الأخير للنائب محمد رعد وكتلته».


يشدد الباحث والكاتب السياسي، الدكتور مكرم رباح على أن «العنوان الأساسي في المرحلة المقبلة هو إقرار خطط اقتصادية سيادية بحيث تكون تلك الخطط محاولة لإعادة ترميم الاقتصاد اللبناني، وفي الوقت عينه اتخاذ موقف واضح من سلاح حزب الله. ويجب على قوى التغيير أن تتعاون مع الأحزاب الموجودة سيّما تلك التي أبدت رغبتها في إحداث جديد ما وعلى رأسها حزب الكتائب وبعض النواب. كما وأنّه على كافة الأحزاب التعامل مع هذا الواقع المستجدّ».


وقال: «أعتقد أن هذا المجلس غير قادر على القيام بأي شيء كونه لا يملك الإرادة السياسية ولكن هذا لا يعني أن قوى التغيير لا يمكنها ممارسة الضغط وتسجيل المخالفات التي قد تحصل».


ويختم رباح: «في آخر المطاف، السلاح هو الذي سينتخب رئيساً للجمهورية، وليس المجلس النيابي، والأهم أننا بحاجة لإعادة تفعيل دور المؤسسات الدستورية والدستور اللبناني الذي أصبح وجهة نظر مع كل ما يحصل الآن».

وزير الداخلية بسام مولوي (أ.ف.ب)

مجلس نيابي غير طبيعي بل متفجّر ولغة حوار خشبية
أما ربيع الهبر، مدير شركة ستاتيستكس ليبانون للإحصاءات، فيشرح لـ«المجلة» أن «حزب الله مد حلفاءه بالأصوات والمساعدة للفوز. فالتيّار الوطني الحر فاز في عدد من المناطق بأصوات حزب الله، من زحلة وصولاً إلى البقاع الغربي فالشمال، كما أنّه دعم الوزير السابق وئام وهاب وغيره. والعكس صحيح حيث مدّ التيّار الوطني الحر حزب الله بالأصوات للفوز ومثال على ذلك ما حصل في جبيل. كذلك القوى التي في المقابل، أشرف ريفي مثلاً مدّ القوات اللبنانية بالأصوات للفوز. أمّا في جزين فكان هناك خلاف بين التيّار الوطني الحر وحركة أمل ولم يقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري بالتحالف على اللائحة نفسها».


وقال: «إذا توفقنا وتم تشكيل حكومة، وتابعت الحياة السياسية سيرها في لبنان، وهنا أنا لا أتوقع أن تستمر المؤسسات والحياة الدستورية، لا بل نحن ذاهبون إلى انقسام عمودي سيؤدي إلى تجميدها، وسيكون للتغييريين الذين يمتلكون حجماً كبيراً بالإضافة إلى بعض القوى كالأستاذ نعمة إفرام الذي يملك لائحة من 3 نواب، قوة كبيرة وسيكونون العين الساهرة على سير عمل المؤسسات وسدّا منيعا بوجه الأخطاء التي تحدث في مجلس النواب وخصوصاً أنهم أكثر من 10 نواب ولديهم مرونة للتحرّك عبر الطعن والتقدم بقوانين».


وتابع: «لن نشهد لغة حوار داخل أروقة مجلس النواب بل لغة خشبية واضحة وصداما قد يشلّ المجلس النيابي لفترات طويلة. وأبداً لن يكون مجلساً طبيعياً بل متفجّرا بشكل كامل حيث سنشهد حوارا عالي السقف لأن بعض المرشحين دخلوا باحة ساحة النجمة بروحية المنتصر علماً أن بعضها انهزم وخسر الأكثرية».


وأضاف: «العناوين الأساسية هي القوانين الإصلاحية التي ننتظرها جميعاً، والتي قد تضغط باتجاه تعيين مجلس أعلى لكهرباء لبنان أو الضغط باتجاه إقرار موازنة حديثة لا تشبه الموازنات السابقة وعدد من العناوين والتي ستحملها قوى التغيير ولكن لا أعرف كيف ستكون الحرب على تلك القوى، وهنا السؤال».


وأردف: «سيكون هناك صدام كامل بين القوى التغييرية والأحزاب المترسخة على المسرح السياسي. فهذه القوى أتت لمنافسة تلك الأحزاب على مقاعدها. المشهد سيكون متفجرا بامتياز، ولا أتوقع إلا أن يكون الوضع غير سليم والحياة الدستورية تشوبها شوائب عديدة، فنحن أمام جيلين وفكرين ونهجين مختلفين، واحدة فاسدة وأخرى ترى كل ما يحصل فساداً».


أمّا عن انتخابات رئاسة مجلس النواب، فيقول الهبر: «المؤسف أن ليس هناك مرشح غير الرئيس نبيه بري وسيحجم أي نائب شيعي عن الترشح لرئاسة المجلس وسيبقى هذا المجلس من دون رئيس إذا لم يتم انتخاب بري. وفي حال انتخاب بري، فبأكثرية هزيلة اقترعت له. ولا أعتقد أن رئيس التيّار الوطني الحر جبران باسيل قد يغطّي انتخاب بري لأنه لم يغطّه في جزين. سندخل في مواجهة وقد يطول الأمر، علماً أن هناك مهلة دستورية لانتخاب رئيس المجلس، لا بل سندخل بإشكال دستوري، وكذلك الأمر بالنسبة لانتخاب رئيس للجمهورية».


وأردف: «أمّا المشكلة الأساسية فهي عدم تشكيل حكومة، وعدم إجراء الاستشارات. وأنا أمام رؤية سيئة، حيث لن يتم إجراء هذه الاستشارات لتكليف رئيس للحكومة، فالكل سيكون متشددا في موقفه وفي اختياره  ليعبّر عن خطّه السياسي، ولن يتم تأليف حكومة قبل إجراء الانتخابات الرئاسية التي لن تجري في موعدها. وهنا نحن أمام فراغ رئاسي، والبلد يذهب لتعطيل كامل وفقر كبير وتوقف في الإدارة العامة وتسقط نظرية استمرارية المرفق العام، يتبعها إشكال متتالٍ في الحياة السياسية وانهيار في المؤسسات الدستورية وفراغ في مركز حاكم مصرف لبنان ومن هناك نحن ذاهبون إلى مزيد من الخطورة والجمود».


وقال: «لن يُسمح لقوى الحراك بالعمل بحرية ومرونة، بل ستواجه الكتل المسيحية والشيعية، التي فقدت الكثير، هذا الحراك بكل ما أوتيت من قوة، وأتوقع أن يكون القادم إلى لبنان حربا بين جيلين، جيل الأحزاب وجيل قوى التغيير التي اختارها جيل الشباب والمغتربون، ونحن أمام مزيد من التخبط».


ختاماً، يشدّد الهبر على أن «لبنان بحاجة إلى دستور وقانون جديدين وميثاق كامل لإعادة اللحمة والاتفاق على المعايير الأساسية لإدارة البلاد».
ويسأل: «من الأقوى؟ ومن يحكم من؟ ومن لديه فائض القوة ومن لديه قوة القانون؟ هل القانون لم يعد وسيلة». ويضيف: «مجلس النواب الحالي لم يعد لديه إلا قدرة المشاهدة وأن يكون شاهد زور على ما حصل سابقاً وعلى كل ما يمكن أن يحصل».