لبنان... نتائج الانتخابات تعرّي حزب الله وتسحب منه الأكثرية

الشعب «يُحجّم» حكّامه.. و«التغيير» يخرق جدار اللوائح التقليدية
الشعب اللبناني رأى أن فرصة التغيير من خلال الانتخابات ممكنة فشارك فيها ونجح (غيتي)

بيروت: وضع الشعب اللبناني مدماكاً رئيسياً في بناء جسر العبور نحو مرحلة جديدة ما بعد الانتخابات النيابية التي جرت في 15 مايو (أيار)، فالنتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع كانت أشبه بـ«هزة» ضعضعت ركائز منظومة وسحبت بساط الأكثرية من تحت حزب الله وحلفائه لمصلحة القوى السيادية والتغييرية.


خرقت «لا» مدوية للأكثرية الجديدة جدار اللوائح التقليدية رفضاً لثقافة السلاح ومنطق الدويلة، مقابل «نعم» خفت صوت قوة فريقها الذي لم يستفق من صدمة لم تكن محسوبة بعد نتائج قلبت الموازين، فالأكثرية السابقة طار العديد من رموزها الرئيسيين، لتحلّ مكانها وجوه جديدة رفعت راية التغيير والسعي لإنقاذ لبنان من التحديات التي تحاصره على مختلف المستويات، بعد أن حصدت لوائح قوى التغيير المنبثقة عن انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) 13 مقعداً من مقاعد البرلمان الجديد.


هذا الواقع رسمته إرادة شعب تمكن من تحجيم رموز وأحزاب وتعريتها، على الرغم من القانون المفصّل على قياس سلطة كبّلها وصول نواب جدد من المجتمع المدني والمستقلين، إلى جانب أحزاب (القوات والتقدمي الاشتراكي والكتائب والأحرار والجماعة الإسلامية)، التقوا على مواجهة السياسة التدميرية، ونجحوا في خطف مقاعد من حصص الأحزاب والمرشحين التقليديين (حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر والطاشناق والمردة)، مطيحين بوجوه امتدت ولاياتهم النيابية لعقود.

تمكن حزب القوات اللبنانية من رفع مقاعده في الانتخابات الأخيرة (غيتي)


تجرّع حزب الله وحلفاؤه كأس الهزيمة بخسارته أكثرية تمثّلت بـ 71 نائباً في المجلس النيابي السابق، بعد أن تراجع تمثيلهم إلى 57 مقابل 71 للأكثرية الجديدة في البرلمان المكون من 128 نائباً فازوا في الانتخابات حيث سجّلت نسبة الإقبال 41 في المائة أي بتراجع نحو 8 في المائة مقارنة بانتخابات عام 2018، وسط تململ من تفاقم الأزمات المعيشية وفي مرحلة استحقاقات مصيرية تنتظر البرلمان الجديد، بدءاً من تشكيل حكومة جديدة مروراً بمعالجة الأزمات وصولاً إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ليبقى السؤال لمن ستكون الغلبة في حلبة الصراع بين الطرفين؟

انتزاع الأكثرية النيابية من قلب حزب الله
كسر اللبنانيون جدار المحظور واقتنصوا فرصتهم للانقضاض على محاولات كبت صوتهم الذي انفجر مدوياً بما تيسّر له من أدوات مواجهة بالأطر الديمقراطية، وشدد المحلل السياسي طوني بولس لـ«المجلة» على أن «الانتخابات أفضت إلى انتزاع الشعب اللبناني من قلب حزب الله الأكثرية النيابية التي كانت تحكمها كتلة الحزب أي كتلة قاسم سليماني في لبنان، وكانت تخطف الدولة اللبنانية»، مشيراً إلى أن «الشعب اللبناني وجه صفعة كبيرة لها ووجه رسالة كبرى بأنه لا يريد لأحد أن يغير موقع لبنان الاستراتيجي وموقعه العربي».


«هذه الانتخابات ليست فقط بوابة لوصول نواب للمجلس النيابي بقدر ما هي تأكيد من الشعب اللبناني على موقع لبنان العربي ورفض أي محور آخر يريد خطف لبنان إليه، وهذه رسالة لحزب الله الذي لديه مشروع إقليمي بعيداً عما يريده الشعب اللبناني»، وفق بولس الذي أكد أن «هذا الشعب قال عبر اقتراعه إن هذا المشروع لا يمكن أن يمر عبر لبنان، وسيبقى مرفوضاً لأن هؤلاء يريدون دولة تكون جزءاً من الشرعية العربية والشرعية الدولية ولا يريدون أي مشروع آخر»، مشدداً على أن «اللبنانيين أمام مشهد جديد في العملية السياسية، فالأكثرية النيابية باتت لمصلحة القوى السيادية والتغييرية المطالبة بحماية أصوات ورأي الشعب اللبناني والثقة التي منحها إياها وبعدم المساومة بأي شكل من الأشكال».


واعتبر بولس أن «الحوار مع حزب الله خيانة وطنية، لأن كل الترتيبات والحوارات السابقة التي كانت تعتبر أن حزب الله حالة يمكن لبننتها وإجراء تسويات معها ثبت فشلها، سواء عام 2005 عندما ذهب حزب الله إلى حرب يوليو (تموز)، أو عام 2008 عندما احتل بيروت أو عام 2011 في انقلاب القمصان السود أو بالتسوية الرئاسية التي أوصلت ميشال عون، فكلها تجارب أثبتت أن حزب الله ينقلب على أي تسوية، وبالتالي فإن حوار هذه القوى السيادية التي انتصرت مع هذا الحزب هو خيانة لثقة الشعب اللبناني».


وأوضح أن «المطلوب، في حال الحوار، أن لا يكون مباشراً مع الحزب وإنما من خلال رعاية عربية ودولية لتنظيم الوضع السياسي الداخلي اللبناني في تنسيق كامل متكامل، من تشكيل حكومة وانتخاب رئيس الجمهورية إلى توازنات الداخل اللبناني»، مشدداً على أن «الشعب اللبناني أعلن رفضه لاتفاق الدوحة الذي أعطى الشرعية لسلاح حزب الله وأتى نتيجة انقلاب عسكري قام به عام 2008، ويريد العودة إلى ثوابت اتفاق الطائف الذي رعته جامعة الدول العربية والمملكة العربية السعودية والذي سيكون نقطة الانطلاق باتجاه أي تسوية لبنانية أو حتى لتطوير النظام، لا سيما أن اتفاق الطائف فيه الكثير من البنود التي لم يُستكمل تنفيذها، والمطلوب تطبيقها».


وعن أسباب اندفاعة اللبنانيين إلى التعبير عن رغبتهم في صناديق الاقتراع، أكد بولس أن «الشعب كان يعيش تحت سطوة الاحتلال وانتظر فرصة للتعبير، وعبر عن ذلك بانتفاضة تشرين ولكن النظام السياسي الذي يمسكه حزب الله قام بقمعه ومنعه من ذلك».

المحلل السياسي طوني بولس


ولفت إلى أن «الشعب اللبناني رأى أن فرصة التغيير من خلال الانتخابات ممكنة فشارك فيها ونجح، ولكنه خائف من أن يتم تزوير وسرقة أصواته وإعادة كبت رأيه من جديد، فصحيح أنه انتصر في الانتخابات ولكنه حذر لأن هذه الطبقة السياسية غير مؤتمنة على حرية الشعب اللبناني».


وشدد بولس على أن «المسيرة طويلة والوقوف بوجه الاحتلال الإيراني وبوجه منظومة استحكمت بلبنان عبر سنوات ليس سهلاً، ولكن هذا المسار بدأ بالانتخابات، وهناك استحقاقات كبيرة كتشكيل الحكومة، ومن هذا المنطلق يرفض أن يكون هناك حكومة وحدة وطنية كالحكومات السابقة، ويفترض أن تكون حكومة أغلبية نيابية تأتي وفق التوازنات التي انتصرت في الانتخابات وصولاً لانتخاب رئيس جديد للجمهورية لا يشبه الرئيس القاطن في بعبدا الذي هو ليس سوى أداة لتنفيذ المشروع الإيراني في لبنان».


وجزم بأن «الشعب اللبناني أعطى القوى السيادية حق المقاومة وشرعية المقاومة، وعلى تلك القوى أن تبدأ عملياً مقاومتها لهذه المنظومة».

فئة مناضلة أرادت أن تفرض رأيها بالتغيير
تزامنت الانتخابات مع أزمة معيشية غير مسبوقة، إلا أن ذلك لم يُشكّل حافزاً لكثيرين من أجل ممارسة المحاسبة داخل صناديق الاقتراع، ووفق ما أوضحته المحللة السياسية الكاتبة والأكاديمية منى فياض في حديث لـ«المجلة» فإنه «يجب لحظ أن هناك 60 في المائة لم يدلوا بأصواتهم بسبب اعتراضهم وقرفهم وعدم ثقتهم بالمنظومة وفقدان الأمل من وجود من ينتشلهم من المعاناة، ولكن في الجهة المقابلة هناك فئة مناضلة أرادت أن تفرض رأيها بالتغيير على الرغم من كل مساوئ القانون الانتخابي وبغض النظر عن ممارسات السلطة وألاعيبها، واستطاعت إيصال أعضائها إلى البرلمان الجديد، إلى جانب الكتلة المعارضة السيادية التقليدية التي لا ثقة تامة بممارساتها كونها كانت موجودة في السلطة، لكنها قبيل الانتخابات رفعت شعارات داعية لنزع سلاح حزب الله لاجتذاب الناخبين».

المحللة السياسية الكاتبة والأكاديمية منى فياض


ولفتت إلى أن «تلك الشريحة المعارضة لم تعد راضية باستلام حزب الله للبلد بهذه الطريقة، وأرادت التعبير عن موقفها بدعم الفريق الذي عاود رفع صوته ضد السلاح غير الشرعي، وعدم محاسبته على الماضي بل على الحاضر». واعتبرت أن «الوضع المعيشي يطال كل اللبنانيين وربما هو السبب الذي أدى إلى امتناع كثيرين عن الإدلاء بأصواتهم، ولكنه لم يكن الدافع للتصويت لهؤلاء، فالذين قرروا المشاركة في الاقتراع ارتكزوا على مبدأ استرجاع الدولة المخطوفة واستعادة قرارها»، لافتة إلى أن «خسارة حزب الله للأكثرية البرلمانية، على الرغم من كل الممارسات، هو انتصار للطرف الجديد، والمطلوب من المعارضة السيادية التقليدية مع المجتمع المدني والتغييرين والثورة الوصول إلى خطة وبرنامج في البرلمان لوقف الصفقات ولإعادة تطبيق الدستور وانتشال البلد من أزمته».


«الاتفاق بين القوى المعارضة الجديدة ضروري، وإلا سنكون أمام برلمان متشظٍ ومتشرذم تماماً»، هذا ما شددت عليه فياض، مشيرة إلى أن «هناك خطرا كبيرا في حال عدم الاتفاق فيما بينهم وهيمنة حزب الله على قرار بعضهم سيجعل الوضع مأزوماً وقد يؤدي إلى تعطيل البلد لانعدام التوافق وحصول كباش على رئاسة المجلس النيابي وتشكيل الحكومة وصولاً إلى الانتخابات الرئاسية».
وختمت بالقول: «تهديد نواب الحزب يؤشر إلى ضغوطات ستمارس، ما يعني أن المجلس الجديد قد يتم تعطيله ومن هنا تكمن جدية المعارضين الجدد والسياديين القدامى في التوحد لمجابهة مخطط هؤلاء لاسترجاع سيادة الدولة وتطبيق دستور الطائف».