بعد طي صفحة الانتخابات... تحديات اقتصادية كبرى تنتظر البرلمان الجديد

أبرزها مواصلة الليرة اللبنانية انهيارها أمام الدولار
تحديات اقتصاديّة ماليّة مصيريّة تتطلب من المجلس النيابي الجديد استكمال مسار الحلول الذي أرسته الحكومة الحالية

بيروت: في الخامس عشر من شهر مايو (أيار) 2022 انطوت صفحة الانتخابات النيابية التي راهن كثيرون على عرقلتها من قبل بعض الأطراف السياسية القلقة على مصيرها، لكنها جرت وأحدثت انقلابا في المشهد السياسي بعد سقوط العديد من الرموز السياسية مما خلط كل الأوراق بين القوى المتصارعة.


واليوم تتجه الأنظار المحليّة والدوليّة إلى المجلس النيابي الجديد، وما قد ينتج عنه على المستويين السياسي والاقتصادي، في لحظة مفصليّة من تاريخ لبنان، الذي يعيش تداعيات الانهيار المالي والمصرفي والاقتصادي والاجتماعي منذ عامين ونصف. فالاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية تتطلب الإسراع بتأليف حكومة، تعالج الملفات المعيشيّة الضاغطة، التي حُجبت في الأيام الماضية بفعل ضجيج المعارك الانتخابية، من رفع تعريفة الاتصالات وما يحكى عن دولرة أسعار المحروقات وأدوية الأمراض المستعصية، وتعثر وصول الغاز المصري والكهرباء الأردنية، وغيرها من الملفات الحياتية ، ناهيك عن سعر الدولار المتفلت في السوق السوداء وانعكاسه السلبي على حياة المواطنين.

سعر الصرف إلى ارتفاع
ويعتقد بعض الخبراء أن سعر صرف الدولار آيلٌ إلى الارتفاع بعد الانتخابات النيابية، على غرار ما يحاول بعض الصرّافين والمصارف الإيحاء به. فعلى الرغم من الشائعات الكثيرة التي تحاول أوساط المصارف وبعض الصرّافين بثّها بين اللبنانيين، إلاّ أن خبراء آخرين يعتقدون أن سعر صرف الدولار سيستقرّ بين 26 و27 ألف ليرة للدولار الواحد، وأنّه مستمرّ على هذا النحو، رغم أن أوساط الصرّافين تعمِّم فيما بينها ضرورة عدم التفريط في الدولارات الموجودة في أدراجهم، لأنّ المرحلة المقبلة التي ستلي الانتخابات مباشرة ربّما تشهد ارتفاعاً جديداً للدولار، وقد تكون عتبته 30 ألف ليرة. أمّا عن الأسباب المباشرة خلف تلك الافتراضات، فلا أحد من بين هؤلاء الصرّافين يعلّلها بشكل واضح، بل تبقى في إطار التصوّرات وإجراءات التحوّط، تمهيداً لاستشراف حقبة يعتبرونها جديدة، وتتعلّق باستقالة الحكومة وتسمية رئيس مكلّف جديد لها وتشكيلها، ثمّ الاستعداد لانتخاب رئيس جديد للبلاد.


بدورها أوساط جمعية المصارف تسعى إلى بثّ الخوف في النفوس من خلال الإيحاء بأنّ سعر الدولار سيعود إلى التحليق بعد الانتخابات. بيد أن خلفيّات هذا الجوّ باتت معروفة وتعود إلى عدم رضا المصارف والجمعيّة عن «خطة التعافي»، التي وضعتها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وتأجَّل بتّ تفاصيلها إلى ما بعد الانتخابات، وإلى الدعوى التي تتمسّك الجمعية بإقامتها ضدّ الدولة رفضاً للخطة، واستمهلت مرور الاستحقاق الانتخابي بهدوء كي لا تُتّهم بتعطيله أو تعكير صفوه.


البعض يعتبر أن هذه الأجواء تدخل في إطار التهويل، ولا مبرّرات نقدية أو اقتصادية تؤكّد عودتنا إلى تحليق الدولار بشكل كبير ومرعب من جديد، كما من قبل، لكن ما هو رأي الخبراء الاقتصاديين والماليين المتابعين للأسواق.

عجاقة: الاستهلاك كلّف لبنان 20 مليار دولار سنوياً
الخبير الاقتصادي والمالي البروفسور جاسم عجاقة قال لـ«المجلة» إن ارتفاع سعر الدولار الأميركي مُقابل الليرة اللبنانية في السوق السوداء صبيحة الانتخابات النيابية التي شهدت تعديلًا في ميزان القوى في الندوة البرلمانية. يأتي ليُجسّد الرفض القائم في الرأي العام من ناحية الأداء الاقتصادي في المرحلة الماضية الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه اليوم.

الخبير الاقتصادي والمالي البروفسور جاسم عجاقة


وبرأي عجاقة فإن غياب السياسات الاقتصادية منذ عدة سنين بالتوازي مع الحرب في سوريا، دفعت بلبنان إلى التعلّق بالاستيراد بنسبة كبيرة وصلت إلى 85 في المائة من إجمالي استهلاكه. هذا الاستهلاك كلّف لبنان بحدود الـ20 مليار دولار سنويًا قبل الأزمة وكلها دولارات لا يُنتجها الاقتصاد اللبناني الذي وصل إلى 4.5 مليار دولار أميركي تصدير في أوج مجده. واندلاع الثورة في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 أظهر عيوب النظام القائم وعلى رأسه الخلل الاقتصادي المُتمثل في استهلاك دولارات لا يمتلكها وكان يتم تمويلها من تدفقات مالية من الخارج (ودائع، تحويلات مغتربين، وغيرهما).
وأضاف: في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصل سعر صرف الدولار إلى 33 ألف ليرة للدولار الأميركي الواحد في السوق السوداء. هذا الأمر دفع بالمصرف المركزي إلى اعتماد التعميم 161 (والمُلحق لهذا التعميم) الذي استطاع تأمين استقرار نقدي نسبي في الأشهر الأربعة الأولى. واعتمد هذا التعميم على سحب السيولة بالليرة اللبنانية من السوق مُقابل ضخ الدولارات مكانها وهو ما أعطى ثماره إلى حد كبير من خلال لجم المضاربة على الليرة اللبنانية بواسطة الليرة اللبنانية.


وتابع: اليوم وبعد الانتخابات النيابية، يعود موضوع الدولار إلى الواجهة خصوصًا مع انتشار المعلومات عن قرب وقف العمل بالتعميم 161 وهو ما أثار مخاوف كبيرة في السوق ممزوجة بتلاعب كبير من قبل بعض التجار والصيارفة الذين ما زالوا يمتلكون 20 على 30 تريليون ليرة متداولة في السوق. ويبقى السؤال: ما مصير الليرة اللبنانية بعد الانتخابات النيابية؟ وهل ستنخفض قيمتها مقابل الدولار الأميركي في المرحلة المُقبلة؟


الجواب يتعلّق بشكل أساسي بالسيناريوهات السياسية، حيث إن التأخير في تشكيل الحكومة والتأخير في الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، ستكون له تداعيات سلبية على سعر صرف الليرة من ناحية استنزاف قدرات مصرف لبنان من الاحتياطات بالعملات الأجنبية، وهو ما يعني ضمنًا التخلّي لاحقًا عن ضخ الدولارات في السوق مما سينعكس ارتفاعًا تلقائيًا وجنونيًا في أسعار السلع والبضائع والخدمات التي يستهلكها المواطن اللبناني. وبالتالي من المتوقع في ظل هذا السيناريو أن يدخل لبنان حلقة التضخم المُفرط المعروف عنها تداعياتها الكارثية على الشعوب.


أما في حال كان هناك تشكيل سريع لحكومة جديدة وفي ظل فرضية التعاون مع هذه الحكومة من قبل المجلس النيابي، فإن التفاوض مع صندوق النقد الدولي سيُستكمل وستبدأ مرحلة الخروج من الأزمة الاقتصادية والمعيشية الخانقة التي يعيشها الشعب اللبناني. لكن حتى في ظل هذا السيناريو، هناك مرحلة صعبة سيعبرها لبنان وستتمثّل في تردّي الوضع المعيشي أكثر مع تردّي الكتلة النقدية بالدولار الأميركي وبالتالي نقص في المواد الغذائية والمحروقات والأدوية وغيرها من الأساسيات التي يستهلكها الشعب اللبناني.


وختم: من كل ما تقدّم نرى أن سعر صرف الدولار الأميركي في لبنان مرهون بقرارات السلطة السياسية حصريًا وخصوصًا من ناحية استكمال التفاوض مع صندوق النقد الدولي، والسيطرة على الحدود والقيام بإصلاحات أصبحت أكثر من ضرورية.

علامة: لبنان يعاني من نقص حاد في العملات الصعبة
بدوره، اعتبر الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور بلال علامة أن المرحلة الحالية تعتبر الأخطر بتاريخ الجمهورية اللبنانية وبتاريخ الكيان اللبناني، مشيراً إلى أن الانهيار الحاصل طال تقريبا كل شيء، والسلطة عاجزة عن تدارك الأمور.


وأضاف أن الحكومتين السابقتين أخطأتا في رسم السياسات المالية والاقتصادية، فبعد تولي حكومة الرئيس حسان دياب تم إعلان توقف لبنان عن الدفع وبالتالي البدء بمسلسل هدر العملات الصعبة على سياسات الدعم وغيرها. وأتت حكومة الرئيس ميقاتي بخطة تعافي مالي خطيرة بعد البدء بالمفاوضات الماراثونية مع صندوق النقد الدولي بدون التوصل إلى أي اتفاق بعد عجزها عن إقرار الإصلاحات الضرورية المطلوبة وتحويلها إلى مجلس النواب لإقرارها بقوانين وأهمها قانون الكابيتال كونترول والجميع على دراية وعلم بما كان يتضمنه من بنود تطال كل المودعين في المصارف عبر شطب 70 في المائة من قيمة هذه الودائع لإنقاذ المصارف ومن خلالها السلطات السياسية المتعاقبة.

الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور بلال علامة


وأشار علامة: كما هو معروف فإن لبنان يعاني من نقص حاد في العملات الصعبة وقد وصل الأمر إلى حد استعمال أموال حقوق السحب الخاصة بلبنان SDR المودعة في مصرف لبنان بموجب قرارات حكومية علماً أن الأمر يتطلب قوانين تقر في مجلس النواب. فبعد سياسات الدعم المشبوهة التي طبقتها الحكومات السابقة والهدى الحاصل بالعملات الأجنبية إضافة إلى هدر الكهرباء المتمادي في ظل عجز وزارة الطاقة عن إيقاف النزف الحاصل يجد لبنان نفسه أمام انعدام أي فرصة أو إمكانية لتدارك الخطر القادم المتمثل بتمويل الاستيراد ومتطلبات الخزينة المتزايدة، مؤكداً أن لبنان مقبل على مرحلة سيصبح فيها الأمن الغذائي في خطر والاستيراد خطر والسلطة عاجزة عن الفعل.


وفي رأي علامة أن أخطر ما واجه لبنان في المرحلة القادمة هو عدم إمكانية ضبط سعر الدولار الذي سيتصاعد بوتيرة سريعة تجاوباً مع الطلب المتمادي في ظل استمرار المصارف بتحديد سقوف السحوبات بالليرة اللبنانية خوفاً من تفلت السيولة بالليرة اللبنانية وعدم تمكن مصرف لبنان من ضخ مزيد من السيولة بالليرات اللبنانية.


واضاف: من الدلائل على التصاعد في سعر الصرف هو القرار الذي اتخذه مصرف لبنان اليوم برفع سعر صرف الدولار في منصة صيرفة إلى 23200 ليرة ويبدو أن الحبل على الجرار.


وقال علامة: كل المؤشرات تفيد بأن لبنان قادم على مرحلة اقتصادية سيئة فيها سيكون الأمن الغذائي في خطر وكذلك الأمن الاقتصادي الذي سينعكس بدوره على الأمن المالي ولطالما اعتبرت الانتخابات في الدول المتحضرة عرسا للديمقراطية، ومدخلا لتجديد تكوين السلطة والحياة السياسية، لكن ما حصل في لبنان من قبل مهندسي المعارك الانتخابية والفرز النهائي للنتائج يدل على أن الوطن والكيان اللبناني دخل في المجهول ولن يكون بالإمكان بعد الآن إنتاج حكم يحافظ على استمرارية المؤسسات الدستورية جميعها، من رئاسة الحكومة، إلى رئاسة المجلس النيابي، إلى رئاسة الجمهورية. الدولار اليوم 29000 ليرة والانهيار القادم خطير.

عويس: ارتفاع الدولار لم يكن مفاجئًا
من ناحيتها المحللة الاقتصادية ورئيسة جمعية الإعلاميين الاقتصاديين، سابين عويس: أكدت أنه بعد انتهاء الانتخابات النيابية تعود التحديات الاقتصادية لتفرض نفسها بقوة على المشهد الداخلي. وبدا ذلك واضحًا مع استئناف التداول بالدولار بعد عطلة نهاية الأسبوع التي شهدت اليوم الانتخابي والانشغال الرسمي والشعبي بالانتخابات أن السوق لم يتلقف الاستحقاق بإيجابية، بل على العكس عاد الدولار إلى تسجيل مستويات مرتفعة تعكس استمرار حال القلق لدى المتعاملين. والواقع أن ثبات الدولار خلال الأسابيع الماضية كان مصطنعاً وبقرار من حاكم المصرف المركزي بناء على طلب رئيس الحكومة الذي كان يرغب في تأمين الحد الأدنى من الهدوء في السوق حتى انتهاء الانتخابات.


وبرأي عويس أن ارتفاع الدولار لم يكن مفاجئًا للأوساط المالية والمصرفية التي كانت تتوقع استعادة العملة الخضراء لمسارها التصاعدي. ورغم أن البعض يحاول أن يخفف من حدة التوقعات حيال حركة السوق في المرحلة المقبلة انطلاقًا من الاقتناع بأن الاستحقاق الانتخابي سيفتح بارقة أمل للولوج إلى الإصلاحات المطلوبة وإقرار خطط الإنقاذ والتعافي والقوانين الإصلاحية المطلوبة من صندوق النقد، إلا أن الواقع مختلف وأكثر ضبابية في ظل الغموض المحيط بالمسار السياسي حيال تشكيل حكومة جديدة وحيال قدرة السلطة الجديدة على إقرار الإصلاحات المطلوبة ووضع البلاد على سكة التعافي. من هنا نجد أنه لا سقوف واضحة للدولار طالما أن السعر ليس عرضة لحركة العرض والطلب وإنما لعوامل نفسية وسياسية، فصلاً عن عامل آخر لا يقل أهمية ويتصل بتراجع القدرات الدفاعية لدى المصرف المركزي بعد أن استنزف الجزء الأكبر من احتياطاته، وهي عملياً أموال الناس.

المحللة الاقتصادية ورئيسة جمعية الإعلاميين الاقتصاديين سابين عويس

وختمت: أما بالنسبة إلى إقرار مرسوم زيادة غلاء المعيشة فلن يكون له برأيي أي تأثير إيجابي طالما أن الزيادة لا تتلاءم مع التقلبات الحادة في سعر الليرة وطالما أن مفاعيلها التضخمية ستكون أكبر من الهدف منها والرامي إلى تعزيز القدرة الشرائية للمواطن.


بالتوازي مع الاستحقاقات الدستورية الكبرى، هناك تحديات اقتصاديّة ماليّة مصيريّة تتطلب من المجلس النيابي الجديد استكمال مسار الحلول الذي أرسته الحكومة الحالية، أن من خلال خطتها للتعافي أو مشروع الموازنة الذي أرسلته إلى المجلس وحالت الحسابات الانتخابية دون إقراره قبل الانتخابات. وبناء على ذلك فإن نواب الأمّة الآن أمام مهمة إصدار تشريعات جديدة تعبّد الطريق أمام استكمال المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، في إطار عملية الخروج من الأزمة انطلاقًا من خطة التعافي، وتحضير كامل الأرضية التشريعية والقانونية المتمثلة بإقرار قوانين يشترطها صندوق النقد الدولي والجهات المانحة، أبرزها تعديل قانون السرية المصرفيّة وقانون الكابيتال كونترول وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإقرار موازنة إصلاحية، وصولاً إلى إبرام اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي، يشكّل مدخلًا لدعم الجهات المانحة الأخرى، إن لجهة إعادة تحريك مؤتمر سيدر أو لجهة عقد مؤتمر دولي لأجل لبنان بمبادرة فرنسية.


كل ذلك متوقف على أداء السلطات في لبنان، والكرة في ملعب اللبنانيين، لإثبات مدى قدرتهم في ظلّ البرلمان الجديد على تنفيذ الأجندة الإصلاحيّة المطلوبة دوليًّا، وإلًا فإن المزيد من السقوط في قعر جهنم ينتظرنا.