السينما الأوروبية العجوز تتمنى العودة إلى صباها

10 أفلام قد تحقق الأمل الكبير
R.M.N. عن الفيلم الرومانيR.M.N.

كان: واحد من أهم غايات مهرجان كان المنطلق حالياً (من 17 الجاري إلى 28 منه) هو تنشيط اللجوء إلى السينما كسبيل لا يُوازى للترفيه أو للفن أو لكليهما معاً. ولهذه الغاية كان أسس من أكثر من عشرين سنة  تلك السوق الكبيرة التي يؤمها كل من يبحث عن أفلام وصفقات بيع وشراء وتوزيع أو إنتاجات بنيّة التواصل لبحث مشاريع مستقبلية.


لهذه الغاية أيضاً يختار المهرجان أفلامه من تلك التي سيتم تأمين سيل من الترويج الإعلامي لكي تنتقل لاحقاً، وبالنجاح ذاته، كونها أفلاما مهرجاناتية إلى أفلام جماهيرية أيضاً. والواقع هنا، أن لا أحد يستطيع تحريك الجمهور صوب الأفلام غير الجماهيرية بالضرورة على نحو أكثر فاعلية وتأثيراً إلا المهرجانات الثلاث الأولى في العالم، وهي- حسب ورودها- برلين وكان وفنيسيا. هذا الأخير، لا يملك (ولا يبدو أنه يريد أن يملك) سوقاً تجارية كما حال المهرجانين الآخرين، لكن الكثير من الأفلام التي تُعرض فيه تنطلق في جولات فنية وجماهيرية لاحقة حول العالم وكثير منها ينجز ترشيحات الأوسكار أو يفوز بها.

أرقام ذات مغزى
الحال ذاته بالنسبة إلى مهرجان كان الذي يمارس هذا الدور بنجاح مماثل (الفيلم الفائز بأوسكار أفضل فيلم عالمي في هذا العام وهو Drive My Car كان من بين عروض المهرجان الفرنسي في العام الماضي) وبفاعلية مشهودة بسبب حجم ونشاط السوق السينمائية التي توازي أعمال المهرجان في كل سنة والتي يؤمها مئات الموزّعين والمنتجين وشركاتهم والراغبين في البيع والشراء والباحثين عن الصفقات الكبيرة.


ولعل ما يجعل الحديث عنه هذا الجانب من جوانب المهرجان وأقسامه حقيقة أن السينما الأوروبية (حسب إعلان صدر قبل شهرين من مؤسسة International Union of Cinemas) ) الذي يتّخذ من بروكسل مركزاً له بهدف تمثيل السينما الأوروبية وعملياتها، سجلت بيع 400 مليون تذكرة في العام الماضي. ترجمة هذا الرقم إلى آخر يشير إلى أن الحصيلة بلغت، حسب المؤسسة أيضاً، مليارين و900 مليون يورو.


هذا وضع مشجع لكنه ما زال أقل بنسبة 46 في المائة أقل مما حققته صالات السينما الأوروبية في العام 2019.


هو وضع لافت قلّما تتوقف عنده المقالات النقدية التي تواكب هذا المهرجان أو سواه، رغم أنه يلعب دور «بطارية النور اليدوية» حين نتطلّع إلى كيف يؤدي هذا المهرجان دوره في تنشيط وترويج الأفلام التي تشترك فيه أكثر مما يفعل أي مهرجان آخر على كوكب الأرض.
كل فيلم يؤول إلى «فلتر» التجارة بما في ذلك الأفلام الفنية. لهذا السبب فإن النظر إلى أهم ما تعرضه الدورة 75 الحالية من المهرجان لا يتوقّف فقط عند تقييم الناقد لهذه الأفلام (الذي يأتي عادة بعد المشاهدة) بل ما إذا كان الفيلم المقصود سيسلك سبيلاً سهلاً حال انتقاله من صالات المهرجان إلى صالات العواصم والمدن الأوروبية المختلفة. هذا في وقت تبدو فيه هذه السينما نشطة في بلدان الاتحاد الأوروبي (وفي بريطانيا) وأقل من ذلك حول العالم، بما في ذلك العالم العربي الذي لا يعرض أكثر من نذر قليل منها.


التالي، إذن، جردة لعشرة أفلام مهمّة، تنتمي إلى السينما الأوروبية المتعددة البلدان والتي يحدوها الأمل في تحقيق انتقال ناجح من الفن إلى التجارة. لكن علينا أن لا ننسى هنا أن عودة أوروبا إلى صباها السينمائي ليس حكراً على النوعية فقط ولا حتى على الكم... بل على نجاح عملية دخول المواضيع المنتخبة دائرة اهتمام المُشاهدين. إذا لم تفعل، سيبقى أمام العديدين منهم الأفلام الأميركية التي عادة ما تفوز بنسبة تتراوح بين 40 و60 في المائة من إجمالي إيرادات الأسواق الأوروبية.

The Natural History of Destruction

أنجز المخرج الأوكراني سيرغي لوزنيتزا «التاريخ الطبيعي للدمار» قبل بدء الحرب الأوكرانية بأسابيع قليلة. هذا فيلم غير روائي (وثائقي) حول الحرب لكنها ليست الحرب الحالية، بل عن الدمار الذي لحق بألمانيا عندما دكّتها غارات وقذائف الحلفاء في السنة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية.
هناك نقطتا اهتمام لهذا الفيلم وهما أن الفيلم بمعية المخرج الذي عرض بعض أفلامه الوثائقية السابقة في هذا المهرجان (وبعضها الآخر في فنيسيا) لا بد سيربط بين تلك الحرب والمعارك الدائرة اليوم ونتائجها. النقطة الثانية ما لهذا المخرج من مكانة (يختلف حولها بعض النقاد) في فن تحقيق الفيلم الوثائقي كأسلوب  يستعير من بساطة التكوين (كاميرا ثابتة عند مدخل متحف للطائفة اليهودية مثلاً) ليوفّر حديثاً في التاريخ.
لكن المخرج بحد ذاته يستدعي اهتماماً أكبر هذه المرّة إذ كان قد انسحب من أكاديمية الفيلم الأوروبي احتجاجاً على موقفها من المخرجين الروس على أساس عدم المزج بين السينما والسياسة على هذا الصعيد، وطُرد من «أكاديمية الفيلم الأوكراني» للسبب ذاته.

2- R.M.N.
يعود المخرج الروماني كرستيان مونجيو بفيلمه الرابع إلى مسابقة مهرجان كان بعد أن فاز، سنة 2007، بجائزة المهرجان الأولى عن فيلمه الدرامي «4 أشهر.. 3 أسابيع.. ويومان». في ذلك الفيلم هضم الموقف الناتج عن محاولة فتاة حامل إيجاد طبيب يقوم بعملية للتخلص من جنينها وذلك في ظل القوانين المانعة. الفيلم الجديد يختلف ليس كأسلوب عمل بل كحبكة فهو يعايش أوضاع عدد من الشخصيات ذات مشارب وأعراق مختلفة تعيش (وتأمل أن تتعايش) في رومانيا.

3-Crimes of the Future

Crimes of the Future  «جرائم المستقبل» لكروننبيرغ

«جرائم المستقبل» هو إنتاج يوناني- كندي مشترك لمخرج تحبّه المهرجانات وسبق وأن عرض في «كان» عدداً من أعماله (آخرها «خرائط للنجوم»، Maps to the Stars سنة 2014) هو ديڤيد كروننبيرغ. أحداث هذا الفيلم ذات طبيعة معقّدة. هو حديث عن مستقبل داكن لعالِم قد يستفحل شرّه في علم البيولوجيات البشرية ما سيؤدي إلى تشويه الشكل البشري في داخله وخارجه. من ناحية أخرى، هو مثل معالجة العنف بالعنف ذلك لأن المخرج يعود هنا إلى فترة سابقة من أعماله عندما كان يهيم شغفاً بتحقيق ما عُرف في السبعينات والثمانينات في «سينما الرعب البيولوجي» حيث تحتفل الكاميرا بعرض مشاهد دموية لعمليات جراحية أو لتشويهات جسدية ينتج عنه تكوين أشكال موحشة وغير طبيعية. على ذلك، اسم المخرج أكبر من أن لا يستجيب له الجمهور أو ربما لجنة التحكيم ذاتها.

4-Holy Spider

Holy Spider   «عنكبوت مقدّس» لعلي عبّاسي

هذا إنتاج دنماركي- ألماني- سويدي، فرنسي مشترك لمخرج إيراني الأصل يعيش ويعمل في الدنمارك أسمه علي عبّاسي. «عنكبوت مقدّس» يدور في مدينة مشهد حول صحافية (زار أمير إبراهيمي) تحقق في سلسلة جرائم قتل يرتكبها رجل يريد تطهير المدينة من المومسات. إذ تمضي في تحقيقها تبدأ شكوكها بأن القاتل مرتبط بالسُلطة وأن عليها أن تتوقف عن متابعة تحقيقاتها تحسباً لخطر محدق ربما من النظام ذاته. عبّاسي سبق له أن اشترك، سنة 2018، في مظاهرة «نظرة ما» عبر فيلم حمل فكرة غريبة ومثيرة عنوانه «حدود» حول ضابطة حدود سويدية (إيڤا ميلاندر) لديها حاسة تميّز المسافر الخائف من سواه وتلتقطه. في أحد المرات تجد ضالتها في أوروبي شاب ابتلع شريحة عليها صور خليعة لأطفال. هو وسيم وهي بشعة وهناك يقع الإشكال.

5-Triangle of Sadness

Triangle of Sadness  «مثلث الحزن» (السويد)

في العام 2017 فاز المخرج السويدي روبن أوستلَند بالسعفة الذهبية (الأولى) في مهرجان كان عن فيلمه «ذا سكواير». كان، حسب قوله، أوّل المتفاجئين. قال لهذا الناقد خلال لقاء معه بعد الفوز بيوم واحد (لقاء في مطار نيس لخمس دقائق): «كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة لي ليس لأني كنت مرتاباً في نوعية فيلمي الفنية، بل لأن معظم ما شاهدته من الأفلام المنافسة، وأنا أقول إني شاهدت غالبيّتها، كان مبهراً». فيلمه الجديد يدخل المنافسة الحادة حاملاً حبكة مثيرة معالجة بلون كوميدي داكن. هي عن رحلة يخت يملكه أحد كبار الأثرياء يتوقف عند جزيرة مهجورة ومجهولة وما يقع بعد ذلك من ارتدادات نفسية وعاطفية ومخاوف. الممثل الأميركي وودي هارلسون في البطولة.

6-Final Cut
يستعير المخرج الفرنسي ميشيل أزانافيشيوس موضوع فيلمه «فاينال كَت» (العبارة التي تُشير للنسخة الأخيرة من فيلم مُصوّر) من فيلم ياباني صغير عنوانه «A Cut of the Dead» التجارب السابقة تناوئ الأمل في أن يأتي هذا الفيلم بشحنة نوعية طبيعية لأن السائد عموماً أن تكون للفيلم الأصلي خصوصية ثقافية وفنية هي التي جعلته مهمّاً أو مثيراً للإعجاب بحيث يقدم آخرون على نقله لثقافة أخرى. في الخمسينات أخرج الياباني أكيرا كوروساوا «The Seven Samurai» الذي اشترت حق إعادة صنعه هوليوود وصنعت منه فيلم وسترن بعنوان «The Magnificent Seven» النتيجة لا تقارن. بالطبع هذا لا يعني أن  «فاينال كَت» سيكون أسوأ من الفيلم الأصلي (بالتأكيد هو مختلف تماماً في أدواته) لكنه أمر وارد على أي حال.

7-Butterfly Vision
تم تصوير وإنجاز هذا الفيلم الأوكراني قبل أيام قليلة من بداية الغزو الروسي وقوّته تكمن في محاكاته التي تعكس مخاوف قيام الحرب بين الدولتين المنخرطتين في الحرب حالياً. حكاية امرأة كانت اعتقلت (والملخص المنشور عن الفيلم لا يذكر من قِبل أي جهة) خلال حرب 2014 والآن تواجه صعوبة التأقلم مع موقعها. في الحقيقة حشدت أوكرانيا عدة أفلام أنتجت في العامين الأخيرين للحديث عن تلك الحرب تحديداً أفضلها عنوانه «Klondike» لمخرجة من جيل جديد اسمها ماريانا إر غورباخ «رؤية الفراشة» لوافد جديد آخر هو ماكسيم ناكونشنيي معروض في مسابقة «نظرة ما» وله حظ وافر في منحه جائزة حتى ولو قيل فيها إنها إعلان تضامن مع أوكرانيا.

8-Corsage
«باقة ورد» هو فيلم نمساوي/ ألماني الأصل (تشارك فيه فرنسا ولوكسمبورغ) يستحق الاهتمام كونه يتحدّث عن الإمبراطورة سيسي في بعض سنوات حكمها في سبعينات القرن التاسع عشر. المخرجة هي فيكي كروتزر التي كانت اشتركت في مهرجان برلين مرّتين سابقاً. الأولى عبر فيلم «بلا أب» (The Fatherless)  سنة 2011- فيلمها الأول) وسنة 2019 عبر فيلمها الجيد «الأرض تحت قدميّ» (The Ground Beneath my Feet).  لديها حبكة قوية (الإمبراطورية بالغة الجمال تحتفل بعيد ميلادها الأربعين) والغالب أن المخرجة ستواصل أسلوبها المُشاد سابقاً والقائم على مَشاهد مطوّلة وهو أسلوب سرد يجيده البعض أفضل من البعض الآخر (يُسمّى «سينما التحديق»).

9-The Five Devils
هذا هو الفيلم الثاني لمخرجته الفرنسية ليا ميسوس معروض في قسم «نصف شهر المخرجين». وعادة ما تتخلص أفلام هذا القسم (الذي يشرف عليه اتحاد المخرجين الفرنسيين) من عبء الإنتاجات التي عليها أن تبرهن عن حضورها الإنتاجي كعامل أول لوصولها للمسابقات. بذلك تنضوي اختيارات هذا القسم على أعمال مثيرة للاهتمام بحد ذاتها وهذا واحد منها. قصّة فتاة صغيرة لديها القدرة على شم أي شيء من مسافة بعيدة وهذا ما يقودها إلى البحث عن عمّتها المفقودة منذ زمن. موضوع مثير للاهتمام من مخرجة كانت أودعت مهرجان كان فيلمها الأول Ava سنة 2017.

THE FIVE DEVILS  «الشياطين الخمسة» (فرنسا)

10-One Fine Morning
فيلم آخر لامرأة (رغم ذلك لم ينج مدير عام المهرجان تييري فريمو من اللوم بسبب عدد أفلام أكبر للرجال من تلك الأنثوية الإخراجية، كما لو أن عليه أن يقبل بالتوازن حتى ولو أدّى ذلك إلى قبوله أعمالاً ضعيفة) إيمها مبا هانين- لڤ التي حققت حتى الآن ثمانية أفلام عرضت معظمها في أقسام مختلفة من المهرجان. جديدها هذا يدور حول امرأة مطلّقة ولديها فتاة صغيرة عليها في الوقت ذاته أن تعمل لتعيل وأن تعتني بأبيها قبل وبعد وقوعها في الحب من جديد. بطلة هذا الإنتاج الفرنسي- الألماني هي ليا سيدو التي سنراها في فيلم ديفيد كروننبيرغ «جرائم المستقبل».