كيف تخلى يلتسين عن القرم لأوكرانيا ثمناً لإسقاط الاتحاد السوفياتي؟

إعلان «سيادة روسيا» فتح الباب أمام الهرولة نحو الانفصال
يلتسين وكرافتشوك وعدد من رؤساء الجمهوريات السوفيتية السابقة في 1993

موسكو: قد يكون العنوان صادماً لمن وقر في أذهانهم ولعقود طويلة أن الرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف هو المسؤول الأول عن انهيار الاتحاد السوفياتي. لكن قد يكون من الصحيح أيضا أن يتحمل غورباتشوف كامل المسؤولية عن تقصيره في الحيلولة دون اتخاذ ما يلزم بحكم مسؤولياته وما يملك من تفويض شعبي بحكم الدستور والقانون، للحيلولة دون وقوع مثل هذا الحدث الجلل الذي وصفه الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين بأنه «أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين».

وإذا كانت كل هذه الاتهامات التي تدفقت من كل حدب وصوب تستند في معظمها إلى اعترافات ومذكرات، ووثائق ومخطوطات، فإن هناك بين طيات الواقع أيضا ما يقول بعكس ذلك، أو بما هو قريب من عكس ذلك إذا شئنا الدقة.

وفي هذا الصدد ننقل ما قاله جينادي بوربوليس أستاذ الفلسفة الماركسية اللينينية والساعد الأيمن للرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين الذي مهر بتوقيعه أيضا «اتفاقيات بيلوفجسكويه بوشا»التي جرى التوصل إليها بين رؤساء روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1991 وتظل الأساس القانوني الذي فقد الاتحاد السوفياتي بموجبه حق البقاء.

وكان بوربوليس قد أكد عدم صحة الكثير من اعترافات وذكريات عدد من أبطال ذلك الزمان، حول هذا الحدث التاريخي المثير للكثير من الجدل. وذلك ما نتفق معه ونؤكده انطلاقاً من أن المذكرات والذكريات ثقافة تحمل في طياتها قدرا من الإبداع، بما يعني أن لكل رؤيته، حتى وإن سعى نحو تزيينها بحكايات، تقترب مما يمكن أن تكون معه من وحي الخيال. ففي ذلك قدر كبير من الحقيقة، لكنها تظل في حاجة إلى المزيد من التمحيص والتنقيب، وخاصة ممن كانوا من تلك الأحداث الجسيمة في معظمها على مقربة. ونزعم أننا كنا واحدا من هؤلاء بحكم مقتضيات أقدار ومعايشة طالت لما يزيد على 55 عاماً.

وها هي أحداث اليوم التي تدور أيضا في أوكرانيا المجاورة، وتكاد تهدد باندلاع حرب عالمية ثالثة، تأتي لتميط اللثام عن بعض أسرار الماضي، ومنها ما يتعلق بأسباب الخلافات الروسية الأوكرانية حول شبه جزيرة القرم ومنطقة الدونباس في جنوب شرقي أوكرانيا. وإذا كان العالم كله تقريبا، يقف لينحاز إلى موقف أوكرانيا في حربها ضد روسيا، بإيعاز وضغوط غير مسبوقة من جانب الولايات المتحدة، فإن هناك بين ملفات التاريخ ووثائق الماضي، القريب منه والبعيد، ما يقول بغير عدالة الموقف المثير للجدل، بما يتضمنه بين طياته من أسانيد تتجاذبها الأطراف المعنية، حول الأحقية التاريخية في الأراضي المتنازع عليها بين كل من روسيا وأوكرانيا.

سيدة تحمل صورة كرافتشوك في كييف في 1991 خلال مظاهرة مؤيدة للاستقلال

غورباتشوف أو يلتسين.. من المسؤول؟

تتعدد الأسئلة والتساؤلات حول الأسباب التي دفعت أعضاء الحزب الشيوعي السوفياتي ممن استهلوا مسيرة التغيير والإصلاح الذي كانوا يرومونه تحت شعارات البيريسترويكا والجلاسنوست أي «إعادة البناء والشفافية»، إلى الموافقة على إلغاء المادة السادسة من الدستور السوفياتي بما كانت تحتفظ به للحزب الشيوعي السوفياتي من حق الانفراد بالحكم، وتحظر التعددية الحزبية، وتجعل كل شؤون الدولة حكْراً خالصاً للحزب وكوادره.

ومن غرائب أطوار تلك الفترة، ما رصده المراقبون والبسطاء من أبناء الاتحاد السوفياتي السابق من ظواهر وتناقضات، ثمة من اعتبرها في مقدمات أسباب انهيار الدولة. ومن هذه الأطوار ما دارت وتدور حوله التفسيرات التي تواترت في معرض الحديث عما حاق بالدولة من كوارث ومآسٍ. فمن قائل إن الانهيار كان نتيجة حتمية لفشل سياسات الاتحاد السوفياتي وعجزه عن تدبير شؤون اقتصاد الوطن، وعدم إدراكه لمغبة الانخراط في سباق التسلح، إلى آخر عزا ويعزو هذا الانهيار إلى مخططات الغرب ومؤامراته، ومنها تجنيد بعض رجالات الدولة في النسق الأعلى للحزب والدولة، وسقوطهم في شرك المخابرات المركزية الأميركية، ثم إلى ثالث يقول إن الصراعات الشخصية بين قطبي الساحة السياسية في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي وهما ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسين، كانت في صدارة أسباب ذلك الانهيار المريع.

ولعل مراجعة مسيرة التطورات، والتفتيش في ذاكرة الأحداث، والسير الذاتية لشخصيات ذلك الزمان تفرضان ضرورة أخذ كل هذه الأسباب مجتمعة في الاعتبار، مضافا إليها ما يتعلق بانفجار المشكلة القومية التي استطاعت الدوائر الغربية توظيفها ضمن مخططها بشأن تأليب الأقليات القومية، والتجمعات العرقية ضد سياسات الكرملين، وسقوط الأخير في شباك «اللعب على أوتار الليبرالية والديمقراطية»، وما نجحت تلك الدوائر في تمريره تحت اسم البيريسترويكا والجلاسنوست، وهي الصورة القديمة لفكرة الثورات الملونة التي اجتاحت الفضاء السوفياتي السابق في نهاية تسعينات القرن الماضي ومطلع القرن الجاري.

وذلك يعني أن فكرة الثورات الملونة، لم تكن وليدة أفكار كونداليزا رايس مستشارة جورج بوش الابن لشؤون الأمن القومي في ولايته الأولى 2000-2004، ووزيرة خارجيته في ولايته الثانية 2004-2008، بقدر ما كانت مخططا غربيا أميركيا جرى تنفيذه بمساعدة عناصر داخلية سوفياتية، منها من سقط في شباك خصومه سواء بقصد أو عن غير قصد.

ولعل ألكسندر ياكوفليف عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي والساعد الأيمن لميخائيل غورباتشوف يمكن أن يكون صاحب هذه الفكرة التي بادر بتنفيذها من خلاله تحت اسم البيريسترويكا والجلاسنوست، في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي، وهو ما يستحق التوقف عنده بالكثير من التفاصيل التي تستند في بعض جوانبها إلى الوثائق والاعترافات التي كشف عنها عدد من كبار رجال الدولة السوفياتية، ومنهم رئيس جهاز «كي جي بي»فلاديمير كريوتشكوف الذي قال إن «المخابرات المركزية الأميركية استطاعت تجنيد ياكوفليف». ورغما عن ذلك بقي طويلا يتمتع بحماية وثقة غورباتشوف الذي عاد ووصفه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانضمامه إلى صفوف غريمه يلتسين، بأنه يهوذا.

وبعد تردد دام طويلا، عاد غورباتشوف ليعترف بأنه لا يستطيع أن يعفي نفسه عن جزء من المسؤولية تجاه انهيار الاتحاد السوفياتي السابق. ونقل موقع «HISTORYTIME.RU»تصريحات غورباتشوف التي اعترف فيها بأن الاتحاد السوفياتي كان في حاجة إلى الإصلاح، الذي سرعان ما قال إنه «كان ممكنا دون السقوط في شرك الانهيار، لو تحلى كل من المشاركين في هذه العملية بقدر من المسؤولية».

وأضاف أنه بذل قصارى جهده من أجل تحقيق ذلك عبر السبل السياسية، ليعود ويؤكد أنه لم يكن ليسمح لنفسه بالتحول إلى استخدام القوة العسكرية للحفاظ على وحدة الاتحاد السوفياتي، نظرا لأن ذلك كان سيقود البلاد إلى السقوط في شرك الحروب الأهلية الدموية. لكنه أضاف أيضا، وذلك هو الأهم، أن كل القوى الانفصالية في الجمهوريات السوفياتية، لم تكن لتستطيع بلوغ مرادها، وتحقيق ما كانت ترومه من انفصال، لو لم تجد المساعدة والدعم من جانب قيادة روسيا الاتحادية، وهو ما يقصد به الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين وأعضاء فريقه من ذوي الميول الليبرالية الغربية.

ونتوقف لنقول إنه من الثابت، بل ومن المؤكد أن التاريخ سوف يظل يذكر كثيرا عام 1989، تاريخ انعقاد أول مؤتمر لنواب الشعب لعموم الاتحاد السوفياتي، بوصفه علامة فارقة في مراحل تطور الأمة الروسية وما جاورها من بلدان وأمم ظلت تدور في فلكها لعقود طويلة، ولم يقتصر تأثيرها على الاتحاد السوفياتي وحسب، بل تجاوزها إلى ما عداها من بلدان ظلت تدور في فلكها ردحا طويلا من الزمن. بل وننسب إلى ذلك العام أيضا تلك القمة التاريخية التي جمعت على ضفاف مالطة ميخائيل غورباتشوف مع جورج بوش الأب، وما أعلناه في ديسمبر من ذلك العام حول نهاية الحرب الباردة، وإن أكدت السنوات والأحداث التالية عدم صحة هذا الاستنتاج. وما يحدث في أوكرانيا اليوم وما حولها خير دليل على ذلك.

ونعود بالتاريخ قليلا إلى مثل تلك الأيام منذ ما يزيد على ثلاثين عاما، يوم كان غورباتشوف يستعد للاحتفال بالذكرى الستين لميلاده، في ظل أجواء التوتر الناجم عن تصعيد خصومه، وعلى رأسهم غريمه التاريخي بوريس يلتسين لهجماتهم ضده، سعيا وراء الإطاحة به والانفراد بالحكم في جمهورياتهم التي لم يعودوا يرغبون في أن تستمر سوفياتية اشتراكية. وكان الخلاف وصل برفاق الأمس إلى ذروته بعد أن فتح مؤتمر نواب الشعب اعتبارا من أولى جلساته في مايو (أيار) 1989، كل الأبواب على مصاريعها، للكشف عما كان دفين الصدور. فقد أفصح نواب البلطيق في جمهوريات ليتوانيا ولاتفيا وأستونيا عن أحلامهم وتوجهاتهم الانفصالية، والعودة إلى سابق استقلالهم. وكشف القوقازيون من نواب جمهوريات ما وراء القوقاز في جورجيا وأرمينيا، وبعدهما أذربيجان عن طموحاتهم القومية، بينما وقف نواب جمهوريات بلدان آسيا الوسطى، ومعهم ممثلو أوكرانيا ثانية أكبر الجمهوريات السوفياتية، في انتظار ما يمكن أن تسفر عنه صراعات البلطيق من جانب، وما يمكن أن تنتهي إليه الخلافات الشخصية بين يلتسين وغورباتشوف من جانب آخر. ولعل ما نجح فيه يلتسين ورفاقه الجدد من ممثلي التوجهات اليمينية الليبرالية، وكانوا في معظمهم من اليهود، من تشكيل جبهتهم المعارضة تحت اسم «مجموعة النواب الإقليمية»، يمكن أن يكون بمثابة الشرارة الحقيقية التي سرعان ما أضرمت النيران في أطراف الثوب السوفياتي.

وبدأت التحركات تحت مختلف الشعارات، ومنها تشكيل الجبهات القومية تحت شعارات فضفاضة على غرار تأييد البيريسترويكا، ومنها روخ في أوكرانيا، وسايوديس في ليتوانيا، جنبا إلى جنب مع المجموعات الإقليمية داخل مؤتمر نواب الشعب للاتحاد السوفياتي. وذلك كله، ما امتدت نيرانه لتطال الحزب الشيوعي السوفياتي، الذي شهد علانية ولأول مرة، التجاذبات السياسية، وما انتهت إليه من إعلان إسقاط المادة السادسة من الدستور السوفياتي التي كانت تكفل للحزب الشيوعي السوفياتي شرعية الهيمنة واحتكار السلطة في كل ربوع الاتحاد السوفياتي.

علم الاتحاد السوفياتي

يلتسين أول من رفع راية الانفصال عن الاتحاد السوفياتي.. كيف؟

لم يفارق بوريس يلتسين حلم الثأر من ميخائيل غورباتشوف، ردا على ما كان توعده به من عدم السماح له بالعودة إلى ساحة السياسة الكبرى يوم طرده من المكتب السياسي للحزب عام 1997. ووجد ضالته بين أروقة مؤتمر نواب الشعب للاتحاد السوفياتي. وأسس مع عدد من نجومه «مجموعة النواب الإقليمية»أول جبهة معارضة في تاريخ الاتحاد السوفياتي المعاصر، ومعها مضى إلى ما هو أبعد.

شد الرحال إلى جمهوريات البلطيق، دعما لتوجهاتها الانفصالية، وهي التي كانت أول من بادر بالكشف عن الرغبة في الانفصال عن الاتحاد السوفياتي الذي ضُمًت إليه قسرا مع أولى سنوات الحرب العالمية الثانية. لم يبخل بالتأييد والتضامن مع الانفصاليين في جورجيا وأذربيجان، تمهيدا لما كان يضمره على مستوى روسيا الاتحادية.

بين أروقة مؤتمر نواب الشعب لروسيا الاتحادية وجد ضالته. انطلق من توجهات قومية، دفاعا عن حقوق روسيا التي ثمة من انتقد إغداقها العطاء إلى بقية الجمهوريات السوفياتية خصما من حقوق ومصالح أبنائها. وجد في التقرير الذي قدمه ألكسندر فلاسوف رئيس مجلس وزراء روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية «حول الوضع الاجتماعي والاقتصادي في روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية»ما يؤكد عدالة توجهاته. احتدم الجدل، وتفاقمت الخلافات حول ضرورة العمل من أجل تصحيح المسيرة دفاعا عن اسم روسيا. واجتمع المختلفون حول ضرورة الدفاع عن قدسية الاسم والمعنى. قالوا بضرورة العمل من أجل إعلاء سيادة الدولة بكل رموزها. ومن هنا بزغت فكرة إعلان السيادة، بما يسمح بخروج روسيا من تحت عباءة المركزية السوفياتية.

تنافس المتنافسون في تجويد الفكرة وتعميق المضمون والدلالات، ليخلصوا جميعهم إلى حتمية الدفاع عن الأصالة والهوية على حد قول كثيرين، وهو ما أودعوه نص الإعلان الذي وإن لم تشر نصوصه صراحة إلى الاستقلال، إلا أنها كانت إضافة إلى ما سبق وانتهجته جمهوريات البلطيق وآخرون من توجهات انفصالية عن الاتحاد السوفياتي.

وفي 12 يونيو (حزيران) 1990 جرى التصويت الذي أقر «إعلان سيادة الدولة في روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية»بأغلبية ساحقة: 907 مع، و13 ضد، وامتناع 9 عن التصويت.

وفي اليوم التالي جرت انتخابات رئيس هيئة رئاسة السوفيات الأعلى التي استمرت لأكثر من جلسة بسبب عدم حصول المرشح للمنصب على النصاب القانوني للفوز. سارت الأمور سجالا بين يلتسين مرشح القوى الليبرالية الديمقراطية الجديدة، ومنافسه إيفان بولوزكوف مرشح الشيوعيين والتيارات المحافظة، حتى انتهى المطاف بفوز يلتسين بفارق أربعة أصوات فقط.

 وعن هذه الجولة يقول بولوزكوف إنه كان يتقدم دوما في كل الجولات بفارق 120-130 صوتا، حتى جاءه الأمر من المكتب السياسي بسحب ترشيحه لإخلاء المكان لألكسندر فلاسوف رئيس الوزراء آنذاك، الذي خسر الانتخابات بفارق أربعة أصوات لا غير!

لكن المهم أن الواقعة كانت قد وقعت، بإعلان روسيا الاتحادية أكبر جمهوريات الاتحاد السوفياتي والدولة الأولى التي بادرت بطرح فكرة الاتحاد، عن توجهاتها الانفصالية، وهو ما اتخذته ذريعة لذات التوجه بقية الجمهوريات وفي مقدمتها جمهورية أوكرانيا ثاني كبريات الجمهوريات السوفياتية.

فلم يمض من الزمن سوى شهر واحد تقريبا حتى اتخذت أوكرانيا ذات السبيل. في 16 يوليو من العام نفسه أقر مجلس السوفيات الأعلى لجمهورية أوكرانيا السوفياتية الاشتراكية إعلانا مماثلا حول سيادة الدولة، قال ليونيد كرافتشوك أول رئيس لأوكرانيا إنه كان وراء فكرته، التي سرعان ما انتشرت بين الجمهوريات الأخرى كالنار في الهشيم كما يقال.

كان غورباتشوف يقف على مقربة، دون اتخاذ موقف حاسم يضع حدا لكل هذه التوجهات الانفصالية، مكتفيا بالمتابعة والتعليق. وصف غورباتشوف ما جرى بأنه «استعراض للسيادات». اكتفى رئيس الدولة بما كان يقدمه رؤساء هذه الجمهوريات من تفسيرات ومبررات، وفي مقدمتها روسيا بأن الأمر يتعلق بـ«إعلان سيادة الدولة»وليس «استقلالها». لكن ما تضمنه هذا الإعلان من بنود كان كافيا لتأكيد أن الحديث يدور عن «استقلالية روسيا وإبعادها عن سطوة القيادة الفيدرالية». ومن هذه البنود ما كان ينص على أولوية دستورها وقوانينها على القوانين الفيدرالية التي لا يُعْتَد بها في حال مخالفتها للقوانين الروسية. وذلك فضلا عن الحقوق الأخرى ومنها حق الانفصال عن الاتحاد السوفياتي.

كرافتشوك مع بوريس يلتسين في 1993

يلتسين وكرافتشوك

بوريس يلتسين أول رئيس لروسيا الاتحادية، وليونيد كرافتشوك نظيره في أوكرانيا كانا أول من اتفقا حول فكرة إنهاء وجود الاتحاد السوفياتي. وجد كل من الرئيسين في الآخر ضالته، للخروج سويا من عباءة السلطة المركزية ورمزها ميخائيل غورباتشوف. كلاهما شب وترعرع في كنف الحزب الشيوعي السوفياتي، بل وكان كرافتشوك المسؤول العقائدي للحزب في أوكرانيا بينما كان يلتسين الأمين الأول للجنة الحزب في مقاطعة سفيردلوفسك في الأورال. وحين آلت إليهما مقاليد الحكم والسلطة كل في جمهوريته، توحدت الأهداف. كان واضحا أن كلا من الرئيسين يعلي الخاص على العام. وشهدت الجلسات التي كان يعقدها ميخائيل غورباتشوف منذ مطلع عام 1990 للتوصل إلى صياغة جديدة للمعاهدة الاتحادية حول اتحاد سوفياتي على أسس مغايرة، تقاربا ملحوظا بين مواقف الرئيسين يلتسين وكرافتشوك.

وفي هذا الصدد نشير إلى أن التوجهات الانفصالية لكل من الرئيسين لم تكن تلقى ترحيبا من جانب الدوائر الحاكمة في العواصم الغربية. ويكفي أن نشير إلى اعتراف ليونيد كرافتشوك حول أن الرئيس جورج بوش الأب ناشد أوكرانيا في خطابه الذي ألقاه في مجلس السوفيات الأعلى لجمهورية أوكرانيا قبيل انهيار الاتحاد السوفياتي، عدم تعجل الإعلان عن السيادة والاستقلال، مؤكدا ضرورة تركيز الجهود من أجل الإبقاء على الاتحاد السوفياتي. ومع ذلك لم تتوقف جهود الرئيسين الروسي والأوكراني بالدرجة الأولى عن البحث عن سبيل للخروج من الاتحاد السوفياتي. وأذكر في هذا الصدد أول لقاء جمعني في قصر الكرملين الكبير مع بوريس يلتسين في مايو 1989، وكان قد عاد إلى الأضواء بعد إقالته من المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي؛ قال يلتسين:«إن المسألة القومية مؤثرة كثيرا بسبب تكرار الأخطاء ولا سيما من جانب الحزب بالدرجة الأولى وهو الذي لم يشعر في الوقت المناسب بما لا يجري على هذا الصعيد. ثمة من كان يظن أن هذه المسألة حلت إلى الأبد. لم يجر تحليل ودراسة ما يدور في الجمهوريات الاتحادية. لم يبحث أحد ما يعتمل في نفوس أبناء شعوب وممثلي القوميات الصغيرة من سخط وغضب، وكانوا تحت شعار أهمية بناء مركز قوى أقاموا مركزا ضخما، كان يجب أن يكون تعداد العاملين فيه صغيرا ومستوى القائمين عليه أسمى وأكثر ذكاء. وكان لا بد من تمتع الجمهوريات الاتحادية بالمزيد من الاستقلالية حتى لا تشعر بتبعيتها الشديدة إلى موسكو أو بانتهاك كرامتها القومية».

ومضى ليقول: «وعن جمهوريات البلطيق أقول إنني التقيت بممثليها الذين قالوا صراحة: «إنهم يعرفون ما يريدون. يعرفون قدرهم واحتياجات جمهورياتهم»، وإن كنت لا أنكر أن هناك نسبة منهم تريد الانفصال والاستقلال عن الاتحاد السوفياتي، لكن المسؤولية تقع على عاتق من قلًل من دور الجمهوريات الاتحادية وتطاول على كرامتها. لا بد لنا اليوم من تغيير وعي هذه الجماهير بما يسفر عن تقليص نسبة الراغبين في الانفصال. إننا نستطيع العودة إلى الصيغة التي عرضها لينين في عام 1922 لدى تأسيس الاتحاد وفق معاهدات.

 ولعل ما قاله يلتسين في حديثه الذي نُشِر في مجلة «المصور»في يونيو 1989، كان أقرب إلى ورقة العمل التي حددت مسار نشاطه وتوجهاته في الفترة اللاحقة على مختلف الأصعدة بما فيه ما جرى في إطار علاقاته مع الجمهوريات الاتحادية التي بارك توجهاتها نحو الانفصال والاستقلال فضلا عن رفع لواء العداء للمركز أي للكرملين بعد الإعلان عن تشكيل أول جبهة للمعارضة في تاريخ الاتحاد السوفياتي. ومن هنا كانت اتصالاته المستمرة مع رئيس أوكرانيا كرافتشوك الذي كشف لنا عن بعض ما جرى بينه وبين يلتسين في هذا الشأن.

أما فيكتور كرافتشوك أول رئيس لأوكرانيا جرى انتخابه قبيل انهيار الاتحاد السوفياتي، وفي لقاء معه في كييف قبيل أول زيارة يقوم بها إلى القاهرة في مطلع تسعينات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد، قال تعليقا على خلافاته مع غورباتشوف ودور يلتسين في انهيار الاتحاد السوفياتي، إن يلتسين زاره في كييف في أعقاب مداولات صياغة المعاهدة الاتحادية التي كان من المفروض أن يوقعها رؤساء الجمهوريات السوفياتية عدا جمهوريات البلطيق وجورجيا ومولدوفا وأرمينيا. قال يلتسين إنه مكلف من جانب غورباتشوف بأن يعرض عليه، أي على كرافتشوك إدخال ما يراه مناسبا من تعديلات حتى يتسنى طرح المعاهدة للتوقيع. قال كرافتشوك إنه رد على يلتسين بقوله: «وما رأيك أنت في هذا؟».

وحين أعلن يلتسين أنه سيوافق على ما يعلنه كرافتشوك من مواقف، قال الرئيس الأوكراني إنه لن يوقع على أية معاهدات اتحادية، وهو ما عقب عليه يلتسين بقوله: «وأنا أيضا لن أوقع مثل هذه المعاهدة».

كان يلتسين شغوفا بفكرة التخلص من غورباتشوف. أعلن عن ذلك صراحة في أكثر من مناسبة. ويذكر المراقبون ما سبق وقاله في أعقاب عودته من تالين في 14 يناير (كانون الثاني) 1991 التي بارك فيها إعلان رؤساء جمهوريات البلطيق عن قرار الانفصال عن الاتحاد السوفياتي. كشف آنذاك عن أن رؤساء روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان ودون انتظار لتوقيع المعاهدة الاتحادية قرروا عقد اتفاق رباعي. بل وأضاف تأكيدا على توجهاته نحو الاستقلال قوله:«إنه لن يستطيع على ما يبدو الدفاع عن سيادة روسيا بدون جيش روسي».

وهكذا كشف يلتسين عن ملامح خطة لم تكن قد اختمرت بعد. وجاءت أحداث انقلاب أغسطس (آب) 1991 لتحمل المزيد من المبررات التي ساهمت بشكل مباشر في تمهيد الأوضاع اللازمة لما توصل اليه الرئيسان الروسي بوريس يلتسين والأوكراني ليونيد كرافتشوك من تنسيق لخطواتهما على طريق التخلص من الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف.

 

 شبه جزيرة القرم

كشف انقلاب أغسطس 1991 عن الكثير من العلامات الفارقة والتطورات المحورية التي أطاحت بما بقي من آمال في إمكانية إنقاذ الاتحاد السوفياتي من المصير الذي آلت إليه أوضاعه وشعوبه مع نهاية العام. شخص بوريس يلتسين بكل قامته وبما عُرِفَ عنه من سمات تصادمية، وعشق للسلطة ليثير حفيظة ومخاوف نظرائه من رؤساء الجمهوريات السوفياتية الأخرى. سارع إلى انتهاز الفرصة، وتلقف هدية القدر التي كانت تكِئة لما أصدره من قرارات حملت بين طياتها ما يشير إلى أنه في سبيله إلى الاستئثار بسلطات رئيس الدولة السوفياتية وليس مجرد تحقيق الانفصال أو الاستقلال لروسيا. بل وأعرب عن استعداده للتخلي عن الكثير من حقوق روسيا التاريخية ومنها حقها في استعادة شبه جزيرة القرم التي تحمس الزعيم السوفياتي الأسبق نيكيتا خروشوف (أوكراني الأصل) لنقل تبعيتها الإدارية من روسيا الاتحادية إلى أوكرانيا في عام 1954، ثمنا لحلمه التاريخي حول الانفراد بالسلطة والتخلص من غريمه التاريخي ميخائيل غورباتشوف، وهو ما سنتوقف عنده بالكثير من التفاصيل.

أما عن قضية القرم، فتلك قضية شديدة التعقيد، احتدم ولا يزال يحتدم حولها جدل طويل، ومنه ما قاله سيرغي خروشوف عالم الصواريخ وابن الزعيم السوفياتي الأسبق نيكيتا خروشوف الذي تخصص في علوم التاريخ قبل هجرته إلى الولايات المتحدة في نهاية ثمانينات القرن الماضي.

 قال سيرغي خروشوف:«لقد اتفق يلتسين وكرافتشوك في بيلوفيجسكايا بوشا (في بيلاروسيا على هامش توقيع اتفاقية خروج روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا من الاتحاد السوفياتي في 8 ديسمبر 1991) على أن شبه جزيرة القرم ستكون جزءًا من أوكرانيا المستقلة. قرأت في مذكرات كرافتشوك أنهم عندما التقوا جميعًا في بوشا ووافقوا بالفعل على إنهاء معاهدة الاتحاد والانفصال، راودته فكرة التساؤل عما يمكن أن تكون عليه تبعية شبه جزيرة القرم. ولذا فقد سألت يلتسين:«بوريس نيكولايفيتش، ماذا عن شبه جزيرة القرم؟». ومضى ليقول إن يلتسين رنا طويلا إلى المائدة قبل أن يقول: «آه.. نعم. خذها!».

غير أن ما قاله ليونيد كرافتشوك حول هذا الشأن يقف على طرفي نقيض مما قاله سيرغي خروشوف، وما تناقلته المصادر التاريخية حول قرار الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف.

وأكد كرافتشوك أن السبب الرئيسي لنقل تبعية القرم إلى أوكرانيا كان اقتصاديا بالدرجة الأولى. وعزا ذلك إلى تدهور الاقتصاد والأوضاع المعيشية لسكان القرم. واستند في حديثه إلى مذكرة ألكسي كيريتشينكو سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأوكراني آنذاك المؤرخة في 4 يناير 1954 حول حالة الزراعة في مقاطعة القرم، التي حرص فيها على الاستشهاد بالأرقام والإحصائيات على تأكيد أن أوضاعها تدهورت كثيرا عن المستوى الذي كانت عليه في عام 1940.

كما يستشهد الأوكرانيون أيضا بما قاله ألكسي أدجوبي الرئيس الأسبق لتحرير صحيفة «إزفيستيا» صهر الزعيم السوفياتي خروشوف، حول أنهما «قاما في أكتوبر (تشرين الأول) 1954 بزيارة شبه جزيرة القرم ليجداها لا تزال تعيش تبعات وآثار الحرب العالمية الثانية، حيث انتشر على جانبي الطريق حطام المدافع والدبابات، والأحجار التي حرص العسكريون على تجميعها في أكوام متراصة في ذكرى رفاقهم من شهداء الحرب، بينما بدت قراها وعزب التتار خاوية على عروشها مقفرة من سكانها»، الذين كان الزعيم السوفياتي ستالين أمر بترحيلهم إلى خارج شبه جزيرة القرم في سهوب كازخستان.

غير أن لقصة القرم فصولا أخرى نستعرضها بالمزيد من التفاصيل في الحلقة الثانية من هذا الموضوع، وهي التي تقف مع غيرها من قضايا الأراضي التاريخية المتنازع حولها بين روسيا وأوكرانيا، في صدارة أسباب ما يتابعه العالم من احتراب ومواجهات عسكرية ترقى في الكثير من جوانبها حد الحرب الشاملة التي تكاد تحمل العالم إلى مشارف حرب عالمية ثالثة.

 


مقالات ذات صلة