مقاهي سوريا... بين الحاضر والماضي

من تجمع بشري وتفاعل اجتماعي.. لصالون ثقافي وسياسي
مقاهي دمشق تروي سيرة المدينة

دمشق: ضحكات وسهرات وليال ملاح، راوٍ يلقي على مسامع الناس قصصاً من البشرية التي تواترت من جيل إلى آخر، وفعاليات خيال الظل، ومخططات ثم لقاء وتسامر بعد عمل وعناء، عبارات تلخص حالة المقاهي التي اعتدنا الذهاب إليها رفقة عدد من الناس لقضاء الوقت مع مشروب تختاره يكون بمثابة رخصة التواجد في ذاك الحيز من الفراغ.


لم تكن المقاهي هي المكان الذي أوجد أول تواصل جمعي كبير بين البشر، بل كانت هنالك أماكن عديدة تبعاً للحاجات والضرورات فالزاوية مثلاً في الشام كانت بمثابة ملتقى المريدين بشيخهم أو العلامة الذين يتبعونه ويتلقون العلم على يديه، في حين الكتّاب كان نقطة للتعليم ويمكن تشبيهها بالحلقات التدريسية التي انتشرت عبر التاريخ، فيها يجلس المعلم أو الشيخ ويتحولق الطلاب أو التابعون لسماع ما يقال.


لا يمكن تجاهل أن الحلقات كانت فيما مضى عبارة عن جلسات فلسفية لحكماء في العصر اليوناني وتوالت لتأخذ شكل جلسات علمية خاصة وإن كان هنالك عالم أو شيخ جديد قد حط عندهم، فيسمعون ما لديه ويتناقشون حول الأمور الجدلية، وكان هذا الانتقال من التلقين إلى النقاش بوادر صناعة الرأي واختلافه المعلن على الملأ.

لماذا كان المقهى؟
يقول أحد سكان دمشق ممن عاصروا أحفاداً لسياسيين وأصحاب فكر وتحديداً في الشأن العربي والإسلامي (فتحي بيك) اسم مستعار، بعد سيطرة العثمانيين على المنطقة العربية وغيرها في أوروبا، توالت الحركات الفكرية والاختلافات في الآراء حول ما يجري مع ظهور تيارات مناهضة، إلا أن السياسة العثمانية آنذاك استطاعت القضاء عليها بسبب السيطرة الواسعة عبر رجال الأمن والحاكمين الفرعيين ممن أطلق عليهم لقب «الأغا» ومع غلبة الفكر الواحد كان لا بد من وجود مكان يجمع أصحاب الفكر المشترك بعيداً عن الأعين كي لا يصابوا بالأذى.


وعندها كانت الخربة أو العمارات المتهالكة لبنة أولى للمقاهي ولكن دون وجود مالك لها ويتم في ذلك المكان تقديم مشروبات الزهورات أو اليانسون، بعيداً عن القهوة ذاك المشروب الذي غير شكل مكان التجمعات واسمه وحصل على شهرة كبيرة باستخدامه واعتماده.


يروي فتحي بيك عن مرويات شعبية تقول إن القهوة جاءت من البدو في منطقة الحبشة عندما اكتشفوا أن قطعانهم لا تنام بسبب تناول حبوب سوداء اللون وهي البن، فقاموا بغليها مع الماء وتناولها إلى أن نقلت لليمن وبعدها للشام فتركيا نحو العالم.


وبغض النظر عن فكرة النشوء والاختلافات حولها إلى أن القهوة استخدمت بشدة خلال الفترة العثمانية وكانت حكراً على الرجال، ليقووا على ممارسة طقوس العبادة، فكانوا بحاجة لشراب يوقظهم أثناء الليل، في حين اعتبرت القهوة مشروباً فاخراً وغالي الثمن لا يقدم لأي شخص.


ونتيجة لشيوع البن واعتماده مشروباً رئيسياً في كل الجلسات الاجتماعية كنيت الأماكن التي تقدم بها بالمقهى وصانعها هو «القاهي» الذي ينتقي حبوب البن ويحمصها ثم يطحنها ويغليها، وجاء هذا التجمع ليشرب الناس قهوتهم ويلتفتون للعبادة وبقيت كذلك حتى باتت شكلاً من أشكال التجمعات البشرية للتسلية والترفيه والفضفضة ومساحة للنقاش.


وبحسب المعلومات المتداولة فإن المقاهي أخذت في الظهور أوائل القرن السادس عشر وانتقلت إلى بريطانيا في منتصف القرن السابع عشر وافتتح مقهى في لندن كان هدفه تجاريا بين العثمانيين والإنجليز، ثم شاعت المقاهي وفتحت أبواباً لتجمعات سياسية ونقاشات بين الناس، ونتيجة لكثرة الآراء في لندن حول السياسات قرر التاج البريطاني منع القهوة لسبب مباشر وهو أن القهوة تسبب مشاكل صحية للبشر، لكن سببها الأساسي كان منع الأحاديث السياسية في تلك الأماكن التي أخذت تتزايد يوماً بعد يوم لتكون طقساً يومياً ليس عند الإنجليز فحسب بل في كل العالم.

الانتشار في سوريا
كغيرها من الدول في العالم، لعبت المقاهي دوراً في التجمعات البشرية وأسست للعديد من الحركات الفكرية والسياسية، حتى وصلت لتغدو مصنعاً للقرار، ومثالاً على ذلك، شهدت قهوة الهافانا قرب منطقة الحجاز وسط العاصمة انطلاق أحد أشهر الأحزاب السياسية في سوريا، والذي استمر إلى الوقت الراهن وهو حزب البعث العربي الاشتراكي، في 7 أبريل عام 1947.


وبقي من جيل المقاهي القديم عدد قليل منها وتحديداً في مراكز المحافظات لكونها اعتبرت محط أنظار نحو الحضارة والبساطة والطريقة التقليدية في تقديم المشاريب، إضافة لاحتواء هذا النوع من المقاهي المعتقة بالكتاب وكبار السن الذين يروون قصصاً عما حدث أو ما شاهدوه.

منها انطلقت أهم التجمعات السياسية


الروائي والصحافي خليل صويلح قال لـ«المجلة»، إن قهوة الروضة التي تقع في شارع العابد قرب البرلمان السوري، تعتبر بمثابة برلمان حقيقي لتبادل الأفكار والشائعات والنميمة السياسية والثقافية، حول فنجان قهوة ونارجيلة وطاولة نرد.


بالنسبة لخليل فإنه يجد داخل الروضة جريدته اليومية يقلب الوجوه ويلتقي الأصدقاء، بالإضافة إلى القراءة والكتابة أحياناً، مع تأمل صخب 600 كرسي من الخيزران، هنالك مئات الوجوه يومياً، تتحدث عن كل شيء حوارات صاخبة، جلسات تأمّل، مشاريع كتابة، وحكايات عاطفية صامتة.
من جهته، قال الباحث والمفكر دكتور سامي المبيض: «المقهى لم يندثر ولكن شكله تغير وكذلك رواده، في السابق كان حكراً على الرجال وعلى مفكري اليسار، ولكنه أصبح اليوم متاحا للرجال والنساء».


وتابع: تغير الاسم وأصبح «كوفي شوب» بدلاً من «قهوة»، كما أقفلت معظم المقاهي القديمة أبوابها، ولم يبقى منها إلا الكمال والهافانا والروضة، علماً أن الأفكار لا تزال تناقش في المقاهي ولا تزال تكتب فيها الروايات، حتى لو اختلفت المواضيع، واختلف جمهور القراء، لذلك يمكننا القول إن المقاهي تراجعت في نفوذها وشعبيتها، عوضاً من الجزم أنها اندثرت، ولا ننسى العامل الاقتصادي، حيث إن جلسة المقهى بشكل يومي لم تعد مقبولة من الناحية المادية، لمعظم أفراد الشعب السوري.


يعتبر المبيض أن مقهى الروضة كان نموذجاً مصغراً من المجتمع السوري بالعموم، والدمشقي بالخصوص، فيه يجلس الغني مع الفقير، والشهير مع المغمور، المثقف إلى جانب الأمّي، والمسؤول إلى جانب المواطن العادي ولعله أول مقهى شعبي فتح أبوابه أمام الفتيات، ونبعت أهميته الجغرافية لكونه محاذيا لمجلس النواب.


ويرى المبيض أن أهمية الروضة استثنائية، لأنه الوحيد الذي بقي وسط البلد حاملاً معه رونقاً من الماضي، وكثرة المثقفين الكبار الذين كانوا من روادها مثل محمد الماغوط وعبد السلام عجيلي، في حين جلس على كراسيه أنقاض الساسة العراقيين من نوري المالكي، وجلال طالباني، وصدام حسين.

مقاهي دمشق محفز على النقاشات


وبعيداً عن التخصص لمقهى على حساب آخر، كانت المقاهي في سوريا تحمل طابعاً توعوياً ترفيهياً على مستوى القصص والحكايات التي بدأت مع القرن السابع عشر من الرواة و«صندوق العجائب» و«كركوز وعواظ» والأخير الذي سجلته اليونيسكو لسوريا على أنه تراث غير مادي.
ذكر الكاتب والمفكر مروان مراد في إحدى كتاباته قبل وفاته أن شكل الحكايات في الداخل السوري كان لها نصيب مما يحدث في البلد وتمثل بشكل كوميدي لترفيه الزبائن وفي بعض الأحيان يدفع المال لزيادة حدة القصة أو تقليب الآراء حول قضية ما، ومثال على ذلك ما نقله المسلسل السوري «الحصرم الشامي جـ2» عما فعله ابن أحد الآغاوات بالهرب مع فتاة متزوجة.


وبغض النظر عن التشرذم الحاصل في فترة الاحتلال العثماني لسوريا، أخذت الحكايات والقصص بالاختلاف تبعاً لما يجري فما كان مسموحاً للتداول والابتكار في فترة ما تغير ليغدو قصصاً تحكي البطولات العربية والأجداد من عنترة وقيس والزير وحمل السلاح في وجه الظلم وهذا الذي راج في أواخر الحكم «العثماني» قبل الحرب العالمية الأولى و«السفر برلك».

التغيرات أصابت المقاهي في 2022
يقول الروائي السوري خليل صويلح الحاصل على جائزة الشيخ زايد ونجيب محفوظ للرواية إن المقاهي القديمة تستقطب شرائح متعددة من البشر بنوع من الألفة المتراكمة، وهو ما تفتقده المقاهي الحديثة، إذ ينصرف رواد المقاهي الحديثة إلى كمبيوتراتهم للتواصل عبر الانترنت مع أشخاص بعيدين، من دون الالتفات إلى من يجلس معهم، وتالياً فإن ما تقترحه شاشة الكمبيوتر أو الهاتف الجوّال من خبريات وفضائح هي التي تخلق التواصل الوهمي، فيما يصنع رواد المقاهي القديمة دائرة للنقاش والسجال، أقصد شريحة المثقفين على نحو خاص.


ويبين أن الجلوس في المقهى القديم ليس مزاجاً يدعو للحنين نحو الحياة الماضية بل ربما نوع من العبودية لمكان أليف يدعو للطمأنينة أكثر، فيما تعمل المقاهي الحديثة على نبذ الألفة لمصلحة العزلة الفردية.

كانت تجمعاً لروادها وباتت مكاناً للخصوصية الفردية


فيما اعتبر أن المقاهي لم تعد فضاءً ثقافياً خالصاً بقدر ما هي خليط بشري غير متجانس أفرزته سنوات الحرب والنزوح، فتداخلت اللهجات والأزياء وطبقات الصوت المرتفعة، ومن هذا الجانب أنظر إلى التحولات السسيولوجية في المجتمع السوري، مع ازدياد عزلة المثقف بوجود طبقة هجين تنظر للمثقف بازدراء.


وبرأي صويلح فإن التحولات التي أصابت مدينة دمشق، لعلها عملت على صناعة جزر متجاورة ومتنابذة لرواد المقاهي تبعاً للطبقة التي ينتمي إليها رواد هذا المقهى أو ذاك كنوع من الفرز الطبقي، فرواد مقهى الروضة الذي تأسس عام 1938، يختلفون عن رواد مقاهي حي الشعلان، والأمر نفسه بالنسبة لرواد مقاهي المالكي أو أوتوستراد المزّة، فهناك فرق يقارب فكرة الشخص الذي يستعمل الميكروباص في تنقلاته ومن يمتطي سيارة فاخرة.
فراس القاضي صحافي سوري، اتخذ من قهوة الروضة مكتباً له يعمل هنالك ويلتقي الناس ويتحدث معهم ويتباحث في الشؤون مع الأصدقاء ورواد المقهى الذين أصبحوا أصدقاءه، يقول لـ«المجلة» إن المقهى مكان حميمي جداً للكثير من الأشخاص الذين يشعرون بتلك الحميمية ومن المرة الأولى، فتسبب الإدمان لمرتاديها مع خلق للراحة النفسية، كما أن العمل هنا يساعدني على لقاء الناس بشكل أسرع نسبة لموقعه الجغرافي المتميز.

رغم الحرب حافظت على وجودها


ويتابع القاضي: أنا شخصياً أحب هذا المقهى رغم أنه لم يعد شعبيا فأسعاره لم تعد تليق بهذه التسمية كما في السابق ونتيجة قربه ومكانه فقد جرى فيه عدد من اجتماعات العمل والورشات التدريبية وخصصت لنفسي مكتباً هنا أجلس فيه لكتابة مقالاتي.


بالنظر إلى الحالة الفكرية للمقاهي فإنها ورغم اختلاف الشكل إلا أنها حافظت على دورها في التحفيز من خلال النقاشات أو المباحثات أو التجاذبات في السياسة والاقتصاد والتاريخ والدين إضافة للهمسات العاطفية بين اثنين، كلها كانت سببا في فتح المجال أمام مخيلة الكتاب سواء الروائيين أو الصحافيين حتى إن لم تكن الكتابة على «تربيزة» المقهى، إلا أن ما سمع سيعود للتدوين على ورق «مكتبة المنزل».