من انتصر في لبنان؟

من المفروض أن تكون الانتخابات النيابية الديمقراطية في بلاد العالم الديمقراطية هي المرجح لخيارات أكثرية على خيارات أخرى. هكذا مثلا في فرنسا، حيث حسم الفرنسيون خيارهم بانتخاب الرئيس ماكرون وإقصاء اليمين المتطرف المتمثل بماري لوبان. صناديق الاقتراع يفترض أن تعبر عن توجهات الناس، وفي حال لم يكن هناك حسم في اتجاه ما وفشلت الانتخابات في اختيار أكثرية تعاد العملية الانتخابية كما في إسرائيل مثلا، لحين الوصول إلى أكثرية واضحة تستطيع تأليف حكومة وقيادة البلاد. فالنظام أيا كان ومهما تكن الحالات يجب أن يحتوي على آلية تؤمن حلولا للمآزق.

إلا في لبنان. لأن الانتخابات هي عبارة عن استفتاء شعبي للزعامات الطائفية التي يرى فيها المنتخب أفضل من يدافع عن مكتسباته في الدولة. ليس هناك برامج اقتصادية أو اجتماعية ينتخب على أساسها الناس إنما عصبيات قبلية. لذا نرى أن في الانتخابات الأخيرة التي جرت في الجمهورية اللبنانية كل الخيارات انتصرت. ما يسمى «التغييريين»أي بعض الوجوه التي تناغمت مع اندلاع احتجاجات 17 تشرين من العام 2019 حصدوا عددا لا يستهان به من المقاعد النيابية وهو ما اعتبر تعبيرا عن سخط بعض الناخبين على السلطة القائمة والطاقم السياسي، الزعامات التقليدية هي الأخرى نجحت جميعها في حشد جمهورها ودفعهم إلى تجديد «البيعة»لهم.

يستطيع المراقب أن يقول بكل ثقة إن الجميع ربح أو لم يخسر أحد. ما يعني عمليا أن كل فريق يستطيع تبعا للنتائج التي حصل عليها أن يقول إن خياراته أو شعاراته التي انتخب على أساسها نجحت. الأحزاب المعارضة لحزب الله تستطيع أن تقول إن الناس لا تريد دولة برأسين وهذا بدا واضحا من نتائج الانتخابات، كما يستطيع حزب الله أن يقول إن شعبه انتخب نهجه. إذن لبنان أمام مأزق أو حائط مسدود. وذلك من شأنه أن ينعكس على الاستحقاقات التي تلي العملية الانتخابية من اختيار النواب لرئيسهم ومن ثم اختيار اسم ليرأس الحكومة وأخيرا انتخاب رئيس للجمهورية في سبتمبر (أيلول) خلفا للرئيس عون.

هذه الاستحقاقات، في ظل تأكيد كل الأطراف على انتصارها وشعاراتها، مرشحة بالتعطيل وبالتالي إدخال البلد في مرحلة فراغ مجددا.

إنها معضلة كبيرة.

المشكلة الأولى تكمن في استحالة تطبيق مبدأ الأكثرية على الأقلية في بلد يتغنى ناسه وسياسيوه بتطبيق مبدأ التوافق لتسيير الشأن العام مهما بلغت بساطته، كتعيين موظفين في ملاك الدولة من الدرجة الرابعة وتأمين الميثاقية المذهبية في أي استحقاق كان. المشكلة الثانية تكمن في أن كل فريق يتحصن وراء اقتراع طائفته له ما يعطيه حصانة ومناعة له داخل النظام الطائفي وتوكيدا لرؤيته السياسية. فمن يعتقد باستحالة تعايش سلاحين في دولة واحدة له جمهور كبير، ومن يعتقد أن لا بديل عن سلاح «المقاومة»للبنان دفاعا ضد أطماع إسرائيل في مياهه وما تحويها، له هو الآخر جمهور عريض. الانقسام بين الفريقين واضح والانتخابات أعطت لكل فئة حقا فيما يقوله من خلال تصويت الجمهور طائفيا لخيارات زعمائه الطائفيين.

التعطيل إذن حاصل ليبرهن مرة أخرى أن النظام اللبناني غير قابل للحياة بحيث إن الأزمات التي تتوالى عليه منذ عشرات السنين تؤدي إلى انهيار الدولة رويدا رويدا. فتعطيل مؤسسات الدولة له تأثير كبير على الأوضاع الاقتصادية والعلاقات المالية مع الهيئات المانحة أكانت دولا أم مؤسسات وعلى مدخولها وعلى هجرة شبابها.. إلخ.

بالرغم من الانتخابات، فإن لبنان يدخل نفقا مظلما وسيكون من المستحيل أن يوقع صندوق النقد الدولي على أي اتفاق مع لبنان من دون حكومة ورئيس منتخب. وبالتالي مليارات الإنقاذ لن ترى طريقها إلى مالية الدولة تمهيدا لتعافٍ بطيء ولكنه أكيد. ثم يجب أن لا ننسى أن الأزمة الأوكرانية اليوم هي في قلب اهتمامات العالم والمساعدات المالية تذهب بمجملها لدعم هذه القضية وقد يكون لبنان أكثر المتضررين من هذا التحول في اهتمامات الدول والمؤسسات المالية.

ربما يكون المشرّع اللبناني قد ترك الكثير من الغموض والأمور المبهمة دستوريا وقانونيا ليعطي التسويات الفرصة الأكبر في إدارة الأمور السياسية للبلد ومكوناته المنقسمة طائفيا ومذهبيا، ولكن هذه الفلسفة قد وصلت إلى حدّها وأدّت إلى انهيار الدولة من خلال تعطيل عمل مؤسساتها شهورا وسنوات للتوصل إلى توافق بين مكونات البلد.

ألم يحن الوقت لطرح الثقة في النظام، والبحث عن آخر يضع لبنان على خط الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟