الإمارات: المتغيرات والثوابت في نهج الرئيس الثالث

شيعت الإمارات العربية المتحدة يوم الجمعة 13 مايو (أيار) 2022 رئيسها الثاني الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان إلى مثواه الأخير، بعد أن أمضى أزيد من خمسين سنة في خدمة بلاده بدأها مساعدا ووليا للعهد لوالده الشيخ زايد بن سلطان مؤسس الدولة الفتية وباني نهضتها، الذي أوكل إليه مهام جسيمة كان أبرزها تأسيس صناديق استثمار سيادية غدت رائدة عالميا (جهاز أبوظبي للاستثمار، وصندوق أبوظبي للتنمية)، ولكن أكثرها أهمية هي مهمة استكمال توحيد القوات المسلحة التي أتمها سنة 1976، مرسخا قوام الدولة الاتحادية، وموطدا عرى الوحدة بين أعضائها.

وبعد أن استلم مشعل القيادة سنة 2004 خلفا لوالده الراحل بإجماع أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حرص الشيخ خليفة على مواصلة مسيرة التطور والنماء لبلاده، عاقدا العزم على  نقلها من مرحلة التكوين التي اجتازتها الدولة باقتدار إلى مرحلة التمكين، التي شهدت الإمارات خلالها طفرة اقتصادية كبرى، ونهضة عمرانية غير مسبوقة.

وقد حرص على أن يواكب هذا التطور الاقتصادي انفتاح سياسي داخلي جسدته عملية توسيع المشاركة السياسية بالانتخاب وليس بالتعيين فقط، مما ساهم في ولوج دماء جديدة للمجلس الوطني الاتحادي (البرلمان)، ثم عملية دعم إسهام المرأة والشباب في البناء والتشييد، ناهيك عن إطلاق ديناميكية دبلوماسية بناءة تؤازرها برامج متنوعة للتعاون والمساعدة ارتدت إما شكل هبات أو قروض ميسرة أو ودائع مالية في بنوك دول معسرة، أو توظيف استثمارات مهمة.

 وإذا كان التاريخ سيسجل كل ذلك بمداد التقدير للشيخ خليفة، فإنه سيحفظ له بصفة خاصة عدم الاستئثار بالسلطة، وحرصه على إشراك إخوانه والعديد من الأطر الإماراتية المتميزة في اتخاذ القرار بسماع الرأي وبتفويض المهام، وهو الأمر الذي جعل انتقال السلطة بعد وفاته إلى ولي عهده ووارث سره أخيه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يمر بسلاسة ودون ارتباك في دواليب الحكم، خاصة وأن هذا الأخير كان قد تحمل العبء الأكبر من المسؤولية، في خضم متغيرات إقليمية وعالمية كبيرة، منذ أن أقعد المرض الشيخ خليفة.

في ظل هذه المعطيات تصعب المراهنة على حدوث تحولات جذرية في السياستين الداخلية والخارجية للإمارات، إذ ينتظر على الصعيد الداخلي استمرار وفاء الرئيس الجديد لنهج أسلافه المتمثل في اتخاذ المزيد من الخطوات الانفتاحية المتدرجة الهادفة إلى تأهيل المؤسسات الاتحادية، وتفعيل دورها بغية تقوية أواصر التماسك الوطني، وتجسيد قيم المشاركة ونهج الشورى الذي جسده الرئيس وهو ولي للعهد بالحرص على عقد مجلس أسبوعي ينصت فيه لشرائح واسعة ومختلفة من المواطنين والوافدين أيضا.

وسيرا على منوال احترام الاستمرارية سيتواصل العمل على صعيد السياسة الخارجية بنفس ثوابت الدبلوماسية الإماراتية، التي يعود الفضل الأكبر في بلورتها ووضعها موضع التنفيذ، وفي تمكينها من الوسائل الضرورية المالية والبشرية للشيخ محمد بن زايد حرصا منه على أن تظل دبلوماسية متوهجة الحضور عالميا خدمة للصورة الجديدة التي يريدها للإمارات كنموذج لمجتمع ينمو ويتطور بشكل حداثي ومعتدل، وكبلد يمثل منارة للتعددية الثقافية والفكرية، وإعلاء قيم التسامح والتضامن الإنساني، ونشر مبادئ التعايش والسلام والاحترام المتبادل دون التخلي عن التزاماته المبدئية في مجال مواجهة الكراهية والتعصب، ومحاربة الغلو والتطرف الدينيين.

إن الوفاء المعهود من القيادة الإماراتية لالتزامات البلاد المبدئية على مستوى السياسة الخارجية لا ينفي اتسامها بالواقعية والمرونة، التي حتمت وستحتم لا محالة إجراء تحولات أو تعديلات ستطال غالبا في المرحلة الأولى الجانب الإجرائي من خلال إعادة تقييم لعدد من المواقف والتحركات الدبلوماسية خاصة على الصعيد العربي والإسلامي بغية التقيد بدقة بما يعرف عن الإمارات من اعتدال واتزان.

في هذا السياق تتوقع مصادر دبلوماسية أوروبية موثوقة اتخاذ خطوات أولية أهمها:

* مضاعفة ميزانيات المساعدات الإنسانية الطبية والغذائية، وتكثيف عمليات إغاثة ضحايا الصراعات ومنكوبي الكوارث الطبيعية.

* مواصلة الالتزام بتوفير الدعم اللازم للأبحاث العلمية العالمية لمواجهة الأمراض المستعصية والمتفشية، ولمحاربة آفات التغيرات المناخية والبيئية.         

* الحد من حماس بعض الشخصيات والجهات المكلفة بتنفيذ بعض البرامج، وترشيد سلوكها الفردي الذي تسبب في سوء فهم لسياسات الإمارات مما انعكس في كثير من الأحيان برودة أو جمودا في علاقاتها مع بعض الدول، فضلا عن الإسهام في إيجاد عداء غير مبرر وغير مقبول تجاه الإمارات.

* إعادة النظر شكلا ومضمونا في الخطاب الإعلامي الموجه للخارج سعيا إلى الإقناع بأن الاستقرار الذي ترومه الإمارات في محيطها هو ذاك الذي يتطلبه الاستثمار وتحقيق الرفاهية والازدهار، ولا علاقة له بالشؤون الداخلية للدول، وبحثا عن الرد بموضوعية وبأساليب مهنية على الافتراءات التي تروج عن البلاد، والاتهامات التي توجه إليها.        

وحسب مصدر دبلوماسي غربي مطلع، فإن عودة الدفء للعلاقات مع تركيا يمثل أولى خطوات إعادة النظر، التي تجسدت مؤخرا في انخفاض مستوى الاحتكاك مع أوساط الإسلام السياسي، وفي التوقف عن المطالبة بإدراج الجماعات الإسلامية وخاصة الإخوان المسلمين في لوائح الإرهاب العالمية المختلفة. فالإمارات في اعتقاده أدركت استحالة التجاوب الأميركي والأوروبي مع هذه المطالب، لأن دوائر المخابرات الغربية لن تفرط أبدا في التواصل مع تلك الجماعات التي تمثل معينا للمعلومات لا ينضب نتيجة تحكمها في مئات من المؤسسات المالية والتجارية، والاجتماعية والتربوية الناشط بعضها في الدول الغربية نفسها.

في أولى تصريحاته بحضور أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد أكد الرئيس الإماراتي الجديد أن حمل الأمانة ثقيل، والمسؤولية كبيرة.. ولكن يبدو من الالتفاف الشعبي حوله أن الثقة في شخصه وفي قيادته أكبر.