النائب السابق لحاكم مصرف لبنان: الدولة مطالبة بتحمل المسؤولية الكاملة تجاه الديون

البعاصيري كشف لـ«المجلة» الأسباب التي أدت إلى انهيار القطاع المصرفي اللبناني
انهيار الليرة أمام الدولار

بيروت: يتفق الخبراء على أن أزمة لبنان الاقتصادية في جوهرها هي أزمة حوكمة وخلافات سياسية وبنيوية أثرت على مجمل النشاط الاقتصادي والمالي، ومع مرور الوقت، أدّت الزيادة الكبيرة في الديون، إلى ارتفاع متزايد في مجال خدمة هذه الديون. كما جعلت الاحتياجات التمويلية السنوية الضخمة للبلاد عرضة إلى التأثُّر بالصدمات الخارجية والإقليمية.


وبرأي هولاء، فإنّ تباطؤ التدفقات المالية والرساميل الخارجية إلى لبنان وتراجع النشاط الداخلي ولا سيما السياحة، دفع مصرف لبنان إلى بذل جهود باهظة التكلفة للغاية لإعادة استقطاب هذه التدفقات إلا أنه في نهاية المطاف، تبين أن سياسة المركزي المالية غير مستدامة، مما أفقد الثقة كليا في العملة وقاد إلى تضخم غير مسبوق نتيجة الاعتماد الكبير للاقتصاد اللبناني على المستوردات من الخارج وبالتالي تلقي القطاع المصرفي ضربة قوية شلت قدرته وجعلته عاجزاً على القيام بأي دور لإعادة دوران الحركة الاقتصادية.

من الاحتجاجات الشعبية المطالبة برد أموال المودعين أمام مصرف لبنان


إذ إن القطاع المصرفي يستثمر نصف موجوداته تقريبا في الديون السيادية اللبنانية، بما في ذلك مصرف لبنان، وربع موجوداته في قروض للقطاع الخاص وهي محفوفة بالمخاطر، لذلك تعاني المصارف فعليا من عدم الملاءة والشح في السيولة.


وعلى الرغم من الإجراءات غير الفاعلة التي وضعت مؤخراً لتقييد حركة الأموال والتعاملات المصرفية، إلا أن المصارف تشهد إقداما كثيفا على سحب الودائع وفي هذه الحالة يُقدم المصرف المركزي عادة على التدخّل وتزويد المصارف بالسيولة الضرورية إلا أن مصرف لبنان حاليا يجد نفسه مقيّدا بسبب محدودية احتياطاتة بالدولار الأميركي، وكذلك بسبب مخاوف من فائض في السيولة بالليرة اللبنانية التي من شأنها إضعاف العملة المحلية أكثر.
ما هو واقع لبنان بعد الانتخابات النيابية التي غيرت خريطة الكتل السياسية، وهل الكتل النيابية الجديدة ستعمل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من البلد وهل ستشكل حكومة جديدة لاستكمال المفاوضات مع صندوق النقد الدولي؟


 هذه الأسئلة طرحتها «المجلة» على النائب السابق لحاكم مصرف لبنان الدكتور محمد البعاصيري وكان هذا الحوار:

* ما وضعية القطاع المصرفي بعد ظهور بنود خطة التعافي وهل تستطيع جمعية المصارف أن تقاضي الدولة ومصرف لبنان؟
- إنّ خطة التعافي المنسوبة إلى الحكومة بحاجة إلى مراجعة جدية وخصوصا بالنسبة إلى تعريف الخسائر وتحديدها ومن ثم توزيعها بشكل عادل مع تحمل الدولة لتلك الخسائر، حيث إنها المدين وكذلك تتحمل المصارف ومصرف لبنان قسما منها، القطاع المصرفي حاليا تصلح تسميته بالزومبي، حيث إن عمل المصارف أصبح بمثابة مؤسسات صيرفة، وبالتالي لا بد لأي خطة تعافٍ تقرها الحكومة أن تحاكي أسباب الأزمة المصرفية ووضع التصور الجذري لأي حل ممكن، في هذه الأثناء أتوقع أن تكون لجنة الرقابة على المصارف قد قامت بدراسة موضوعية للمصارف كل على حدة، وبالتالي تحديد ولو بشكلٍ مبدئي  الخسائر والحلول لها.
أما بالنسبة للعلاقة بين المصرف والمودعين فهي علاقة ائتمانية بغض النظر عن توظيفات المصرف ودرجة مخاطرها. وبالتالي هناك التزام قانوني يتوجب على المصرف تسديد الودائع بالكامل وعلى المصرف اتخاذ جميع الوسائل القانونية المتاحة له بما فيها مقاضاة الدولة ومصرف لبنان وهذا الأمر قد يكون متاحا لمصرف لبنان تجاه الدولة.

* ما وضع لبنان في حال عدم تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات النيابية التي جرت وهل يقبل صندوق النقد بالتفاوض مع حكومة تصريف أعمال؟
- إن احتمال عدم التمكن من تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات الأخيرة سيزيد الأمور المعيشية والاقتصادية تعقيدا، وقد ينعكس هذا الاحتمال على مواصلة المباحثات مع الصندوق واتخاذ أية قرارات ذات أهمية تذكر.

* ما مصير الإصلاحات التي يطالب بها صندوق النقد؟
- الإصلاحات المطلوبة من قبل الصندوق لا يمكن القيام بها من قبل حكومة تصريف الأعمال، وبالتالي تبقى معلقة حتى تشكيل الحكومة العتيدة.
لكن الأهم من هذه الحقيقة، أن تكون الإرادة السياسية متوفرة للقيام بإصلاحات جدية تسبق الأمل بقيامة الاقتصاد الوطني من أزمته القاتلة.

* هل تعتقد أن نتائج الانتخابات ستغير من تصرفات الطبقة السياسية الحاكمة حالياً؟
- أهم ما تؤشر إليه نتائج الانتخابات الأخيرة هو أن التغيير الذي تمظهر في ثورة 17 تشرين الأول، قد تأكد حضوره. الأمل سيكون معقوداً على التغييريين والإصلاحيين دون السلطة التي تتحمل المسؤولية الكبرى التي تعصف بالبلاد.

النائب السابق لحاكم مصرف لبنان الدكتور محمد البعاصيري

* ما خريطة الطريق لإعادة هيكلة القطاع المصرفي؟
- الهيكلة المصرفية تتوقف على خطة التعافي وإمكانية السلطات المصرفية والرقابية على القيام بهذه العملية المعقدة. الهدف الأول والأهم لتلك الخطة هو استعادة الثقة من قبل اللبنانيين والدول المانحة.
استعادة الثقة تتوقف على الالتزام الواضح بإرساء الحوكمة على صعيد إدارات المصارف بالتزامن مع حل سياسي يستعيد فيه لبنان حاضنته العربية، وكذلك ثقة المجتمع الدولي في حل سياسي مستدام. بالطبع تبقى الثقة هي الأساس لاستعادة العافية الاقتصادية والمالية المصرفية، خصوصاً إذا توافرت عناصر العودة إلى السيادة والحضن العربي بالتأكيد.

* ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟
- أولاً: الالتزام الأكيد في إيجاد حل عادل وشفاف يرتكز على التقليل من الخسائر إلى أبعد الحلول بحيث تحمل الخسائر إلى المدين الأكبر أي الدولة، ومن ثم المصرف المركزي والمصارف ورؤساء وأعضاء مجالس إداراتها قبل تحميل أي منها إلى المودعين.
ثانياً: أن تقوم لجنة الرقابة على المصارف بدراسة شاملة وإفرادية لكل مصرف على حدة.
ومن ثم يصار البت من قبل مصرف لبنان إلى تصنيف المصارف إلى تلك القابلة للعيش، وتلك التي يجب على مصرف لبنان الاستحواذ عليها والقيام بتصفيتها بشكل منتظم.
وهنا لا بد من التذكير بوجود قانون الإصلاح المصرفي رقم 110 الذي صدر في أوائل التسعينات من القرن الماضي، والذي لا يزال صالحا للتعامل مع المصارف غير القابلة للاستمرار.
ثالثاً: إنشاء هيئة مستقلة عن مصرف لبنان تعطي الصلاحيات اللازمة للإشراف على إعادة هيكلة المصارف، مع الأخذ بضرورة العمل مع مصرف لبنان والجهات الرقابية ذات الصلة.
ويتوقف نجاح عمل هذه اللجنة على وجود الإرادة السياسية من حكومة ومجلس نيابي للعمل بسرعة على إنشاء هذه اللجنة وإعطائها الصلاحيات اللازمة بعيدا عن المحاصصة والاعتبارات السياسية والولاءات الزعامية في المفهوم اللبناني، الذي ساهم في الوصول إلى الأزمة الحالية التي تعصف بالبلد.
رابعاً: التشجيع على استقدام المصارف العالمية من عربية وغيرها للتواجد في البلد؛ إما بشكلٍ إفرادي أو عن طريق المساهمة في مصارف لبنانية قابلة للاستمرار، وهذا الأمر يبقى في غاية الأهمية لإقناع اللبنانيين من مقيمين ومغتربين بأن استعادة العافية للقطاع المصرفي ممكنة وبأن هناك فرصا جيدة للنهوض بقطاع مصرفي سليم.

* برأيك من المسؤول عن انهيار القطاع المصرفي؟ الحكومات أم مصرف لبنان أم إدارات المصارف؟
- لا يمكن تجزئة المسؤولية فهي مشتركة تتحملها السلطات السياسية المتعاقبة من حكومات ومجالس نيابية. كما أن القطاع المصرفي ومصرف لبنان وهيئاته تتحمل بعضا من المسؤولية ولو كان القسم الأكبر منها تتحملها السياسات العليا والفساد المستشري وغياب الحوكمة والشفافية، وبرأيي الحل السياسي يبقى الأساس للقيام من أنقاض الأزمة التي يعيشها البلد. أمران أساسيان يمكن لهما أن يؤشرا إلى الوصول إلى حل مستدام: الرجوع إلى الوضع الطبيعي للبنان ضمن محيطه العربي بعيدًا عن محاور لا تشبهه، والأمر الثاني يتمثل في تحديد وظيفة لبنان الاقتصادية اعتمادا على التفاضلية الجيوسياسية وخزانه البشري النوعي.

النائب السابق لحاكم مصرف لبنان الدكتور محمد البعاصيري

* هل تعتقد أن أموال المودعين ستعود؟
- الجواب على هذا السؤال يتوقف على القرار السياسي المتمثل في خطة تعافٍ عملية وجدية. كذلك الأمر يتوقف على الإمكانيات الداخلية والخارجية، وفي حال عدم إمكانية تجنيب المودعين أية خسارة محتملة، على الدولة العمل الجاد على استرداد الأموال المنهوبة بشكل علمي وواقعي، بعيدًا عن الشعارات السياسية والشعبوية التي لا تجدي نفعا.

* كيف تنظر إلى وضع الدولار الأميركي على المدى المتوسط والبعيد؟
- مما لا شك فيه أنّ العملة الوطنية أهم مرآة تنعكس فيها الأوضاع السياسية والاقتصادية دون إغفال المضاربة التي قد تؤثر مرحلياً صعوداً أو هبوطاً، ومن الصعب جدا تحديد سعر العملة اللبنانية والذي كما قلت يتوقف على الحلين السياسي والاقتصادي.

* ما الإجراءات المطلوبة لحل مشكلة الديون والعقود في المرحلة المقبلة؟
- القرار المتخذ من قبل حكومة دياب في التوقف عن الدفع دون التباحث مع الدائنين كان كارثياً بكل المقاييس. إذا كان هذا القرار مبنياً على الحفاظ على السيولة وبالتالي الودائع فلماذا إذن قامت تلك الحكومة بتبديد ذلك عن طريق ما يسمى خطة الدعم الفاشلة الظالمة، التي أهدر بسببها ونهبت المليارات من الدولارات ودعم بموجبها الكاڤيار والسلع التي تكون حكرًا على الأثرياء دون الطبقتين المتوسطة والفقيرة؟ لا بد للحكومة المقبلة من التفاوض مع الدائنين لتسديد الديون المتوجبة ضمن إطار استعادة ثقة الدائنين والمستثمرين مع الأخذ في شكل أكيد عدم التعرض لسلامة الودائع.