عندما تتلاشى الحدود بين الحب والموت

في أمسية صيفية دافئة وهادئة في شهر يوليو (تموز) عام 2021، في مدينة صغيرة في جنوب سويسرا، كان مارك، الطبيب المتخصص في الطب التجانسي، ورفيقته منذ عمر طويل فريدا يستمتعان بتناول عشائهما في الشرفة المطلة على المدينة. لم يكن أحدهما يعلم أن حياتهما كما يعرفانها ويحبانها سوف تُسلب منهما في غضون ساعات قليلة.

بعد جلستهما بفترة قصيرة، نقل مارك إلى المستشفى إثر شعوره بآلام حادة. وفي عيد ميلاده الثالث والسبعين يتلقى خبراً مزلزلاً بتشخيصه بسرطان المستقيم من الدرجة الرابعة، وهي أشد مراحل مرض السرطان ضراوة.

انهارت أحلامهما، وتهاوى أملهما في النجاة (وفقاً لموقع «ميديسن نت»الطبي، تبلغ معدلات النجاة من مرض سرطان المستقيم من المرحلة الرابعة 12 في المائة فقط). ولكن قرر مارك محاربة المرض بالخضوع لجميع خيارات العلاج القاسية المقترحة. كان يرغب في الحياة. وكان هناك الكثير الذي يرغب الشريكان في تحقيقه وإنجازه معاً. تصف فريدا مارك بأنه توأم روحها.

بعد تلقي نبأ التشخيص بمرض قاتل، بدا أن مارك أخذ يفقد شخصيته تدريجياً. وكأن العلاج الكيميائي قد سلب منه قواه. ومع كل شهر يمر، بدا وكأن النور الذي بداخله أخذ ينطفئ ومعه شخصيته، بعد أن كان مارك شخصاً ذا كاريزما يتمتع بحضور قوي للغاية.

كان بالغ الكرم والحساسية والتسامح والاهتمام، ببساطة كان شخصاً عاطفياً جداً. دائماً ما كان يتصرف بوازع من عواطفه. ودائماً ما كان يعتبر سعادة الآخرين أهم من سعادته. إذا كان بإمكانه مساعدة شخص، دائماً ما يكون أول الحاضرين والساعين إلى البحث عن حلول. كما كان يتصف بالمرونة والتأقلم مع جميع الظروف التي يمكن أن تضعه فيها الحياة. وكان واسع المعرفة ويملك خبرات حياتية واسعة النطاق.

وعلى الرغم من أن عمره 73 عاماً، بدت روحه شابة ونابضة بالحياة... حتى ذلك اليوم في نهاية شهر يوليو (تموز)، عندما تغير كل شيء ووصل إلى أصعب فصل في حياته.

كما كتبت في مقالين سابقين عن الرعاية التلطيفية والموت الرحيم، تشرفت بفرصة الحديث مع اثنين من أقارب عضو في مؤسسة «إيغزت»(Exit)، عن تجربتهما، وهما تحديداً فريدا وابنتها البالغة ليلي اللتان ظلتا بالقرب من مارك حتى لفظ أنفاسه الأخيرة. وأود أن أنقل تجربتهما التي استمرت تسعة أشهر من  التشخيص وحتى الوفاة، بما حملته من ألم نفسي بالغ لكلا الطرفين.

تذكر فريدا كيف كان وقع خبر التشخيص بمرض السرطان الخبيث من الدرجة الرابعة على الجميع كالصاعقة، وكان من الصعب التعامل مع الصدمة حينها. توقفت الحياة فجأة. وبعد تلقي خبر التشخيص، أدخل مارك المستشفى لمدة أسبوع لتقييم جميع الطرق العلاجية المستقبلية. في الوقت ذاته، حاولت فريدا البحث عن السلوى بقضاء وقت بمفردها بالقرب من البحيرة، التي جلست بالقرب من شاطئها تتأمل كثيراً في محاولة لقبول احتمالية قضاء بقية حياتها من دون شريكها. شعرت بأنه لا يوجد علاج في هذه المرحلة، ولكن سوف يحين الوقت لكي يرحل إلى النور! وبالتالي لم تتعلق بأي أمل زائف.

علمت فريدا أنها يجب أن تركز على نفسها وأن تحشد قوتها النفسية حتى لا تنهار في مواجهة الفترة المؤلمة المقبلة عليهم والتي بدأت لتوها.

عندما سألت فريدا عما تغير في معنويات مارك في الشهور التسعة ما بين التشخيص وحتى الوفاة، قالت: «ازداد مارك هدوءاً وأصبح قليل الكلام. وبدأ ينسحب من الحياة اليومية بالتدريج، ولم يعد في مقدوره الضحك! حتى الابتسام بدا غريباً عنه! وهذا كان يحزنني جداً! كنت أعرف أنه ينغلق على نفسه تماماً حتى يركز على ما بداخله من مشاعر وأفكار! كانت فترات نومه تزداد طولاً مع الوقت وكان يحتاج إلى مزيد من الراحة».

من جهة مارك، لم يخطر بباله أن حياته ستنتهي فجأة بسبب السرطان. لم يستطع تقبل أمر الموت حتى آخر لحظة. ولكن عندما جاءت لحظة رحيله كانت هناك ابتسامة على وجهه، على حد وصف فريدا.

تتذكر فريدا أيضاً أن احتمالية التعرض للمعاناة كانت دائماً ما تخيف مارك. وكانت فكرة الاعتماد على آخرين صعبة جداً عليه. كان يرى في ذلك انتقاصا من كرامته إذا أصبح دائم الاعتماد على مساعدة الآخرين ولم يستطع فعل أي شيء بنفسه. ذلك هو السبب الأساسي الذي جعله يرغب في إنهاء حياته. وكان عضواً في مؤسسة «إيغزت»منذ عام 1996.

من جهة أخرى صرحت ابنة زوجته ليلي: «أؤمن بشدة أن (إيغزت) كانت تشكل جزءاً كبيراً من وجوده، وأنه أعد ذاته داخلياً حتى إذا حان الوقت أصبح مستعداً. وكانت إحدى كلماته الأخيرة في هذا الشأن أنه يرغب في أن يموت بكرامته. وأعتقد أنه لم يكن سيحتمل رؤية نفسه وهو يفقد قوته يوماً بعد آخر وأن الأمور التي تبدو بسيطة ستتحول إلى تحديات كبيرة».

كما ذكرت في مقال سابق، ربما يمنع الموت الرحيم الإقدام على الانتحار، وهو ما أكدته شريكته فريدا. لا أحد يعلم متي تحين لحظة الموت الطبيعي. وبالتالي، «عندما لا يعرف المرء إلى متى سيتمكن من تحمل هذا الوضع، كانت فكرة اللجوء لمؤسسة (إيغزيت) أكبر داعم له وساعدته على تحمل الموقف. فإذا لم تكن لديه هذه الفكرة، وأنه يستطيع الرحيل وقتما يريد، أظن أنه كان سيحاول الانتحار.يجب أن يدرك المرء أن فكرة المؤسسة ربما منعته من الإقدام على الانتحار».

تخيل مارك وفاته وأنها ستكون سريعة وبلا ألم. وأنه بمجرد أن تصل قدرته على تحمل المعاناة إلى حدها بحيث تصبح غير محتملة بعد الآن، عندما تتأثر كرامته ويشعر أنه أصبح عبئاً لا يحتمل، سيلجأ إلى الموت الرحيم. توضح فريدا أن «هذا كان هدفه الرئيسي إذا تم تشخيصه بمرض عضال. كان يريد أن يقرر لنفسه متى يغادر. وكان في المعتاد شخصا لا يفضل مواجهة المواقف الصعبة. وبالتالي فضَّل الفرار بدلا من المواجهة بشكل مباشر. لذلك كان من المناسب لمارك اللجوء للمؤسسة».

في أثناء الشهور الستة الأولى بعد التشخيص، خضع مارك لجميع الإجراءات العلاجية ولدورات متعددة من العلاج الكيميائي. بدأ السباق مع السرطان والزمن مباشرة في الصيف الماضي، وبالتالي كان يعرف من خلال فشل محاولاته في العلاج الكيميائي أنه لا يملك فرصة في مواجهة هذا المرض.

وفي يناير (كانون الثاني) 2022، قرر وقف جميع أنواع العلاج وخضع للعلاج التلطيفي الخاص برعاية المرضى الذين يعانون من مرض عضال. كان من الصعب للغاية عليه أن يجد القبول في هذا التغيير.

تساءلت: كيف يمكن أن يستعد شخص لوفاته؟ ذكرت فريدا وليلي أن «التحضيرات خلال تسعة أشهر كانت فورية. رتبنا كل ما نستطيعه في المنزل، ورتبنا كل ما نحتاج إلى معرفته. وأقول إنه كان لدينا تسعة أشهر منذ التشخيص، 9 أشهر كما في الحمل وحتى الوضع. تسعة أشهر من النور إلى المادة، ومرة أخرى تسعة أشهر في الاتجاه المعاكس من المادة إلى النور. وكأنها دورة تغلق في غضون تسعة أشهر. ولكنها بالنسبة لنا كانت فرصة مليئة بالجمال والتعافي إذ كانت لدينا هذه الفترة لنقضيها معاً. لم أكن أرجو أفضل من ذلك، على الرغم من أنها تسعة أشهر بالغة الألم».

وفي فبراير (شباط) كان الأمر واضحاً أن مارك سيدخل في مرحلة تسمى «نهاية الحياة». تواصل مع مؤسسة «إيغزيت»لإتمام إجراءات الموت الرحيم عندما يحين الموعد. يستغرق الأمر بعض الوقت، حوالي ثلاثة أشهر، حتى يتم ضبط الشروط القانونية.

أراد مارك أن يعرف كيف سيتم تنفيذ الموت الرحيم، واللوجيستيات المؤدية إليه. خطط مع فريدا وليلي المكان، (منزلهما)، ومن سيكون حاضراً، ورتبوا أمر الجنازة والموسيقى التي سيتم عزفها.

تدهورت حالة مارك المرضية وازدادت تعقيداً وأصبح من الصعب التعامل معها في المنزل. وبالتالي، قبل أسبوع من عيد الفصح، وبقلب مثقل، أدخل مستشفى الحالات النهائية. في بداية الأمر، ظنوا أن هذا يعطي الزوجين وقتاً لتجهيز كل شيء متعلق بمؤسسة «إيغزيت». وكانت عملية الموت الرحيم ستتم في المنزل، مما يعني أنه سينقل إلى المنزل من المستشفى حيث يؤخذ الإجراء في اليوم المحدد.

أصبح الألم النفسي الذي يعاني منه مارك موجعاً بشدة. طلب من شريكته وابنتها عدة مرات أن «تتركاه يرحل». وفي يوم الأحد في عيد الفصح، طهت له فريدا وجبة الدجاج المفضلة لديه. وجلس ثلاثتهم معاً في غرفة المستشفى الصغيرة، مستمتعين بما سيكون وجبته الأخيرة. بعد ذلك، طلب الاتصال بـ«إيغزيت»يوم الأربعاء. بدا كل شيء متفقاً عليه ومنظماً على الجانب القانوني. وفي المساء ذاته، بعد أن غادر أحد أقاربه، دخل في غيبوبة عميقة، سوف تؤدي في النهاية إلى وفاته بشكل طبيعي بعد ثلاثة أيام.

اعترفت فريدا والدموع في عينيها: «استطعت مساندة مارك في أمنيته. وفعلت كل شيء حتى آخر لحظة.. وأعطيته إشارة بأني أسانده تماماً وأني معه. كان ذلك كافياً له. ولذلك استطاع أن يأخذ القرار يوم الاثنين في عيد الفصح ويرحل. وفي أحد الفصح كنا قد قررنا أننا لن نفعل المزيد وأنه يستطيع أن يغادر الحياة مع (إيغزيت) يوم الأربعاء. ليرحل في صباح يوم الخميس التالي تماماً في وفاة طبيعية. وكأن الروح تستطيع أن تتحكم في الموت. لقد اتضح لي إلى أي مدى تستطيع الروح أن تشارك في القرار، وكأنها توافق بنسبة 50 في المائة عندما تكون مستعداً للرحيل».

وذكرت ليلي: «رفضت فكرة (إيغزيت) لفترة طويلة. لم أكن أتخيل ولو من بعيد حجم الضغط الذي وضع عليه في تلك اللحظة. وعندما اقترب الوقت، حاولت قبول ذلك لأن الأمر لا يتعلق برأيي بل برأي شخص أحبه، وكانت مصاحبته في قراره أفضل ما أستطيع فعله. لم يكن ذلك سهلاً عليّ، وكنت أعلم في أعماقي أنه كان سيدعمني بالطريقة ذاتها لو كنت في مكانه».

كانت فريدا، وهي تعارض فكرة الموت الرحيم، ستساعده بدافع من الحب على تنفيذ أمنيته حتى النهاية. ولكنها لا تعلم كيف كانت ستشعر إذا توفي بالفعل بمساعدة مؤسسة «إيغزيت».. «كيف كنت سأتعامل مع الأمر في تلك اللحظة، إذا توفي عن طريق (إيغزيت)؟ لا أدري. ولكنه سيكون مروعاً، من القسوة أن يعرف المرء مقدماً موعد ولحظة الوفاة بالتحديد»،كذلك شعرت ليلي: «كان الأمر أشبه بالقنبلة الموقوتة، عندما حدد اليوم مع (إيغزيت) وأبلغنا. تخيلت كل السيناريوهات المتوقعة التي يمكن أن تحدث في ذلك اليوم. كانت فترة قلقة جداً».

لا يمكن وصف قدر الارتياح حيال دخول مارك في غيبوبة ووفاته بشكل طبيعي.. «يجب أن أقول إننا ممتنين للغاية لأنه لم يتوف عن طريق (إيغزيت). شعرت بارتياح كبير، وكأن حملاً ثقيلاً رحل عن صدري. ولا يسعني سوى أن أشكر الله على رحيل روحه قبل أن نلجأ إلى (إيغزيت). ولا أعرف بالفعل كيف كنت سأتحمل الأمر وكيف كنت سأخوضه. لا يمكن أن نعرف ذلك مقدماً. أعرف فقط أني كنت سأفعله بدافع الحب الخالص، فهذا ما يفعله المرء تجاه من يحب. ليس مهما كيف كنت سأشعر في تلك اللحظة، وإن كانت فكرة (إيغزيت) مفزعة جداً لي».

وتضيف ليلي: «أصعب جزء هو الاستسلام وقبول الأمور التي لا نستطيع تغييرها».

مر أكثر من شهر على وفاة مارك. وعندما سألتُ فريدا عما منحها قوة، قالت دامعة: «بعد مرور شهر على وفاته، أشعر بألم هائل. عملية الاستسلام والنهاية. عندما أعلم أنه لا عودة إلى ما كان وأن كل شيء انتهى.. أدرك أن الإنسان يجب أن يكون أكثر وعياً وامتناناً لوجوده كل يوم. لدي قناعة أنه لم يرحل بالفعل. وكأن ستاراً أسدل، ويمكننا إزاحته أو رفعه. هذا ما أدركه كل لحظة. أشعر بوجود طاقته في حياتي اليومية. بالطبع أتمنى له راحة في النور، ولكني أشعر بوجوده مرة بعد أخرى. من الرائع أن نعرف أنه لا يوجد موت نهائي، ولكنه انتقال إلى عالم آخر. كل ما علينا هو معالجة مشاعرنا البشرية وأن نتعلم كيف نتعامل مع الأمر. أن نتمكن من مداواة مشاعرنا».

ختمت ليلي حديثها قائلة: «تعلمت من خلال هذه التجربة الثمينة، كم من المذهل أن حياتنا ليست أبدية، وبفضل هذه الحقيقة نتعلم أن نقدر قيمة الحياة».

ليس هناك ما هو أجمل من كلمات فريدا لنختم بها هذه القصة الخاصة جدا عن امرأتين قويتين: «أشعر بالامتنان للكون الذي أرشد كل شيء للخير، وسمح لنا بالرحيل من دون ألم وبطريقة طبيعية»،مضيفة: «في النهاية كان من المهم أن نعرف أنه كان مستعداً للتصالح مع الرحيل».