أمين ألبرت الريحاني يستعيد عبر «المجلة» تاريخ عمه المحب للإنسان العربي (1-3)

أجرى أول حوار صحافي مع الملك عبد العزيز... واعتمده المؤسس مترجماً خاصاً
أمين ألبرت الريحاني

بيروت: محمد رضا نصر الله - من مكتبه في بلدة الفريكة في قضاء المتن الشمالي حيث تحتفظ عائلته بالعديد من مخطوطاته ومؤلفاته، حاورت «المجلة» أمين ألبرت الريحاني، ابن شقيق أمين الريحاني المفكر والأديب، والروائي والمؤرخ والرحَّالة، ورسَّام الكاريكاتير اللبناني.

أمين الريحاني


يعد الريحاني أحد أبرز دُعاة الإصلاح الاجتماعي وعمالقة الفكر أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في الوطن العربي.


وقد تحدث أمين ألبرت الريحاني عن محطات أساسية في سيرة عمه، سواء في لبنان أو في الولايات المتحدة أو في رحلاته العربية واتّصاله بملوك العرب، وفي الشقِّ الفني والثقافي أيضا.


في الجزء الأول من الحوار يغوص الريحاني في بداية الريحاني ثم بداية العلاقة المميزة التي جمعت بينه وبين الملك عبد العزيز، ورحلتهما من العقير إلى الرياض.. وإعجابه الشديد بخبرات الملك عبد العزيز المتعددة.
وإلى نص الحوار:

* نريد أن نتحدَّث عن رحلة أمين الريحاني إلى جزيرة العرب قبل أن يقابل الملك عبد العزيز...

- أولًا، شكرًا على العودة إلى هذه الخلفية الفكرية الضرورية لفهم أمين الريحاني ودوره العربي. الريحاني كمعظم المغتربين العرب في الولايات المتحدة وفي أميركا الشمالية بشكل عام، ذهب مع والده من أجل التجارة، لكنه غير جميع المغتربين وجد نفسه غير ميَّال للتجارة، وإنما للفكر، انطلاقًا من هذا المنعطف وعى تدريجيًّا خلفيته العربية ومن خلال مؤلفاتٍ- كما يذكر هو في مقدمة ملوك العرب- لمفكرين غربيين، أمثال كارليل وواشنطن إيرفينغ، الذين عرَّفوا الريحاني عن غير قصد إلى الرسول العربي وإلى معنى البطولة التي تفضَّلت بها، فاكتشف ذاته في ذاته، وإذا به الشاب الأميركي أو المتأمرك يعود إلى جذوره العربية فكريًّا، من هنا فإن عمله مع والده في التجارة بات عملًا هامشيًّا، وراحت فكرة زيارة البلاد العربية تترسَّخ يومًا بعد آخر في ذهنه كعمل لا يتجزَّأ من حياته اليومية، فوضع لنفسه سلسلة من الأسئلة تدور حول واقع العرب وحول مستقبلهم، كيف أتيت من هذه الجذور وأنا لا أعرف عنها شيئًا؟ ما هو واقع الإنسان العربي اليوم؟ ما هي طبيعة النظم السياسية العربية؟ إلى أيِّ مدى يمكن للعرب أن يواكبوا التقدُّم الحديث، سياسيًّا وعلميًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا؟ ماذا يمكنني أن أعمل كشاب عربي يهتم بالتأليف في سبيل خدمة الأمة العربية؟ وماذا يمكنني أن أقوم به توطيدًا للصف العربي وتوثيقًا للحمة بين زعماء العرب وحكامهم؟ وضع سلسلة من هذه الأسئلة وكأنه يضع مخططًا لرحلته العربية الشهيرة، والقصة المعروفة التي ذكرها في مقدمة «ملوك العرب» عندما صارح أصدقاءه من الأميركيين والعرب بهذه المهمة، حُذِّرَ مرارًا من أنك قد تواجه الصعوبات التي قد تكون فتَّاكة أو مميتة، فلست مضطرًّا لمثل هذه المغامرة.

* إذن لنقف عند هذه المغامرة التي يبدو أنه قد ابتدأها من الهند إلى البصرة.

- تمامًا.

* هنالك نزل على أول بقعة عربية خارج لبنان، نريد حديثًا هنا قبل أن نذهب إلى ذلك المكان الذي التقى فيه الملك عبد العزيز في ميناء العقير.
- الصعوبات التي واجهها في رحلته العربية نتجت عن مخطط لم يكن أصلًا هو المخطط المرسوم، ولكنه لأسباب قد تكون تاريخية وفكرية خدمت مخطط الريحاني، وتوقف عند المحطة التي تفضَّلت بها فيما يتعلَّق بالبصرة- شط العرب، كمحطة إن لم تكن الأولى فهي محطة أساسية في زيارته للعراق ودور العراق ومعناه في تلك الفترة، كانت تلك الفترة كما نعلم تاريخيًّا هي في طور التأسيس على صعيد الأنظمة العربية وقيام الدول العربية الوطنية المستقلة، فكان الريحاني شاهدًا حيًّا على ما يجري، ليس فقط على مستوى الحكام أو المثقفين والمفكرين، وإنما على مستوى الشعوب، فكان المراقب الذي يُدوِّن أصغر التفاصيل كما يُدوِّن أهم التفاصيل. من هنا فإن مؤلفاته عن العرب- كما ذكرت وأيدني في ذلك بعض الباحثين الغربيين- تُشكِّل مادة مضادَّة للاستشراق كما سمَّيتها، وقصدي كان بذلك ولا يزال أن هذه المؤلفات عن العرب تُشكِّل أول محاولة أساسية لتأسيس أدب حي حول العرب من قِبَل قلم عربي، وليس من قِبَل قلم أجنبي، لأننا نعرف طبعًا أن حركة الاستشراق تُطرح حولها العديد من علامات الاستفهام، يأتي الريحاني ليُعطي صورة حيَّة شعبية وثقافية وسلطوية حول الواقع العربي الذي شاء تصويره بكل سلبياته وإيجابياته تمهيدًا لطروحاته حول المستقبل العربي.

* نريد حديثًا هنا عنه وهو يتوجَّه إلى العاصمة العراقية وجولاته فيها، واتصالاته بأدبائها وبرجالات السياسية فيها.


- في الحقيقة رحلة الريحاني إلى بغداد، أو المحطة البغدادية في رحلة الريحاني العربية، كانت تختلف بعض الشيء عن سائر المحطات العربية، لكون بغداد يقظة تاريخيا في ذهن الريحاني، ولكونها واقعًا ثقافيًّا وحضاريًّا إلى جانب الواقع السياسي، من حيث اليقظة الثقافية استعاد في خاطره كل هذه الفكرة التي ترسّخ عودته إلى الجذور عبر الدور التاريخي لبغداد. هذا من جهة، ومن جهة ثانية عزَّزت في خاطره الواقع الثقافي العربي كما تمثّل في بغداد من خلال المجالس الأدبية والمجموعات من الأدباء والمثقفين العراقيين المتجمهرين في العاصمة بغداد، إلى جانب الواقع السياسي والصراع ضد الاستعمار البريطاني، فكأن الصورة العربية التي شاء البحث عنها قد تجسَّدت باختلاف مستوياتها في العاصمة العراقية بغداد بالذات.

* هل كانت بغداد المعاصرة تُشكِّل امتدادًا لبغداد العباسية، كميراث حضاري شكَّل وعي أمين الريحاني الأديب والشاعر والمفكِّر؟


- في الحقيقة، هذا برأيي شكَّل حينئذٍ المحور الفكري في ذهن الريحاني، من أن الدور التاريخي لبغداد الذي كُتِبَ لها في العصر العباسي، كأنه يُستعاد في مطلع القرن العشرين مع محاولة الانتقال من الحركة الاستعمارية البريطانية إلى الاستقلال من جهة، وتجمهر كبار الشعراء والأدباء العراقيين، وهم من كبار الشعراء والأدباء العرب.

* لقد كتب عنهم وهم- أيضًا- كتبوا عنه، من ذلك قصيدة الرصافي الشهيرة فيه، وقد عبَّر -أيضًا- عن جملة من الآراء حول نقد بعض الظواهر الاجتماعية والسياسية في العراق وغيره، نريد هنا وقفة عند هذه القصيدة وتجمّع الأدباء العراقيين حوله.


- قصيدة الرصافي، من أشهر القصائد التي استقبل بها الريحاني في العراق، وهي من أشهر قصائد الرصافي بالذات، وقد شكَّلت منعطفًا أو محطةً في حركة الشعر العمودي الحديث، بمعنى- كما ذكرت في بعض مؤلفاتي- أن الشكل هو شكل عباسي والمضمون مستلٌّ من صميم واقع القرن العشرين، وهذا تمامًا ما حاول الريحاني أن يترصَّده، وقد أشار إلى ذلك على المستوى الشعري والفني والأدبي، وكأنه صدى للمستوى السياسي، وهذا ما أشار إليه، وما أثار فيما بعد بعض الانتقادات كردٍّ على النقد الأدبي والسياسي للريحاني، بأنه مثلًا لم يأتِ على ذكر الجواهري كما هو معروف، وكان أسباب ذلك الموقف أن الجواهري اتَّخذ موقفًا مضادًّا له.

* قد انتقد الجواهري الريحاني مُرَّ النقد، واتَّهمه بأنه يقوم بدورٍ ما لصالح القوى الاستعمارية الجديدة في المنطقة.


- في الحقيقة، الجواهري لم ينتقد الريحاني سياسيًّا، بقدر ما أشار بصورة ربما مداورة إلى أن دور الريحاني يصعب التصديق بكونه الدور الوطني الذي يتفرَّد به شخص بمفرده، وشعار الريحاني معروف «قل كلمتك، وامشِ»، فهو يستمر في مخططه. وقد أثيرت حول ذلك العديد من الأسئلة؛ كيف يمكن لإنسان فرد أن يقوم بهذه المهمة الوطنية والقومية الشامخة؟ وكان جوابه بسيطا: لقناعتي بأمرين؛ الأول أن أوفّق بين حكام العرب وملوكهم، والثاني أن أعرّف العالم برمَّته إلى الواقع العربي، يكفيني هاتان القناعتان ولينتقد الناقدون قدر ما شاءوا.

* لنقف عند مرور أمين الريحاني بالبحرين، واتصاله بمجتمع البحرين وبعلمائه وأدبائه وكتاباته عن رواد النهضة فيه، قبل أن يلج الجزيرة العربية من ميناء العقير.


- علاقة الريحاني بالبحرين شبيهة بعلاقته بالبصرة، فالمخطط الأساسي لم يشتمل على محطات في البصرة أو البحرين بحد ذاتها، لكن محاولات الإنجليز لعرقلة طريق الريحاني اضطرته لمثل هذه المحطات، وعرف كيفية الإفادة منها. في البحرين- مثلًا- وكما في كل محطة سرعان ما قام باتصالات على كل المستويات، وخاصة الثقافية، حيث كان في طليعتها شيخ أدباء البحرين الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، مؤسس المدرسة الخليفية الأولى، وهي-حسب ما يذكر الريحاني- أولى المدارس الخاصة التعليمية في الخليج العربي، ووسَّع تلك الاتصالات حتى وصوله إلى الشيخ عيسى، حاكم البحرين آنذاك، ومن خلال هذه الاتصالات- أيضًا- حاول الربط بين دور الحاكم ودور المثقف في نهضة عربية يتوقَّعها ويريدها لمستقبل العرب، من هنا لؤلؤة الخليج كما سماها وهي البحرين، انطلق من واقع اقتصادي ليلج ولوج الحياة الثقافية المتطوَّرة، وليدعم الموقف السياسي الذي يمكن أن يكون سندًا للقطبين؛ أي للسعودية وللعراق، وهي ما بين هذين القطبين، وهذا ما سعى إليه الريحاني من خلال كتاباته.

* وصل أمين الريحاني إلى العقير، حيث خيّم الملك عبد العزيز، وهنالك تداول مع الملك عبد العزيز جملة من قضايا الأمة العربية، ونهضتها، وصدامها مع المستعمر البريطاني والفرنسي.


- قبل لقاء الريحاني بالملك عبد العزيز، كان في ظنه أنه سوف يلتقي أحد الحكام العرب الذين لهم حسناتهم وسيئاتهم، وهو محطة من سائر المحطات، وإذا به يفاجأ ومنذ اللقاء الأول، ومنذ الليلة الأولى، بأنه أمام شخصية قيادية عربية، يصلح أن تُشكِّل المحور الأساسي لبناء مستقبلٍ عربي، فمنذ الليلة الأولى سُحِرَ الريحاني بشخصية الملك عبد العزيز، وهذا أمر معروف وليس بجديد، وهو وارد في «ملوك العرب»، وفي «تاريخ نجد» وفي معظم كتابات الريحاني الإنجليزية، مثل «Around the Coasts of Arabia»، و«Arabian Peak and Desert»، و«Ibn Saud of Arabia, His People and His Land»، معظم هذه المؤلفات تركّز على هذه النقطة المحورية، بمعنى أن هذا الانجذاب بين شخصية الريحاني وشخصية الملك عبد العزيز أدى إلى ثقة مطلقة بين الاثنين، إلى درجة أنه حين اقترح الريحاني على الملك عبد العزيز، قبيل قدوم السير بيرثي كوكس، بأن يلعب دور المترجم، كان بإمكان عبد العزيز أن يعتذر أو يرفض لعدم ثقته بالريحاني، وهو الأمر الذي تم على عكس ذلك، سرعان ما قَبِل الملك عبد العزيز وقال له: «أنت لن تكون فقط مترجمي، وإنما مساعدي في هذه المفاوضات». إذن الثقة كانت متبادلة وصريحة منذ اللقاء الأول.

* ولكن كيف تم هذا التزامن، وصول أمين الريحاني ووصول بيرثي كوكس إلى العقير ومعه فريقه، كما صوّر هو بحسه الصحافي هذا اللقاء؟


- يبدو وكأن ذلك مخطط بشكل مسبق، في حين أن سير رحلة الريحاني تشير وتُنبي عن أن هذه الصدفة بالفعل كانت صدفة ولكنها خير من ألف ميعاد كما يُقال، بمعنى أن المراسلات التي سبقت اللقاء بين الريحاني والملك عبد العزيز، حيث كان الريحاني يراسل الملك عبد العزيز ويُخبره بتفاصيل رحلته، وأنه محطة أساسية في هذه الرحلة، وأنه يريد لقاءه أيًّا كانت الصعاب، وبطبيعة الحال مع مرافقة هذه التطورات مراسلةً، كان المخطط أن يأتي الملك عبد العزيز إلى العقير في سبيل المؤتمر مع السير بيرثي كوكس، فكون الريحاني ينتظر في البحرين، وكون العقير هي أقرب نقطة جغرافية إلى البحرين، اقترح الملك عبد العزيز أن بإمكانه أن يقابله في العقير بما أنه قادم في كل الأحوال، وأنه يمكنه أن يحضر معه هذا المؤتمر، وهكذا كان اللقاء، بالفعل كانت صدفة ولكنها كانت تدخل في صميم الأهداف الوطنية والقومية التي سعى إليها الريحاني.

* وبعد ذلك رافق الملك عبد العزيز، وكأنه قد استراح لذلك الركب.. نريد حديثًا عن هذا قبل الوصول إلى الرياض، حيث خصَّص الملك عبد العزيز للريحاني بيتًا كان يزوره فيه كل مساء بعد صلاة العشاء.


- صحيح، هذه محطة مهمَّة أشكرك على لفت انتباه القراء لها، الرحلة بين العقير والرياض، الريحاني يرافق الملك عبد العزيز، ويتابع تفاصيل هذا الموكب، بشخصياته وبتفاصيله وبمجموعة الناس، كبيرهم وصغيرهم، ويدوِّن بعين المراقب الأديب والمفكر الذي يصوّر، ولا ننسى أنه رسم في هذه الرحلة بالذات مجموعة من الوجوه العربية التي سمَّاها تلك الوجوه التي رافقتني من العقير إلى الرياض، يمكن أن نُحمِّل ذلك العديد من المعاني، ولكن تفسيري أنا لذلك هو أن الفكرة الأساسية التي طرحناها حول الموقف المضاد للاستشراق حيث تأتي هذه اللوحة العربية الحية تعزيزًا لهذا الاستشراق المضاد.

* أريد القول بأن الريحاني كأنه قام بنقد ما كتبه عدد من الرحالة الغربيين إلى جزيرة العرب، ومنها رحلات شاقة أودت ببعض المستشرقين.


- ما تقوله صحيح تمامًا، مع الفارق البسيط، وهذا ما أشكرك على إتاحة الفرصة لإثارة هذا الفارق، وهو برأيي مهم جدًّا على الصعيد الفكري، لا يوجد شك في أن غوته في انسحاره بوهج الشرق وهو كبير الأمثلة، حيث يمكن أن أُعطي أمثلة أخرى عديدة مثل داوتي وموزلي وغيرهما، هؤلاء جميعًا أخذوا بسحر الشرق، والبعض منهم ذهب إلى حدِّ تعلم العربية ودراسة الشعر العربي، ولكن عندي أن الفارق يبقى صغيرًا ولكنه مهمّ جدًّا، أن تأتيك العين من الخارج لتكتشف ما عندك، أو يأتيك أحدٌ من أبنائك ليشدّه الحنين إلى ما عندك فيكتب بحب لا يمكن أن تصادفه عند الآخرين، تلك هي المفارقة، الريحاني كتب بحب كبير يصعب أن تصادفه حتى في نقده ونقده القاسي، ظل ذاك المحب الكبير لأبسط بسطاء الإنسان العربي، على نقيض ما نصادفه من مستشرقين غربيين، صحيح أنهم كتبوا، وصحيح أنهم أخذوا عن العرب، ونحن نقدّر هذا العمل مع هذا الفارق البسيط الذي يأتي من الداخل وليس من الخارج.

* إذن لنبقَ مع الريحاني في تلك الغرفة الطينية، هنالك كان الملك عبدالعزيز يسرد قصته التاريخية مع توحيد المملكة العربية السعودية، هل بإمكاننا القول بأن ما سجله الريحاني تحديدًا في «ملوك العرب» كان أول مقابلة صحافية ذات طبيعة سردية أدبية سجَّلها أمين الريحاني مع الملك عبد العزيز؟


- يمكن الاعتبار أن هذا اللقاء التسجيلي الأول هو أقرب ما يكون إلى المقابلة الصحافية، ولكن لا ننسى أن هذه المقابلة التي اتَّخذت شكل الإعلام والصحافة تأتي من خلال شخصية تمرَّست المراس الأدبي والفكري في الولايات المتحدة كتابةً باللغة الإنجليزية وكتابةً باللغة العربية من خلال مؤلفه «الريحانيات» مثلًا، وكان ينشر في عدد من الصحف الأميركية المتخصصة في النقد الأدبي والفني وما إلى ذلك، إذن الشكل الخارجي أنها كانت مقابلة صحافية، والشكل الداخلي أو جوهر المادة هي مادة أدبية فكرية لها طابع اجتماعي وسياسي وإنساني، هذا ما أراه في طبيعة ما دوَّنه الريحاني، ليس فقط في مقابلته للملك عبد العزيز، وإنما في كل ما كتب من مقابلاتٍ مع حكام العرب وملوكهم في مؤلفاته العربية والإنجليزية على حدٍّ سواء.

* لقد أهداه سيفًا، أليس كذلك؟
- صحيح.

* وبعض الملابس العربية، ويبدو أنه قدَّم له وصفة شعبية حينما أصيب الريحاني بالحُمَّى، وهنالك سرد بعض التأمُّلات، نريد حديثًا عن هذه النواحي الشخصية في رحلة الريحاني إلى الجزيرة العربية.


- هذا يردُّنا إلى ملاحظة هامة تعود إلى ثقافة الريحاني الريفية، التي هي- في نظري- لا تختلف عن ثقافة الإنسان البدوي، وأُعطي المثل المحدَّد في ذلك لشخصية المغربي في ريفنا اللبناني، وهو الذي يصف الأدوية من الأعشاب، فحين وصف الملك عبد العزيز دواءً من الكينا، أي من بعض النباتات والأعشاب وشجر الكينا، كأنها أثارت في نفس الريحاني حنينًا إلى ثقافته الريفية القديمة، فسرعان ما تلقَّفها وكأنه يعود إلى ذاته، تأتيه هذه الوصفة من ملك أعجب به سياسيًّا وإنسانيًّا، وإذا به يعجب به طبيبًا، فكان من الطبيعي أن تفتح له نافذة لتأمُّلات ذاتية داخلية: أنا في صميم هذه الصحراء يهددني داء الحمى، ويأتيني المليك بوصفة قد تنقذني، وإذا بهذه الوصفة تستعيد ثقافتي الفتية من ريفنا القديم الذي يعود بنا إلى الأرض لعودتنا إلى الحياة.

* وماذا عن قصة ذلك البدوي، صاحب الكشكول الذي يمتلئ بكل شيء من الإبرة إلى بعض الأشياء التي كان يحتاجها الريحاني، لقد رسم صورة معيَّنة عن هذه الشخصية البدوية، كان يسرد سردًا ذا طبيعة روائية.


- وثمَّة تأكيد لهذا الكلام، وهذه الملاحظة الهامة أيضًا أن بعض الدراسات الجامعية اليوم قد تناولت- وما تزال- النَّفَس الروائي عند الريحاني، ليس تحديدًا وفقط بالنسبة لكتاب خالد، وهو من أهم أعماله الروائية الإنجليزية العالمية، إنما من خلال الكتب التي أصلًا لا علاقة لها بالرواية، ورغم ذلك تجد فيها هذا النَّفَس الروائي.


وبالعودة إلى هذا البدوي الذي في خرجه كل ما يمكن أن يحتاجه الإنسان، هذه الصورة بالذات عادت بالريحاني إلى ثقافته الريفية، حيث ما نزال نقول حتى اليوم هذا القول الشعبي: «فلاحٌ مكفي.. سلطانٌ مخفي»، وكأن صورة الفلاح اللبناني استعيدت بصورة البدوي العربي في معنى هذا الاكتفاء، وفي معنى التسلطن الذي لا يحتاج أيَّة حاجة من العالم أجمع، وإذا بالفلاح اللبناني يتَّحد مع البدوي العربي في طبيعة هذا الإنسان المكفي، وهو في حقيقة أمره سلطان مخفي.