150 عاما على ولادة المسرح السوري ولا يزال في غياهب التقليد

غاب المسرح السوري عن اهتمامات المواطن وعاد بقصّة روسية

دمشق: لم يُكتب للمسرح السوري أن يمرّ بمراحل التطور الطبيعية كغيره من المسارح في العالم، بل اجترح تلك المراحل اجتراحاً، مما غيّب الواقعية، وأوجد الطابع التقليدي على المسرح السوري، ولم يبق على خشبته سوى أجزاء ومقتطفات من واقع السوريين وهمومهم، ولعل المشكلة تكمن في ندرة النص المحلي اليوم، والتي تعد في رأس قائمة التساؤلات، حول أسباب أزمة المسرح السوري وهو مدى مسؤولية المؤلفين المسرحيين في سوريا عن تراجع المسرح، وهل يتضمن هذا تنازلات من قبلهم على صعيد الفكر أو الفن؟

ربما من الصعب تقسيم الأدب المسرحي في سوريا، إلى فترات تعكس المراحل التاريخية، والسياسية التي مرت بها البلاد خلال السنوات التي رافقت تشكله، لكن يمكن القول إن البدايات عكست اهتماماً فكرياً ذا طابع أخلاقي، إصلاحي، ميلودرامي، كما أن المسرحيات كمسرحية «المخاض» لممدوح عدوان والتي صورت حكاية التمرد في جبال العلويين ضد الإقطاع، عكست مرحلة التحول نحو الاشتراكية بقدر معقول، كما عكست درجة الوعي الفكري، والتأرجح الاجتماعي، ومن أفضل الأعمال التي عكست الواقع السياسي، في حقبة السبعينات والثمانينات، كانت «الدراويش يبحثون عن الحقيقة» لمصطفى الحلاج، و«الممثلون يتراشقون بالحجارة» لفرحان بلبل، ومسرحية «مغامرة رأس المملوك الجابر» لسعد الله ونوس، و«كيف تركت السيف» لممدوح عدوان، إلا أن ذلك الانعكاس والتقدم لم يدم طويلاً، واعتبرت تلك الحقبة فترة ذهبية للمسرح السوري.

الولادة الأولى

كانت بداية المسرح السوري في عام 1871 على يد أحمد أبو خليل القباني، حيث يعتبر القباني أول مؤسس لمسرح عربي، وقد أسسه في دمشق، وقدم عروضا مسرحية، وغنائية كثيرة، منها «ناكر الجميل، أنس الجليس، هارون الرشيد، عايدة، الشاه محمود» وغيرها، وكان له الفضل في قيام حركة مسرحية في سوريا، وفي الوطن العربي بعد ذلك .

وقدم أبو خليل القياني أول عرض مسرحي خاص به عام 1871 وهي مسرحية «الشيخ وضاح ومصباح وقوت الأرواح» وهي أول مسرحية سورية وعربية وفق مفاهيم المسرح، وقدم بعد ذلك مسرحيات، وتمثيليات ناجحة أُعجب بها الجمهور بدمشق. وفي عامي 1879-1880 ألف فرقته المسرحية، وقدم في السنوات الأولى لتأسيس الفرقة حوالي 40 عملاً مسرحياً، ووضع الأسس الأولى للمسرح العربي، وخاصة المسرح الغنائي، ثم انتقل إلى مصر متأبطاً عصر الازدهار، وبداية المسرح العربي، ومن ضمن فرقته، كان معه من السوريين حوالي 50 فنانا وفنانة، منهم: «جورج ميرزا وتوفيق شمس وموسى أبو الهيبة وراغب سمسمية وخليل مرشاق ومحمد توفيق وريم سماط وإسكندر فرح الذي يعد من أهم رواد المسرح السوري، وكان المعلم الأول للكثير من رواد المسرح في سوريا، وقدم مسرحيات هامة في تاريخ المسرح، منها: «شهداء الغرام، وصلاح الدين، ومملكة أورشليم، ومطامع النساء، والطواف حول العالم»، وتابع أبو خليل القباني عروضه المسرحية في سوريا، والعالم العربي، إلى أن توفي عام 1903.  

الولادة الثانية

في عام 1959 اجتمعت الفرق المسرحية والفنية في سوريا تحت إشراف مديرية الفنون التابعة لوزارة الثقافة ومن أهمها النادي الشرقي، والمسرح الحر، والنادي الثقافي، وأنصار المسرح، وغيرها من الفرق. وجدير بالذكر أن نهاد قلعي وغيره من زملائهِ الفنانين يعتبرون من مؤسسي المسرح القومي، وأيضاً يعتبر الولادة الثانية للمسرح السوري، وكان محمود المصري أول  مدير للمسرح القومي، وأول من أخرج له مسرحياً الدكتور رفيق الصبان بالتعاون من نهاد قلعي.

وجاء في كتاب «المسرح القومي والمسارح الرديفة» للكاتب جان الكسان، أنه «وصل عدد مشاهدي العروض المسرحية إلى ثلاثين ألف مشاهد»، فكانت بحق العهد الذهبي للمسرح السوري الذي وضع في اعتباره قضايا الناس وأدرك القائمون على المسرح أهميته الاجتماعية، والسياسية، وأهميته الكبرى في تأمين المتعة، والتسلية بنفس الوقت.

وقد كانت المسرحيات الأولى التي قدمها المسرح القومي لوليد مدفعي، ويوسف مقدسي، وعلي كنعان، وتجلت في تلك المسرحيات نزعة اجتماعية مثالية ناقدة، لكنها كانت بدائية فنياً بعض الشيء، وتطرقت مسرحيات علي كنعان إلى قضايا الوحدة القومية والتحرر الوطني، أما مسرحيات علي عقله فقد تطرقت إلى القضية الفلسطينية، ومسرحيات فرحان بلبل إلى التجربة العمالية في مسرح الشعب، وكانت بدايتها في مسرحية «الأيام التي ننساها» للروائي وليد إخلاصي، والتي قدمت شخصيات مختلفة مدروسة في تكوينها النفسي والاجتماعي.

فيما بعد قدم المسرح القومي أعمالاً لسعد الله ونوس ورياض عصمت وممدوح عدوان، وهؤلاء يعتبرون من كتاب المسرح الحديث، وفي ذات الوقت توجه الشاعر محمد الماغوط اتجاهاً تجارياً خالصاً في مسرحيات كوميدية ناقدة، كتبها مع الممثل دريد لحام، مثل «ضيعة تشرين، وغربة» ذات توجه سياسي وطني، وكانت مرحلة جديدة تختلف عن بداياته في المسرحية الشعرية مثل مسرحية «العصفور الأحدب» ذات المنحى السريالي.

عصر سعد الله ونوس

كانت الساحة المسرحية تنتظر مولد الكاتب المسرحي المحلي، وتجسد ذلك في ظهور الكاتب المبدع سعد الله ونوس الذي ألف مسرحيات عديدة، منها: «جثة على الرصيف»، و«الجراد»، و«الفيل يا ملك الزمان»، و«الرسول المجهول في مأتم انيجوتا»، إلا أن أهم مسرحياته كانت «حفلة سمر من أجل 5 حزيران»، التي تعد بمثابة العهد الجديد للمسرح السوري، وقد كتبها بعد هزيمة يونيو (حزيران) 1967م، فقد صور فيها معاناة الإنسان العربي وحيرته مستخدماً في ذلك الرموز والمونولوجات الطويلة.

كما كتب ونوس أيضا مسرحية «مغامرة رأس المملوك جابر» مازجاً فيها الممثل بالمتفرج،  كما قدم عام 1978 أروع مسرحياته المأخوذة عن التراث الشعبي من ألف ليلة وليلة، وهي مسرحية «الملك هو الملك»، وقد نجح ونوس في أن يلبس هذه المسرحية بثياب الخطابة الشعبية، وأن يوظف فيها الأفكار السياسية والاجتماعية.

عودة المسرحي العتيق

بعد غياب المسرحي العتيق أسامة الروماني عن دمشق لأكثر من 40 عاماً، يعود اليوم إلى بلاده، وهو الذي يعتبر جزءاً من ذاكرة المسرح السوري، في ستينات وسبعينات القرن الماضي، معتبراً أن ما تم تقديمه في تلك الحقبة من الزمن على خشبة المسرح لم يتم توثيقه.

دخل أسامة إلى عالم المسرح منذ بداية تأسيسه عام 1961، تحت ما يسمى ندوة الفكر والفن، على يد الراحل رفيق الصبان، وضمت تلك الندوة كلا من هاني الروماني، ورياض نحاس، وسليم كلاس، ومنى واصف التي جاءت من المسرح العسكري، كما استقطبت الندوة شخصيات مثل صلحي الوادي، ومحمد الماغوط، وفاتح المدرس، وجورج طرابيشي، وقدموا أعمالاً لشكسبير وموليير، وتوفيق الحكيم، فقد كانت جل أحلامهم حسبما رأي أسامة الروماني هي أن يكون هناك معهد أكاديمي يستقون منه المهارات والأدوات التي تتطلبها خشبة المسرح، لكن كانت خبرتهم تعتمد فقط على ما يشاهدونه في السينما والمسرحيات العربية وآراء ونصائح جمهورهم، معتقداً أن ما كان ينقصهم في الماضي متوفر اليوم ليعود المسرح وبقوة في سوريا من جديد.

المسرح اليوم

تعود خشبة مسرح الحمراء الواقع في منطقة الصالحية بدمشق، ليقدم عرضاً مسرحياً مأخوذاً عن قصة قصيرة للكاتب الروسي أنطون تشيخوف، بعنوان «موت موظف» يقدمها مجموعة من الممثلين المسرحيين المبتدئين إلى جانب الممثل السوري باسل حيدر والممثل، حيث شهد العرض في أيامه الأربعة الأولى حضوراً كبيراً، وصفه البعض بتعطش الناس لحضور المسرح، لكن على صعيد التقديم والعرض المسرحي تقول إحدى طالبات المعهد العالي للفنون المسرحية لـ«المجلة»: «الناس متعطشون لعرض مسرحي، ووجود اسم كاسم أنطون تشيخوف على العرض المسرحي كفيل بجعل المسرحية من أهم المسرحيات، لكننا ما زلنا نفتقد للكتابة المحلية للنصوص المسرحية، نعم تشيخوف كاتب مهم والأدب الروسي يلامس ما يعانيه المواطن السوري، لكن لدينا معاناتنا الخاصة وطابعنا الخاص في الحياة، لماذا لا نكتب بقلم واقعنا ونعرض ما بداخلنا من آلام بعيداً عما كتبه الأدب العالمي والروسي تحديداً، وذلك ليس إنقاصاً من الأدب العالمي، وإنما وجد المسرح كفن كسائر الفنون لنقل الواقع وتجسيد الظرف والأحاسيس التي يعيشها الشعب، فأين نحن من ذلك، لكنني سعيدة بعودة مسرح الحمراء وخشبته للعرض، خصوصاً مع احتواء الجيل الجديد لخلق حقبة مسرحية جديدة تليق بمسرح وجب عليه مواكبة العصر، وربما بعدما حصل في سوريا في الفترة الماضية، كفيل لنا بإعادة إحياء المسرح، مع وجود لبنة كبيرة من الأفكار التي من واجب المسرحيين تناولها بقلمهم الخاص عن الشعب السوري ومعاناته».


مقالات ذات صلة