الاستحقاق الأول يُربك حزب الله وحلفاءه.. و«التغيير» يُضيّق حجم هيمنة المنظومة

بري رئيساً للبرلمان اللبناني بـ«أرقام هزيلة»
خلال انتخاب مجلس النواب الجديد رئيساً له

بيروت: كشفت جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبه وأعضاء هيئة المكتب، حجم مأزق حزب الله وحلفائه في إيصال مرشحيهم بـ«طلوع النفس»، فالأرقام الهزيلة التي وصل بها نبيه بري لرئاسة المجلس وإلياس بوصعب لنيابته، تٌظهر أن «الطبخة التوافقية»نجحت في تمرير الاستحقاق الأول بـ«حرفية»، ولكن بصعوبة.

عكس ما حصل تحت قبة البرلمان مشهدية غير مألوفة في الواقع اللبناني بدليل تجاوز القطوع على الحفّة، إلا أنها لم تكن على قدر طموح التغييريين والمراهنين على دورهم في مجابهة «المافيا»الحاكمة، التي استخدمت ما تيسّر لها من تكتيك تحت الطاولة للوصول إلى غايتها وخطف الأصوات وترجيح دفّة الميزان لصالحها.

انتخب مجلس النواب بري رئيساً له للمرة السابعة على التوالي، في أول جلسة يعقدها البرلمان الجديد الذي بات يضم، بعد الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت في 15 مايو (أيار)، 13 نائباً مستقلاً انبثقوا من رحم مظاهرات 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

وعلى الرغم من التغيير الجديد، تمكن بري، حليف حزب الله والمرشح الوحيد لرئاسة البرلمان، من حصد العدد الكافي من الأصوات للبقاء على رأس البرلمان وهو النصف زائد واحد، فنال أصوات 65 نائباً من أصل 128 مقابل 23 ورقة بيضاء و40 ورقة ملغاة تضمنت عبارات«العدالة لضحايا انفجار المرفأ»، و«العدالة للمودعين»، و«لقمان سليم»و«الجمهورية القوية».

وعلى عكس السلاسة المهزوزة في انتخاب بري، شهد منصب نائب الرئيس، منافسة شرسة بين مرشحين، هما النائب إلياس بوصعب المحسوب على التيار الوطني الحر والنائب المستقل غسان سكاف المدعوم من قوى التغيير والمجتمع المدني والأحزاب المعارضة، ففي الجولة الأولى لم يتمكن أحد منهما في حصد النصف زائد واحد أي 65 صوتاً، ليُعاد التصويت في دورة ثانية ويفوز بوصعب بـ65 صوتاً، مقابل 60 صوتاً لسكاف مع تسجيل ورقتين بيضاء وأخرى ملغاة.

 

جورج العاقوري

 

لا أكثرية مطلقة ولا أقلية حتمية

لم يُشكّل انتخاب بري لولايته الجديدة أي صدمة بشكل عام، لكن المفاجأة كانت على صعيد عدد الأصوات الهزيلة الذي حصل عليه في هذه الدورة بعد أن كان يفوز سابقاً بالحد الأدنى بـ90 صوتاً من أصل 128، بالإضافة إلى الفوز الصعب لأبو صعب، ليتضح أن حجم الأكثرية يتفلّت وفق الأرقام  من جعبة 8 آذار والحلفاء.

فتحت نتيجة الاستحقاق الأول بعد الانتخابات النيابية، وما رافقها من سجالات تحت قبّة البرلمان، الباب أمام مرحلة جديدة ستكون محتدمة من حيث المواجهة في الاستحقاقات المقبلة، ووفق ما أوضحه الكاتب والمحلل السياسي جورج العاقوري لـ«المجلة»فإن «ما جرى أكد المؤكد فيما يتعلّق بنتيجة الانتخابات النيابية بتراجع حجم حزب الله وحلفائه والسرايا السياسية التابعة له التي كانت تُهيمن على المجلس بشكل مطلق»، وقال: «كنّا نرى برّي المتربع على موقعه منذ العام 1992 يصل بأصوات مرتفعة، ولكن هذه المرّة كان وصوله بشقّ النفس بأكثرية هزيلة لم تتعد الصوت الواحد للنصف، وهذا مؤشر يمكن البناء عليه بأن ثمة نفسا تغييريا يرفض ما كان قائماً على المحاصصة والإتفاق المسبق».

وعن عدم القدرة على استبدال بري أو إيصال شخص آخر لسدة رئاسة المجلس، أكد العاقوري أنه «لا يوجد نائب شيعي مستقل عن الثنائي يمكن وصوله، وأثبت الاقتراع لصالح برّي المثبت بأن الاتفاق والتناغم السياسي بين قوى 8 آذار قائم في ظل سطوة حزب الله وامتلاكه القرار الرئيسي»، مشيراً إلى أن «كل ما حُكي عن خلاف أو محاولة التيار الوطني الحرّ التسويق له، بأنه لن يصوّت لبري سقط في جلسة البرلمان، فلا إمكانية بأن يفوز بري ما لم يأخد أصواتاً من تكتل التيار، فأصوات نواب الحزب التقدمي الاشتراكي لوحدها لا تكفي، بغض النظر عن عدد الأوراق البيضاء».

وقال: «حاول دوماً التيار العوني التذاكي عبر القول إنه لم يصوت لبرّي وإن القوات اللبنانية هي التي صوتت لبرّي، لكن القوات اعتمدت هذه المرة تكتيك التصويت بورقة  كُتب عليها الجمهورية القوية، ما قطع أي شك حول نوعية تصويتها وحاصر الأصوات التي نالها بري، ووفق القراءة الأولية للنتائج  فهي تُظهر حتماً أنه نال أصواتاً من التيار».

أما في مسألة نائب رئيس مجلس النواب، فقد لفت العاقوري إلى أن «التقارب كان وثيقاً بين الطرفين والفرق كان على صوت واحد في الدورة الثانية، ولكن لا يُمكن معرفة الصوت الذي قلب المعادلة».

وعن وجهة التصويت في الاستحقاقات المقبلة، جزم بأن «هذا المجلس هو مجلس التصويت على القطعة، أي كل ملف بملفه، ويمكن الركون إلى مجموعة نواب يمنحون ثقتهم أو يصوتون لهذا الملف أو ذاك، ما يعني أن لا أكثرية مطلقة ولا أقلية حتمية»، مشيراً إلى أن «المسألة ستتوقف على نوعية الملفات التي سيتم طرحها وعلى صلابة بعض النواب المتفلّتين من أي تكتل أو من أي معسكر سياسي».

وعن دور النواب التغييريين الجدد في الاستحقاق الأول ومدى الرهان عليهم في المرحلة الجديدة، شدد العاقوري على أنه «يتوجب على القوى التغييرية أن تُدرك جيّداً أنها اليوم أصبحت داخل مجلس النواب وعليها أن تقارب الأمور بطبيعة الحال بنفس تغييري، ولكن بعقلانية ومنطق من أجل تحقيق النقاط والأهداف»، معتبراً أنه «لا يكفي تسجيل المواقف التي تذكّرنا باستقالة بعض النواب في المجلس السابق، لذلك يجب السعي لتحقيق نقاط بمواجهة هذه المنظومة، لأنه لا أحد من الطرفين سيفوز بالضربة القاضية في المواجهة القائمة في لبنان، إنما الفوز سيكون بتسجيل النقاط».

حليمة القعقور

 

لا للمحاصصة والتسويات!

من رحم معاناة الناس، كانت بداية انطلاقتهم، ومن ساحات النضال انتقلوا بدعم شعبي إلى البرلمان الذي كان الموعد داخله مع استحقاق اختبر خلاله النواب التغييريون قدرتهم على زعزعة حكم اعتيادي لمنظومة تغيّر نمط ممارساتها المتفرّدة.

وفي هذا الإطار أكدت النائبة حليمة القعقور لـ«المجلة»، وهي من النواب التغييريين، أن «عددهم على الرغم من أنه محدود ومحصور بـ13 نائباً، إلا أنهم تمكنوا من فرض عملية ديمقراطية وانتخابية في مجلس النواب، بعد أن كان توزيع مهام الأعضاء يجري على قاعدة منطق المحاصصة»، لافتة إلى أنه «لأول مرة تجري انتخابات لهيئة المجلس وهذا الأمر إيجابي، إذ إنهم كنواب جدد لا يملكون لوحدهم الأكثرية بشكل كامل لفرض إرادتهم، ولا يريدون الدخول بتحالفات للحصول على أصوات».

وعن إمكانية أن ينسحب ما حصل على بقية الاستحقاقات، جزمت القعقور بأن «كل استحقاق ستتم مقاربته على حدة وفق ظروفه»، وقالت: «لا نريد أن ندخل في اصطفافات بين 8 و14 مارس (آذار)، والأولوية لمشاريع القوانين التي سنرفعها، وسنقوم ضمن إمكانياتنا بما يجب دون أي تسويات، فنحن خرقنا وعلينا تحقيق الإنجازات مهما بلغت التحديات».

وضاح الصادق

من جهته، اعتبر النائب وضاح الصادق «أن الهدف الأول هو إعادة العملية الديمقراطية إلى مجلس النواب حيث المفاجأة كانت بغياب التوافق عبر فرض المنافسة وإجراء الانتخابات والضياع الذي رافق تلك العملية بتطبيق النظام الداخلي».

وقال: «الهدف الثاني تجلّى بتغيير الواقع، حيث كان التحالف الثلاثي (أمل وحزب الله والوطني الحر) يحصد قرابة 100 صوت، وفاز بصوت واحد»، مشيراً إلى أن «الهدف الثالث هو المواجهة داخل البرلمان بالحق ورفعنا الصوت اعتراضاً على عدم عدّ الأصوات وقراءة محتوى الأوراق، وعند محاولة بعض نواب حركة أمل منع النواب التغييرين من الكلام، تمت مواجهتهم ورفع الصوت».

وفي مرحلة انتخاب نائب الرئيس، لفت صادق إلى أنه «على الرغم من عدم قناعتهم بالمرشحين، كان لا بد من أخذ خيار كي لا يكون الرئيس ونائبه في محور التحالف الثلاثي، ولكن بعض النواب الذين يدعون أنهم معارضون قاموا بصفقة في مكان ما وسيُكتشف أمرهم فيما بعد».

وشدد على أن«الجلسة أظهرت التخلّف الموجود في مجلس النواب بإدارة الطريقة الانتخابية وتطبيق النظام الداخلي، وأثبتنا بانسحابنا من انتخاب هيئة المكتب رفضنا لتكريس خطاب  الطائفية والمذهبية القائم في الانتخابات»، لافتاً إلى أن «هؤلاء يعتبرون أنفسهم يملكون البلد ولهم صك ملكيته ويأخذون القرارت التي يريدونها، لذلك فالمواجهة قائمة ومستمرة ولن ندخل بتوافق أو بتسويات ولا بمحاصصة إلا إذا اقتنع الطرف الآخر بأن البلد بحاجة لتكاتف الجميع من أجل النهوض به، ولكن بعض الجهات مصرة على العكس، وبالتالي فإننا ذاهبون إلى المواجهة بكل مشروع قانون وبكل لجنة لكي نبدأ بالتغيير المنتظر».

وختم صادق بالقول: «على الناس أن تعي بأن التغيير لا يبدأ بكبسة زر وهو يحتاج إلى عمل وهذا ما سنقوم به».