«مستقبل مصر» يواجه تحديات الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي

افتتحه الرئيس المصري ضمن استراتيجية مصر 2030
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مفتتحاً مشروع مستقبل مصر

القاهرة: يواجه العالم خلال العقد الأخير تحديات متنامية في توفير حاجيات سكانه (الذين قاربوا ثمانية مليارات نسمة) من المنتجات الزراعية التي انخفضت بشكل كبير نتيجة عوامل تآكل الرقعة الزراعية، والتصحر، وندرة مصادر المياه، وشح الأمطار، والحروب، ومن بينها الحرب الروسية الأوكرانية التي لا زالت مستمرة وأثرت على إمدادات المحاصيل الزراعية عبر دول العالم، وعمدت مصر التي أثر عليها عدد كبير من هذه العوامل إلى إدراك التحديات بشكل متسارع من خلال تفعيل مشروع «مستقبل مصر» الذي افتتحه الرئيس المصري مؤخراً كواحدٍ من أكبر المشاريع الزراعية في العالم، والأكبر في الشرق الأوسط بمساحة إجمالية تقارب مليون و50 ألف فدان، حيث يقلل المشروع العملاق الفجوة الغذائية في مصر التي تعد أكبر دولة مستوردة للقمح في العالم، وهو ما يوضح جليا أهمية المشروع.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي


ويعد مشروع الدلتا الجديدة أو ما يسمى «مستقبل مصر» جزءا حيويا ورئيسيا من استراتيجية القاهرة لزيادة مساحة الرقعة الزراعية في الامتداد الصحراوي لعدد من المحافظات في الغرب، من خلال التطوير الزراعي الواسع والذي سيكون مجالا لاستثمار أكثر من 40 شركة من القطاع الخاص، بالإضافة لعدد كبير جدا من صغار الخريجين، حيث تقوم الدولة المصرية بتمليكهم مساحات صغيرة لاستزراعها وإمدادهم بمستلزمات الزراعة الحديثة ووسائل الري المتطورة والتي تعتمد على ترشيد الاستهلاك المائي، وزيادة الإنتاجية الزراعية، وهو هدف استراتيجي ضمن أولويات مصر في رؤيتها المستقبلية 2030 التي يعد من بين خطواتها تقليل البطالة، وزيادة العملية الإنتاجية بالإضافة لتعزيز فرص الاستثمار وترشيد استخدام المياه في الإنتاج الزراعي قدر الإمكان من خلال طرق الري المتطورة، واستخدام المعدات الحديثة، وكذلك تفعيل مجتمعات صناعية يتم ربطها بعملية التنمية الزراعية في الصحراء، وهو ما يقود الدولة المصرية لتحقيق الأمن الغذائي قي محاولات حثيثة للوصول للاكتفاء الذاتي من المنتجات الزراعية، وهو ما يرتبط باستراتيجية القضاء على البطالة والنمو الاقتصادي، وصولاً لعملية التنمية المستدامة وتعظيم العائد الاقتصادي مما يسهم في زيادة الدخل القومي للدولة.

من احتفالية افتتاج المشروع


ويتزامن مع المشروع القومي آليات للتوسع في صناعة السماد الحيوي والبكتيري والمخصبات الحيوية، بجانب منشطات النمو النباتية والمغذيات الورقية بهدف رفع إنتاجية الفدان وما يستتبعه من خفض تكلفة الإنتاج الزراعي حيث تم إنشاء البرنامج الوطني لإنتاج التقاوي بهدف خفض استيرادها من الخارج بالعملات الأجنبية، وتحسين هذه التقاوي من خلال إنتاج أصناف تتناسب مع طبيعة التربة الصحراوية الجافة، وتكون أقل استهلاكا للمياه، وكذلك استنباط انواع من الأرز الذي يستهلك كميات قليلة من المياه مقارنة بمحصول الأرز المنتج من خلال الري التقليدي .

مصادر مياه
ويأخذ المشروع حيزاً متنامياً ضمن امتداد محور روض الفرج- الضبعة الجديد، بطول يزيد على 120 كلم وبعمق حوالى 70 كلم، ويبعد حوالي 30 دقيقة عن مدينة السادس من أكتوبر.


وجرى تقسيم المشروع إلى قطع متساوية يبلغ كل منها مساحة ألف فدان يتم الوصول إليها من خلال 60 طريقا طوليا و35 طريقا عرضيا وذلك لسهولة العمل به ووصول مستلزمات الزراعة من أسمدة وبذور ومعدات، وكذلك تسهيل عملية نقل المنتجات الزراعية من المشروع للأسواق وكذلك لموانئ التصدير المختلفة.


وتم استصلاح وزراعة حوالي 350 ألف فدان من خلال 2600 جهاز ري حديث كانت ضمن إنتاج الموسم الجاري والماضي بالأسواق المصرية بإجمالي تكلفة 8 مليارات جنية مصري تم إنفاقها في تمهيد حوالي 500 كلم من الطرق، وحفر آبار للمياه الجوفية، وإنشاء محطتين للكهرباء بقدرة 350 ميغاواط.

المشروع يمتد على مساحة مليون و200 ألف فدان


وكذلك شبكة كهرباء داخلية بطول 200 كلم جاري ربطها بشبكة كهرباء الدلتا الجديدة وقواعد المشروع الإدارية والسكنية، حيث يوفر المشروع ما يزيد على 10 آلاف فرصة عمل مباشرة، وحوالي 360 ألف فرصة غير مباشرة بزيادة دورية في كلتيهما مع سير العمل في المشروع، ومتابعة مستمرة من وزراة الزراعة واستصلاح الأراضي المصرية وبخبرات مصرية كبيرة.

مشروع قومي
ويشرف المشروع القومي في مصر على عدد من المشاريع العملاقة المرتبطة به ومن بينها مشروع الصوب الزراعية في منطقة اللاهون التي تقع ضمن نطاق محافظة الفيوم بمساحة إجمالية تصل إلى حوالي 16 ألف فدان تحتوي على 1800 صوبة بتقنيات أسبانية ومصرية تقوم بزراعة محاصيل الفاصوليا الخضراء، والفلفل الملون، وأنواع متعدد من الطماطم، هذا بالإضافة لعدد كبير من النباتات العطرية والطبية متنوعة الاستخدام وذات القيمة العالية مثل النعناع والزعتر والبردقوش والينسون، وزراعات الفاكهة الشهيرة في مصر ومن بينها المانجو والعنب والرمان والتين والموز، بالإضافة للزهور ذات العائد الاقتصادي المميز نظرا لتصديرها للخارج مثل الجلاديوس والورد بأنواعه وخاصة البلدي منه، والقرنفل الأميركي والزنبق.


ويشرف «مستقبل مصر» كذلك على مشروعي المنيا وبني سويف لاستصلاح الأراضي بمساحة 80 ألف فدان تستزرع عددا من المحاصيل الاستراتيجية من بينها القمح والذرة الصفراء، والفول البلدي، والبرسيم الحجازي، وقصب السكر.


وتعد الكيانات الصناعية المتنامية التي تقام ضمن أولويات التصنيع على ثلاثة مراحل قابلة للتوسع مستقبلا ضمن أهداف المشروع القومي المصري حيث ترتبط به ثلاجات عملاقة لتخزين البطاطس قائم منها حاليا سعة تخزين 80 ألف طن، وصوامع تخزين للغلال قائم منها حاليا 20 ألف طن، هذا بالإضافة لمحطات ومصانع إنتاج للتقاوي والبذور الزراعية وللفرز والتعبئة وتحليل التربة وأمراض النباتات المختلفة وأنفاق تجميد للخضراوات ومصانع للبصل والثوم المجفف وتعبئة وتغليف البقوليات والفواكة وإنتاج وتعبئة وتكرير الزيوت وأعلاف الماشية ومزارع لتربية الأغنام والماشية .

تحديات كبرى
ويعمل المشروع القومي الكبير على مواجهة العديد من التحديات المتعلقة بالمياه بالاعتماد على مياه الأمطار والمياه الجوفية والمعالجة بشكل كبير بعد أن أصبحت معدلات المياه أقل من المعدلات الطبيعية التي يستطيع الإنسان الحياة عليها من قبل، وبالتالي كان لا بد من البحث في المصادر البديلة واستنباط منتجات جديدة تعتمد على المياه المحلاة والمعالجة في استزراع منتجات جديدة من خلال المصادر غير التقليدية للمواءمة بين حجم الاستهلاك وحجم الإنتاج، في ظل وجود مشكلات كبيرة في المياه، ووجود التصحر الذي تعاني منه دول كثيرة وانحسار الرقعة الزراعية نتيجة هذا التصحر.
الزراعات المحمية والصوبات الزراعية، واستخدام التكنولوجيا والري المتنوع، وترشيد الاستهلاك بشكل كبير، من الأمور الجوهرية في المشروع، بالإضافة للعمل على تعظيم الفائدة نظرا لفقد كميات كبيرة من المنتجات الزراعية (الكميات الهالكة) عند نقل المنتجات الغذائية والزراعية مقارنة بالدول الأوروبية التي قضت تقريبا على ذلك، فلا يوجد لديها أي هالك من مصدر الإنتاج للفاكهة أو النبات أو الخضار إلى أن يصل للمستهلك، حيث تفقد مصر من 20-30 في المائة خلال عملية النقل من المصدر والتوزيع في الأسواق المركزية والكبرى.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتفقد المشروع


ويحاول المشروع التقليل من هذه الفواقد في ظل محاولات الحفاظ على الطاقة وتكلفتها العالية والتي ترتبط بها كل العمليات الزراعية من ضخ مياه وخلافه، في ظل اتجاه العالم لتقليل تكاليف الإنتاج، وتعظيم الاستفادة من الدورة الإنتاجية منذ غرس البذور حتى الوصول إلى المستهلك، للاستفادة الكاملة من المنتج، وكذلك استخدام الماكينات الحديثة في عمليات الجمع والتعبئة والنقل والتخزين والتبريد من خلال أسس حديثة متبعة في هذا الشأن لتعظيم العملية الإنتاجية، وتحقيق الاستفادة القصوى .

مخاطر متزايدة
الدكتور خالد محمد غانم أستاذ الزراعة العضوية والبيئة في كلية الزراعة جامعة الأزهر في مصر قال في حديث خاص لـ«المجلة»: «الدولة المصرية تعمل على مواجهة التحديات المتنامية في المجال الزراعي لمجابهة المخاطر المتزايدة والمرتبطة بالمياه والتصحر وشح الأمطار وزيادة النمو السكاني بشكل كبير سنوياً، وهو ما كان محركا للمشروع القومي (مستقبل مصر) الذي يعد من المشاريع الاستراتيجية الكبرى على مستوى العالم في مجال الإنتاج الزراعي وما يرتبط به من مشاريع صناعية».


وتابع: «بدأت مصر في هذا المشروع العملاق من حيث انتهى الآخرون حيث اتبعت فيه نظم الري المتطورة لتعظيم الاستفادة من المياه، وكذلك إعادة استخدامها من خلال عملية «إعادة التدوير» بطرق علمية حديثة تعتمد عليها الدول الكبرى، وكذلك محاولة تعظيم الإنتاج الزراعي باستخدام وسائل زراعية حديثة وتكنولوجيات زراعية متطورة جاءت نتاج أفكار وخبرات عدد من الباحثين والخبراء لتحقيق الاستفادة الكبرى من المشروع لمواجهة تحديات الزيادة السكانية وزيادة الطلب على المنتجات الزراعية في ظل ما يشهده العالم من نقص فيها نتيجة عوامل متعددة والجميع تأثر بما حدث مؤخرا من تأثر أسعار الموارد الزراعية بالأسواق نظرا لعدد من الظروف العالمية».


وأضاف الدكتور خالد غانم: «عمليات الاستثمار الزراعي في التصنيع التي ترتبط بالمشروع مهمة جدا لزيادة الدخل القومي للدولة حيث يمكنها من خلال آليات حرفية في الإنتاج والتسويق تحقيق الاكتفاء الذاتي، وكذلك خلق فرص للتصدير والاستفادة بالعملات الأجنبية، بخلاف فائدتها في توفير فرص العمل والقضاء على البطالة في ظل الزيادة السكانية التي تشهدها مصر، أيضا في تطوير مهارات العاملين في القطاع الزراعي وما يرتبط به من صناعات وهو ما ينعكس بالإيجاب على الصناعة المصرية بشكل عام، ومواكبتها لأسس التصنيع في الدول الصناعية الكبرى».
وتابع: «تحديات البيئة والمناخ بلا شك لا تنفصل عن المشروعات الكبرى المرتبطة بالزراعة ونشير هنا إلى المؤتمر الدولي للمناخ الذي تستضيفه مصر في العام الجاري والذي يبحث العديد من النقاط المهمة والحيوية من بينها ظاهرة الانبعاث الحراري، ويبحث في ضرورة ومدى التزام الدول الصناعية الكبرى فيما يتعلق بالحفاظ على البيئة وحثها على تنفيذ تعهداتها في هذا الشأن نظراً لما يتعرض له العالم من مخاطر بيئية تؤثر بشكل سلبي على الزراعة، مما يضع الكثير من دول العالم في مخاطر متزايدة».

سوء تغذية
وتحذر التقارير المتتالية لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) خلال الفترة الأخيرة من انحراف العالم عن مسار وضع حد للجوع وسوء التغذية حتى عام 2030 بسبب عدد من العوامل، من بينها الأوبئة والتعقيدات المتفاقمة بسببها وما يصاحبها من تقديرات إضافية لتكلفة الغذاء الصحي، ومدى القدرة على تحمل نفقاتها من قبل الحكومات، بالإضافة لزيادة وتيرة ودوافع الجوع وسوء التغذية بسبب النزاعات المختلفة، وتقلبات الطقس والأحوال المناخية الشديدة وما يصاحبها من تباطؤ وانكماش اقتصادي التي تتفاقم بفعل أسباب الفقر وعدم المساواة ومعاناة الملايين حول العالم من انعدام الأمن الغذائي- بحسب الأمم المتحدة- وعدم مقدرة الملايين على تحمل تكلفة الأنماط الغذائية، ووصول الجوع وسوء التغذية في العالم لمستويات وصفتها بالحرجة .


وتعمل كل من وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية في مصر خلال الفترة الأخيرة على إضافة 135 ألف فدان لمحور الضبعة بجانب المساحة المستهدفة فعليا في مشروع مستقبل مصر والدلتا الجديدة، وكذلك زيادة المساحة المستزرعة إلى 17.5 مليون فدان، وزيادة الإنتاجية بالنسبة للفدان وذلك في إطار خطة ما يسمى الزراعة التعاقدية، وتصدير المنتجات الزراعية التي تقوم على التوسع في سياسة إنشاء الصوب الزراعية وإضافة 20 ألف صوبة جديدة.


وتهدف الحكومة المصرية لإنشاء بنية أساسية لخدمة المشروع القومي من خلال حفر آبار مياه جوفية، والقيام بعملية تمهيد للطرق بطول 500 كم، وإنشاء مجمعات سكنية وعمرانية ومبانٍ إدارية للإشراف على المشروع، بالإضافة لعدد كبير من المخازن الخاصة بمستلزمات الإنتاج، وتخزين الحاصلات الزراعية، بجانب محطتين للكهرباء، وشبكة كهربائية كبيرة لخدمة المجمعات الصناعية التي تقوم على الإنتاج الزراعي، وما يتبع كل ذلك من استخدام الوسائل التكنولوجية المتطورة في المجال الزراعي والاستعانة بالخبرات الأكاديمية والعلمية من الأساتذة والمتخصصين خاصة في مجال الزراعات المحمية والصوبات الزراعية بما يعزز من عمليات الإنتاج التي تستهدف الداخل والتصدير للخارج بعد توفير المنتجات، والحاصلات الزراعية للسوق المحلية لتحقيق الأمن الغذائي وتوفير عشرات الآلاف من فرص العمل في العديد من التخصصات المرتبطة بالمشروع مما ينعكس بالإيجاب على خطة مصر لتحقيق التنمية المستدامة 2030.