أسهم شركات التكنولوجيا... بين التصحيح والانهيار

2.6 تريليون دولار تم محوها منذ مطلع عام 2022
الانخفاض طال أهم شركات في العالم

بيروت: تخلى المستثمرون مؤخراً عن قطاع حقق لهم عوائد كبيرة منذ الأزمة المالية العالمية التي حصلت عام 2008، إذ استغنوا عن أسهم شركات التكنولوجيا سريعة النمو لصالح الشركات الراسخة التي أغفلتها وول ستريت إلى حد كبير أو إلى الاستثمار في سندات الخزينة الأميركية، لذا كان الانهيار الأخير في أسهم  التكنولوجيا مذهلاً.


وهناك كثير من الأسباب التي تدعو إلى الاعتقاد بأن الانهيار لم ينته بعد، مع أنه لا يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا الكبرى، على الرغم من أن حجم الثروة التي تم محوها منذ بداية العام كانت كبيرة، إذ خسرت أكبر خمس شركات تكنولوجيا نحو 2.6 تريليون دولار وهو ما يوازي 26 في المائة، وهو ضعف الانخفاض الذي حصل في مؤشر داو جونز الصناعي.


لكن لا تزال هناك بعض الأسئلة المهمة، فشركة أمازون تعاني تعديلاً حاداً بشكل غير معتاد بعد حملة إنفاق هائلة، في حين أن المشكلات التي تواجه شركة ميتا (فيسبوك سابقا)، وهي تحاول إعادة تكييف نفسها لا ترقى إلى كونها مشكلات وجودية. لكن بشكل عام، تم إلى حد كبير محو أهمية شركات التكنولوجيا الكبرى بالنسبة إلى بقية السوق، ومن المرجح أن تظهر الصفات الدفاعية للشركات في الأوقات الاقتصادية الصعبة.

انخفاض الأسهم سببه عوامل عدة أهمها التضخم

عوامل عدة وراء الانهيار
في الواقع، الفأس معلقة فوق شركات التكنولوجيا عالية النمو. هذا هو المكان الذي بلغت فيه التقييمات مدى بعيدا، وتواجه فيه السوق صعوبة كبيرة في العثور على أدنى مستوى لها. ولأن المستثمرين يبحثون عن المعايير المالية الأكثر ملاءمة التي يمكن استخدامها للحكم على هذه الشركات، إضافة إلى مضاعفات التقييم الصحيحة لتطبيقها على تلك المقاييس، فمن المرجح أن تظل التقلبات مرتفعة.


عوامل عدة كانت وراء هذه الانهيارات، أبرزها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية في أوروبا، والتراجع القوي في أسهم التكنولوجيا مع هبوط أسهم شركة «تسلا»، على خلفية تخوّف المستثمرين من بيع الرئيس التنفيذي للشركة إيلون ماسك أسهمه لتنفيذ صفقة شراء أسهم «تويتر» بمبالغ تتجاوز الأربعين مليار دولار.


فقد هوت أسهم شركة «تسلا» بأكثر من 12 في المائة في يوم واحد، وسحبت معها أسهم التكنولوجيا الكبرى، حيث بدأ التخوف في «وول ستريت» من إمكانية تسريع وتيرة رفع الفوائد من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، حيث سارع المستثمرون في بيع أسهم التكنولوجيا المعروفة بأسهم النمو.
وانخفض مؤشر «ناسداك 100» الذي يقيس أكبر 100 شركة تكنولوجية، بنسبة 20 في المائة من أعلى مستوى وصله في يناير (كانون الثاني) الماضي.


وجاءت الانخفاضات في شركات التكنولوجيا في سياق أحداث عدة شهدتها «وول ستريت»، مع التراجع الكبير الذي منيت به شركة «نتفليكس» على خلفية الهبوط الحاد في عدد المشتركين لديها.


إذ تم تداول أسهم شركة «زووم» الآن بأقل من ستة أضعاف مبيعاتها المتوقعة لهذا العام، وهذا بعيد كل البعد عن الإيرادات بأكثر من 85 ضعفا التي بلغت ذروتها في 2020. لكن توماس تونجوز، من شركة ريدبوينت فينشرز، أجرى حسبة تشير إلى أن شركات البرمجيات السحابية، حتى بعد الانخفاض 70 في المائة تقريبا، لا تزال تتداول بعلاوة 50 في المائة على مضاعفات السعر إلى الإيرادات التي كانت عليها في 2017.


كما أن مضاعفات الإيرادات تتراجع بسرعة، حيث يحاول المستثمرون تقييم استدامة الشركات التي تم إنشاؤها من أجل النمو، لكنها تواجه صدمة مالية واحتمال تراجع اقتصادي. وبدأ كل من المستثمرين والمديرين التنفيذيين في مجال التكنولوجيا الابتعاد عن مقياسين مفضلين للربح كانا شائعين بين مستثمري التكنولوجيا خلال ازدهار السوق، هما الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك وسداد الدين، والآخر صافي الأرباح التي تستبعد تكاليف تعويضات الأسهم.


ما هي الأسباب التي أدت إلى هذا الانهيار وإلى هذه الخسائر المالية الفادحة وهل هناك تخوف من أن تتكرر أزمة العام 2008 التي انطلقت من الولايات المتحدة وامتدت إلى معظم دول العالم وأرهقت اقتصاداتها واستنزفت أموال المستثمرين؟

غبريل: تراجع كبير لأسهم شركات عالمية
كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس الخبير المالي والاقتصادي الدكتور نسيب غبريل اعتبر أن تراجع مؤشر داو جونز هذا العام 14 في المائة لغاية الأسبوع الأخير من شهر مايو (أيار) سببه وقف ضخ السيولة في الاقتصاد الأميركي الذي بدأ مع تفشي كورونا وبعد انخفاضها، إذ أقدم الفيدرالي الأميركي على رفع نسب الفوائد وهناك توقعات بأن يستمر في رفعها بشكل مستمر، لمعرفة رد فعل الاقتصاد الأميركي، وأيضاً للجم التضخم، لأن نسب التضخم اليوم أعلى بكثير من هدف الفيدرالي. وهناك إشارات بأن الفيدرالي قد يرفع نسب الفوائد في شهري يونيو (حزيران)، ويوليو (تموز) بنحو 10 نقاط أساس وسيتبعها ارتفاع آخر من أجل لجم التضخم.

الخبير المالي والاقتصادي الدكتور نسيب غبريل


وأضاف غبريل: «بالنسبة للأسهم، هي على تراجع منذ مطلع العام الحالي وهذا الأمر سببه خوف المستثمرين من التضخم على الاقتصاد وهذا ما دفعهم للبحث عن ملاذات آمنة أخرى مثل سندات الخزينة الأميركية وغيرها، خصوصاً في ظل التباطؤ الاقتصادي العالمي الناجم عن الحرب الروسية الأوكرانية  واستمرارها وتأثيرها على أسعار النفط العالمية التي تساهم في زيادة نسب التضخم في الولايات المتحدة وخارجها، لذلك لا يمكننا القول إن قطاع التكنولوجيا ينهار، بل إن شركات هذا القطاع تتراجع، إذ إن مؤشر داو جونز لقطاع التكنولوجيا تراجع 30 في المائة منذ مطلع العام الجاري وحتى اليوم، وهناك شركات تراجعت بشكل حاد مثل أسهم نتفليكس التي تراجعت بنسبة 70 في المائة وسهم فيسبوك 47 في المائة وسهم آبل 24 في المائة وغوغل 28 في المائة، وأمازون 39 في المائة، وهذه كلها شركات تكنولوجية، ولكن يجب أن نشير إلى أن سهم شركة آبل هو الذي كان مع الشركات الأخرى يرفع مؤشرات الأسواق الأميركية بشكل كبير خلال العقد الماضي وهي اليوم تتراجع بعد الأرباح الكبيرة التي حققتها، لذلك لا أرى أن هناك تشابها بين الذي حصل في أزمة عام 2008 واليوم لأن أزمة 2008 أسبابها وجذورها مختلفة تماماً عما يحدث اليوم».


وقال: «صحيح أن الاحتياطي الفيدرالي سيستمر في زيادة نسب الفوائد لأن هدفه لجم نسب التضخم لكنه واع على الحركة الاقتصادية وتأثير زيادة الفوائد عل نسب النمو وعلى الاقتصاد في الولايات المتحدة في ظل الحرب الدائرة في الأراضي الأوروبية، لذلك أعود وأكرر أنه لا خوف من حدوث انهيار كما حدث في العام 2008، لأن الأوضاع اليوم مختلفة تماماً عما كانت آنذاك».

الجناحي: عوامل عدّة أدت إلى تراجع الأسهم
من جهته، أكد رئيس مجموعة الجناحي الإماراتية الدكتور عبد السلام الجناحي أن هناك عوامل كثيرة أدت إلى تراجع أسهم كبريات شركات التكنولوجيا في البورصات الأميركية، وأبرزها:

رئيس مجموعة الجناحي الإماراتية الدكتور عبد السلام الجناحي


أولا: وجود تحديات اقتصادية عالمية، ومنها تحديات الاقتصاد الكلي على غرار تضخم التكلفة، واضطرابات سلاسل التوريد العالمية؛ وهو أمر ضغط بشدة على إيرادات الإعلانات، وأضعف مستويات إيراداتها وأرباحها.


ثانيا: دفعت السياسة المتوقعة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي برفع أسعار الفائدة في عام 2022 مستثمري الأسهم إلى التخلص من أسهم شركات التكنولوجيا بالبورصات الأميركية منذ بداية العام الجاري، حيث بدأت حملات بيع مكثفة لأسهم شركات البرمجيات وصانعي الرقائق بوتيرة متسارعة، خاصة من قِبل صناديق التحوط الأميركية.


ثالثا: أدى ارتفاع عائد سندات الخزانة الأميركية، أسهم القطاع التكنولوجي وغيرها من القطاعات لضغوط بيعية إضافية، وسيدفع صناديق التحوط لبيع المزيد من أسهم تلك الشركات.


رابعا: التخفيف التدريجي لقيود كورونا أدى إلى تراجع معدلات الطلب على خدمات شركات التواصل الاجتماعي والتواصل عبر شبكة الإنترنت مقارنة بالعام الأول لانتشار وباء كوفيد-19، حيث دعمت برامج التطعيم ضد الفيروس، وعودة الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها تدريجياً، ومن ثم أضعفت من آفاق أعمال بعض الشركات وعلى رأسها «زووم»، حيث تراجعت الحاجة إلى عقد الاجتماعات عبر الإنترنت، مع عودة الأفراد إلى أماكن عملهم وممارسة الحياة بصورة طبيعية.

«فيسبوك» كان من أكثر الشركات التي طالتها الخسارة


خامسا: ظهور لاعبين ومنافسين آخرين حيث  يتصاعد السباق المحموم بين شركات التكنولوجيا التي تقدم خدمات مشابهة على اقتناص حصص إضافية من السوق العالمية. فمثلاً، يواجه تطبيق «زووم» منافسة قوية مع شركة مايكروسوفت صاحبة تطبيق «مايكروسوفت تيمز» (Microsoft Teams) الذي يجمع بين عقد الاجتماعات ومؤتمرات الفيديو وميزات التواصل الأخرى، والذي بلغ عدد مستخدميه 250 مليون مستخدم نشط شهرياً في يوليو (تموز) 2021.


وأضاف الجناحي: كما يوجد إلى جانب شركة نتفليكس مجموعة من المنافسين الآخرين في العالم، ومن بينهم شركة والت ديزني التي خصصت ميزانيات كبيرة لاقتناص حصة معتبرة من سوق البث الرقمي، وشهدت منصة «فيسبوك» تراجعاً في عدد مستخدميها للمرة الأولى منذ إطلاقها قبل 18 عاماً، مع تحول المستهلكين إلى منصات اجتماعية أخرى تستخدم الإعلانات بوتيرة أقل. وانخفض عدد مستخدمي «فيسبوك» بنحو 100 مليون من نحو 1.93 مليار مستخدم نشط في الربع الثاني من 2021، إلى نحو 1.92 مليار مستخدم بنهاية العام الماضي، وهو انخفاض قياسي في مدة زمنية قصيرة، ما يعكس مشاكل جذرية في نموذج أعمال الشركة.

أمازون شهدت انخفاضاً في أسهمها


وختم الجناحي: «مع ذلك، تتباين الاتجاهات بين المحللين حول اتجاهات أسعار أسهم قطاع التكنولوجيا في عام 2022، حيث يحذر البعض من الاستثمار في أسهم هذه الشركات في ضوء التشديد المُتوقع للسياسة النقدية وارتفاع سعر الفائدة الأميركية، وهو ما قد تنجم عنه موجات بيع صناديق الاستثمار لأسهم تلك الشركات أو غيرها. وفي المقابل، يعتقد آخرون أن الهبوط المُتتالي لأسهم الشركات ليس إلا أمراً عارضاً ومؤقتاً، ويعود سببه إلى الأداء المالي المُخيب للآمال لبعض شركات التكنولوجيا في العام الماضي، والذي يمكن أن يتعافى في المديين المتوسط والبعيد».