التشرد في شوارع لندن

يمكن أن تأخذ حياة شخص ما منعطفًا مفاجئًا، ويمكن أن يكون لهذا التغيير المفاجئ في حياة شخص ما تأثير مدمر على مستقبله؛ فعندما يتجاوز حدث ما في الحياة ويخرج عن نطاق السيطرة ليجبر شخصًا ما على فقدان منزله ويدفعه إلى التشرد.. فهذا طريق خطير جدا.

 

تشير التقديرات إلى أن حوالي 2 في المائة من سكان العالم بلا مأوى. وهذا يتوافق مع ما يقرب من 154 مليون شخص يعيشون في الشوارع حول العالم، أو أماكن إقامة مؤقتة، أو مخيمات اللاجئين أو غير ذلك في كثير من الأحيان في ظروف خطيرة للغاية.

 

التعريف القانوني للتشرد في المملكة المتحدة هو أن «الأسرة ليس لديها منزل في المملكة المتحدة أو في أي مكان آخر متاح ومهيأ للسكن في العالم» (وفقا لما جاء بـGov.uk). وهذا يشمل النوم في أي مكان كمشرد والأشخاص الذين يعيشون في المرائب والسقائف وبيوت الشباب وعربات النوم. فكل شخص ليس لديه عنوان ثابت يعتبر بلا مأوى.

ووفقًا لـ«الحملة الوطنية للمشردين»، فإن شخصًا ما يكون بلا مأوى قانونيًا عندما يتم طرده من منزله، أو طُلب منه المغادرة من قبل الأصدقاء أو العائلة، أو مضطر للمغادرة بسبب العنف المنزلي ولا يمكنه البقاء في مسكنه بسبب الفيضانات أو الحرائق، أو من ينام في ظروف قاسية في الشوارع أو يعيش في مكان يصعب عليه البقاء فيه.

النوم في أي مكان كمشرد هو أكثر أنواع التشرد وضوحًا وخطورة. فالأشخاص المعرضون لذلك هم أكثر عرضة 17 مرة للعنف وسوء المعاملة. وبحسب جمعية كريسيز الخيرية للمشردين، فإن متوسط عمر الوفاة هو 42 للنساء و46 للرجال. وبذلك هم أكثر عرضة 9 مرات للانتحار.

هناك العديد من الأسباب المختلفة لإجبار الناس على التشرد. وهذا يشمل الأسباب الاجتماعية (عدم القدرة على دفع تكاليف السكن)، أو الفقر، أو البطالة، أو الظروف الشخصية (مثل مشاكل الصحة العقلية أو الجسدية السيئة، أو الانفصال، أو فقدان الوظيفة). أو تناول مواد مثل المخدرات أو تعاطي الكحول.

وأيضا، يصبح البعض بلا مأوى عند مغادرتهم السجن أو مراكز الرعاية أو الجيش حيث لا يوجد مكان يذهبون إليه. وبشكل مأساوي، قد تصبح النساء على وجه الخصوص بلا مأوى بعد الهروب من علاقة عنيفة أو مسيئة.

ظروف التشرد مميتة في لندن. ففي خريف عام 2021، كان هناك ما يقدر بنحو 640 شخصًا مشردا لليلة واحدة في لندن، مقارنة بـ710 أشخاص في نفس الوقت من العام السابق. (حسب إحصائيات Gov.com). إذ إن لندن هي المدينة الأكثر تضررًا  من التشرد في المملكة المتحدة.

تشير الإحصاءات إلى أن التشرد الإجمالي قد انخفض خلال السنوات الست الماضية. ففي عام 2018، كان هناك ما يقرب من 4680 شخصًا مشردا حول إنجلترا، وفي عام 2021 كان هناك 2440 شخصًا مشردا. كان هذا أيضًا بسبب مبادرة الحكومة لتقديم حق الإقامة في الفنادق أثناء الوباء.

ومع ذلك، قد تكون هناك زيادة أخرى في حالات التشرد في المملكة المتحدة بحلول عام 2024. ومن المتوقع أنه بسبب زيادة تكلفة الطاقة والارتفاع العام في تكاليف المعيشة وانتهاء فوائد الوباء، يمكن أن يرتفع عدد الأشخاص الذين لا مأوى لهم بمقدار الثلث.

كوني أمًا، أجدها واحدة من أكثر الحقائق حزنًا. فعندما تتجول في شوارع لندن تصادف الكثير من المشردين؛ بعضهم ينام في العراء في نفس المناطق لفترة طويلة، والبعض الآخر ينام هناك لسنوات. بعضهم صغير جدًا مما يجعل قلبي يؤلمني وتبدو عيونهم متعبة.. محاطون بعدد قليل من البطانيات، محتفظين بممتلكاتهم الكاملة ملفوفة في عدد قليل من الأكياس البلاستيكية. يشعرون بالوحدة عندما تمر أمامهم الحياة الملونة للآخرين، أو عندما يلاحظ عدد قليل من الناس وجودهم، أو عندما يجلسون هناك يومًا بعد يوم دون الكثير من التفاعل ودون حب.

ما أعتقد أنه مؤثر للغاية، هو أن التشرد يمكن أن يؤثر علينا جميعًا إذا وجدنا أنفسنا في ظرف نكون فيه الطرف الأضعف، كيف سنتفاعل؟!

أبحث عن استراتيجية لكيفية التعامل مع موقف معين من خلال مواردنا وإمكانياتنا التي نمتلكها، وفي نفس الوقت أدرك كم نحن محظوظون بوجود الأشخاص المناسبين في حياتنا عندما نجد أنفسنا في صعوبات.

لا ينبغي لأحد أن يواجه التشرد وحده. هناك مساعدة من الحكومة متاحة إذا كان شخص ما يواجه صعوبات حقيقية. لن أنسى، عندما كنت طفلة صغيرة، كانت والدتي تغني أحيانًا أغنية «شوارع لندن» لرالف ماك تل، وهي تهدهدني.

«... هل رأيت الفتاة العجوز التي تمشي في شوارع لندن، الأوساخ في شعرها، وملابسها في حالة من الفوضى؟ ليس لديها وقت للتحدث، إنها تواصل المشي مباشرة وتحمل منزلها في حقيبتين... ».

لم أعرف أو أفهم المعنى الكامن وراء هذه الكلمات، كم كنت محظوظة بشكل لا يصدق، لأنني نشأت في منزل محب وآمن .. أن يكون لدي منزل ومأوى فهو من أكبر النعم!