«أخوة دم» عنوان ساخر لتحالف انتهى أمده

يكشف عن أوراق خفية بين محمد علي ومالكولم إكس
من فيلم «أخوة الدم...»

هوليوود: لجلب أفلام ترفيهية كثيرة تقوم «نتفلكس» بإنتاجها وبثّها على شاشتها الإلكترونية، هناك بعض أعمالها التي تتميز بجديتها والتي قد لا تقدم عليها شركات سينمائية أخرى خوفاً من فشلها التجاري. «الأيرلندي» لمارتن سكورسيزي سنة 2019 نموذج لهذه النخبة من الأفلام، على صعيد السينما الروائية، و«أخوة دم: مالكولم إكس ومحمد علي» (2022/21) على صعيد الفيلم التسجيلي أو غير الروائي.


كل من مالكولم إكس ومحمد علي يستحقان فيلماً منفصلاً عنه. وهوليوود لم تتأخر في ذلك. في العام 1992 انبرى سبايك لي لتحقيق فيلمه البيوغرافي عن «مالكولم ×» الذي قام بدوره الممثل دنزل واشنطن. قام بعد ذلك بإنجاز فيلم «علي» (2001) وكان أيضاً من النوع البيوغرافي. وقام وليام سميث بدور الملاكم الأشهر


هذا لجانب عدد كبير من الأفلام الوثائقية التي ألّفت موادها مما التقط في زمن الرجل من نشاطات وأحداث وصولاً إلى اغتيال «مالكولم X» أو إلى حيث قرر محمد علي التوقف عن الملاكمة مكتفياً بإنجازاته.

ألياسا شاباز، ابنة «مالكولم إكس» تتكلم


لكن لا شيء مثل «أخوة دم: مالكولم إكس ومحمد علي» سبق وتم إنتاجه باستثناء فيلم واحد دار حول ليلة اجتمع فيها أربعة أفارقة- أميركيون في أحد الفنادق وبحثوا، فيما بحثوا فيه، قضية تحوّل محمد كلاي من المسيحية إلى الإسلام. الفيلم هو «ليلة واحدة في ميامي»One Night in Miami) ) الفيلم الجيد الذي انبرت (الممثلة) رجينا كينغ لإخراجه سنة 2020.

لقاء ميامي
«ليلة واحدة في ميامي» دراما حول أربعة شخصيات معروفة وحقيقية تلتقي في ليلة من المفترض بها أن تكون احتفاء وإعادة الروح لصداقة ربطت بين هؤلاء من قبل، وهم الملاكم محمد علي (حين كان لا يزال معروفاً باسم كاسيوس كلاي) والداعي السياسي مالكولم إكس الذي كان على وشك الانفصال عن الداعي إليجا محمد وجماعة «أمة الإسلام» والمغني سام وود في قمّة نجاحه والممثل جيم براون الذي كان بدأ يفكّر جدياً باعتزال كرة القدم ومنح التمثيل كل مستقبله، يلتقون للاحتفاء بانتصار محمد علي الأخير على حلبة الملاكمة وتتويجه، والأحداث تقع سنة 1964.


موقع اللقاء شقة في فندق استأجرها مالكولم للغاية. واللقاء يتم بعد التمهيد بعرض موجز لوضع كل من هؤلاء قبل لقائهم هذا. وهو تمهيد يقود مباشرة إلى البحث في العلاقة التي تربط كل واحد من هؤلاء بالآخر وتربطه في الوقت ذاته إلى الوضع السياسي المتأزم في واحدة من السنوات التي شهدت ذروة المشاكل العنصرية في البلاد وبعد اغتيال الداعي مارتن لوثر كينغ وقبل سنتين من اغتيال مالكولم إكس ذاته.

من فيلم «ليلة في ميامي»


كلاي كان قبل اعتناق الإسلام بدعوة من مالكولم إكس والكثير من الحوار بين هذا الرباعي ينطلق من نيّة محمد علي ليبحث عن الإسلام والعنصرية في الولايات المتحدة. مالكولم يروّج لسياسة معادية للعنصرية منتقدا الوضع القائم حيث الأميركي محكوم بلون بشرته وحيث السُلطة تدفع باتجاه الدفاع عن المؤسسة كما هي. المواجهة المحورية تدور بينه وبين المغني سام وود. هنا يرى مالكولم إكس أن وود باع نفسه، من خلال أغانيه العاطفية، لتكريس الوضع القائم إذ تخلو أغانيه من أي روح نقد أو مقاومة. وسام وود يدافع عن غنائه بأن الفن يأتي أولاً وأنه، كمنتج، يساعد الكثير من ذوي البشرة السوداء.


الخلاف يتسع هنا ثم يترك أثراً إيجابياً على الجميع. لن يتكرر اللقاء بينهم  معاً لكن سام وود سيؤلف لاحقاً أغنيته الشهيرة «ولدت على جانب النهر»I Was Born by the River)  ) ليعكس فيها نداء مالكولم إكس له بتوجيه أغانيه لتصبح هادفة.

صداقة ثم عداوة
لكن «أخوة دم: مالكولم إكس ومحمد علي» مختلف تماماً عن أي فيلم من هذه الأعمال الثلاثة السابقة وسواها. موضوعه متعدد الطبقات ويمر على أهم المحطات التي أثرت في شخصية الداعي مالكولم والملاكم محمد وعلى الوضع العنصري الحاد في الستينات والصراع بين جناح المسلمين المنتمين إلى الداعية إليجا محمد وأولئك الذين انتموا إلى جناح مالكولم إكس.


كبداية، يمزج الفيلم (مصوّر بالألوان ويستعين بوثائق معظمها بالأبيض والأسود) بين وثائقيات ومقابلات (مع العديد من الشخصيات بينهم ابنة محمد علي وشقيقه عبد الرحمن وابنة مالكولم إكس  إلياسا شاباز)  وهناك جزء صغير من الأنيميشن الأبيض والأسود وفيها جميعاً سعي للكشف عما لم يكن معظمنا يعرفه حول تلك الفترة وما احتوته من صداقة ثم عداوة. في مطلع الفيلم هناك إيحاء بأننا سنشاهد عملاً حول الاثنين وكيف اعتنق محمد علي الإسلام بتشجيع ورعاية  مالكولم إكس. لكن سريعاً ما تتوزع الصورة على نحو عريض لتتسع لمفاجآت غير محسوبة (إلا لمن قرأ كتاب راندي روبرتس وجوني سميث «أخوة دم: الصداقة القاتلة بين محمد علي ومالكولم إكس») تتداخل فيها الحسابات والقناعات الشخصية التي تؤدي إلى تباعد كبير بين الاثنين.


محمد علي، كان محط اهتمام كل من إليجا محمد (الذي ترأس منظّمة «أمه الإسلام» ومالكولم إكس الذي كان في مطلع الستينات أحد أقرب تلامذة إليجا والناطق الإعلامي للمنظّمة. لكن خلافاً دب بين الاثنين على خلفية حدّة الدعوة التي تبناها مالكولم إكس ضد العنصرية البيضاء مطالباً بانفصال الولايات ذات الغالبية السوداء عن تلك ذات الغالبية البيضاء.


في المقابل ركّز  إليجا محمد دعوته لبناء منظّمة تدعو للإسلام من دون تسييس يقودها بنفسه فيما يقترب من الدعوة الشخصية لتمجيده واعتباره «مرسلاً» (كما قال في واحد من خطاباته على الأقل). خروج مالكولم عن تعاليم إليجا أشعل ناراً بين الاثنين وعزز سعي الثاني لاستقطاب محمد علي لإظهار قدرة مالكولم على تكوين منظّمته الخاصّة بأسماء كبيرة.


لكن محمد علي بدأ يؤثر الانضمام إلى «أمّة الإسلام» على الرغم من الصداقة الكبيرة بينه وبين مالكولم إكس. دافعه لم يكن واضحاً في البداية (ولا حتى مقنعاً في أي وقت لاحق)، وهذا استناداً إلى حقيقة أن مالكولم هو الذي دعا الملاكم لاعتناق الإسلام، ثم على أساس أنهما تبادلا زيارات عائلية.
 كل ذلك انتهى عندما قرر محمد علي الانتماء إلى «أمّة الإسلام» والإشادة بإليجا محمد ومهاجمة مالكولم إكس في كل مناسبة ممكنة.  
في إحدى تلك المناسبات قال: «من يخالف تعاليم إليجا محمد عليه أن يُقتل». نشاهد ذلك بالصورة في نصف الساعة الأخيرة من الفيلم عندما تحثّنا الوقائع على وضع مسافة بيننا وبين محمد علي لصالح مالكولم إكس.


لا يشرح الفيلم أسباباً تتجاوز ما نراه، وهو نجاح إليجا محمد بتبني محمد علي وتحوّل هذا لمهاجم ند لمواقف مالكولم إكس ضد العنصرية.

في أفريقيا
الواقع هو أن مالكولم إكس كان فرداً يقود جماعة من المطالبين مثله بإنهاء العنصرية ولو بأشكال عنف حيال عنف متزايد من قِبل العنصريين البيض (يستعين الفيلم بمشاهد لشنق سود في الساحات العامّة ويأتي على ذكر أحداث مؤلمة أخرى). بصرف النظر عن حجم هذه الجماعة، فإن النداء هنا كان سياسياً بعكس تعاليم إليجا محمد الأقل تطرّفاً بالمقارنة. هذا رغم أن الإعلام وغالبية الأميركيين اعتبروهما متطرّفيْن سواء بسواء.
يتحوّل مالكولم هنا إلى صورة تراجيدية لمناضل ضد العنصرية. من البداية كان هو الفرد المقاوم للسُلطة في مواجهة المنظّمة التي عرفت كيف تعمل داخل المنظّمة الأكبر (الولايات المتحدة). لا توافق على دعوة مالكولم  للانتقام من قتل السود بقتل البيض لكنك تفهم دوافعه منذ أن خسر والده عندما اعتدى عليه بيض بالضرب ثم سحلوه مقيّداً إلى خط السكة الحديد حيث مرّ القطار فوقه وحوّله إلى كتلة لحم هامدة. يرد ذلك كتدليل على  تفشي العنصرية البيضاء على نحو بشع (هنا يستخدم الفيلم صوراً ملتقطة لنماذج) خلال الستينات (وقبلها وبعدها).


أدرك مالكولم أن آفاق دعوته سياسية في المقام الأول وسعى للاجتماع مع قادة أفريقيين، من بينهم الرئيس المصري جمال عبد الناصر، لتأكيد دوره في تلك المرحلة الحاسمة من حياته.


جولة مالكولم للقارة الأفريقية  تمّت في الوقت ذاته الذي قام فيه محمد علي بجولته هناك. الأول كان يبحث عن الدعم السياسي والآخر عن التواصل مع جمهوره الأفريقي. التقى الاثنان من دون موعد في عاصمة إحدى الدول، لكن محمد كلاي رفض مصافحة مالكولم إكس الذي عاد إلى الولايات المتحدة بنظرة جديدة أقل عنفاً من قبل لكن من دون تنازلات. الفيلم يتّهم إليجا محمد باستئجار قتلة لاغتيال مالكولم إكس وهو ما حدث بالفعل في الحادي والعشرين من فبراير (شباط) سنة 1965 وهو في التاسعة والثلاثين من العمر.

مالكولم إكس في «أخوة الدم...»


كلما مضى الفيلم في بحثه التاريخي دفع بالشعور بفداحة خسارة مالكولم  والخطأ الكبير الذي ارتكبه محمد كلاي بسبب ضراوة هجومه غير المبرر على صديق الأمس. في النهاية، وحسب ما تقوله إلياسا شاباز (ابنة مالكولم إكس)، أخبرها محمد علي بأسفه واعتذاره عما بدر منه حيال والدها.
يجيد الفيلم بحثه التاريخي كما ملأ الخانات جميعاً منتقلاً بسلاسة بين المواقف والتواريخ. وما يرصده الفيلم طوال الوقت هو كيف أدّت العنصرية إلى قيام محاولات مواجهتها فردياً من هذه الأقطاب المذكورة (بالإضافة  إلى المبشر المسيحي مارتن لوثر كينغ الذي دعا إلى تلك المواجهة سلمياً).
لا يحتوي «أخوة دم...» على أجندات خاصّة. ما يضعه أمامنا، بتوليف رائع قام به بول كاروثرز وجيريمي سيفر، وموسيقى أكثر من مناسبة  لتوماس برَنَك، هو حقائق مشغولة بإدارة فنية  بارعة  وبمضمون تاريخي واقعي يؤسس لمعرفة جديدة كاملة عن ذلك التقارب ثم التباعد بين أهم شخصيّتين أفرو-أميركيّتين في القرن العشرين أو من بين أهمهم. لا يسعى الفيلم للدعاية والخطابة وتفضيل أحد على آخر. هذا التفضيل يأتي طبيعياً وحسب قناعة المشاهدين، كل على حدة.