تدريس الموسيقى في المدارس... السعودية تقطع خطوة جديدة نحو الحداثة

خبراء: الموسيقى وسيلة لإنشاء أجيال معتدلة وواعية
صورة من حصص تعليم الموسيقى في السعودية قبل 60 عاماً

القاهرة: «إذا أردت الحكم على مستوى شعب ما فاستمع إلى موسيقاه» بتلك العبارة يلخص الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه أهمية الموسيقى في حياة الشعوب، ومن هذا المنطلق تولي المملكة العربية السعودية، اهتمامًا كبيًرا بالفنون والموسيقى باعتبارها وسيلة مهمّة في تكوين وعي الإنسان بالقضايا الكبرى وتحسين الحالة النفسية والمواجهة المبكرة للتطرف، وكانت أحدث مراحل ذلك الاهتمام تعليم الموسيقى في المدارس.

الموسيقى مادة أساسية في كل المدارس العالمية


فقد كشف رئيس هيئة الموسيقى السعودية، سلطان البازعي، أخيرًا، عن توجه وزارتي الثقافة والتعليم بالمملكة لإدراج مادة الفنون إجمالًا في مناهج التعليم العام في السعودية بما فيها الموسيقى والدراما والمسرح والفنون البصرية وصناعة الأفلام، مضيفًا أن «الخطوة القادمة تتعلق بإدراج الموسيقى في مناهج الصفوف الأولية، حتى يتعلم الطلاب من البداية الموسيقى».
وأعلنت الهيئة إطلاق نشاط لاصفّي باسم «الثقافة الموسيقية»، ويقدم النشاط محتوى إثرائيا على منصة «مدرستي» التابعة لوزارة التعليم، بهدف إكساب الطلاب المهتمين فكرة واضحة عن الموسيقى ومهارات كتابة النوتة الموسيقية، والتعرف على أساليب فنانين عالميين، كما أعلنت أيضًا استراتيجية لتطوير القطاع تتضمن حزمة مبادرات وخططا وبرامج من الناحيتين التنظيمية والتشريعية ودعم التخصصات الموسيقية ملحنين ومؤلفين موسيقيين وعازفين وفنيين ومستثمرين، وتمكينهم من ممارسة نشاطهم في بيئة مثالية، تكفل تطوير القطاع وتحويله إلى صناعة مؤثرة.

مكاسب اقتصادية
تحمل خطة هيئة الموسيقى شقًا اقتصاديًا بجعل القطاع منتجًا وفعالًا، بما يرفع من مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، بقيمة تصل إلى 1.0 في المائة، إلى جانب طموح الهيئة في توفير 65 ألف فرصة عمل في المجالات الموسيقية بحلول عام 2030.
وتنظر بعض الدول للموسيقى كصناعة مربحة مثل بريطانيا التي تدر 8.3 مليار جنيه إسترليني للاقتصاد البريطاني، حتى إن موسيقى البوب وحدها تعود بأموال على لندن أكثر من صناعة السيارات وأسهمت بنسبة 9 في المائة من الاقتصاد العالمي بسبب زعامتها العالم في تأليف الأغنيات وتلحينها وإنتاجها وتسجيلها وفي إقامة الحفلات الموسيقية الحية.
وفي الولايات المتحدة الأميركية، تحقق الموسيقى عائدًا كبيرًا للاقتصاد المحلي، ففي النصف الأول من عام 2018 بلغت عائدات الموسيقى 4.6 مليار دولار بزيادة قدرها 10 في المائة عن 4.18 مليار دولار المسجلة خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2017، بينما نجحت موسيقى «كيبوب» التي ابتكرها شباب كوريا الجنوبية، في تحقيق عائدات بالمنطقة الآسيوية بقيمة 5 مليارات دولار.
الخبير الاقتصادي المصري نادي عزام يشير إلى أن المملكة لديها خطة واعدة حاليا لتنويع اقتصادها ليصبح شاملاً غير معتمد على النفط فقط، وبالتالي شهدنا في الفترة الأخيرة اهتماما بالفنون كصناعة سواء الإنتاج السينمائي أو الموسيقي وتنظيم المهرجانات الفنية ذات الطبيعة السياحية التي وصلت لأكثر من 120 مهرجاناً وحدثا في صيف عام 2018 الماضي.
يضيف عزام أن الفكر السعودي حاليًا يجب أن يكون مثار اهتمام من باقي الدول العربية فالاقتصاد لم يعد صناعة أو تصدير سلع فقط ولكن الخدمات الفنية أصبحت رقما لا يستهان به، ففي 2016 حققت مبيعات التذاكر لأفلام السينما الأميركية حول العالم قرابة 40 مليار دولار كعائدات وهو رقم ضخم يتجاوز ميزانيات دول عربية حاليًا.

 تسعى المملكة حالياً إلى توثيق الموسيقى التقليدية السعودية والمحافظة عليها

منافع تربوية
الاهتمام بتعليم الموسيقى في المدارس الغربية لم يأت من فراغ، فالأبحاث تؤكد أن لها مزايا تربوية، في مقدمتها تحسين القدرات اللغوية بسبب تأثيراتها على القدرات العقلية للأطفال، ففي دراسة أميركية تم إجراؤها عام 2009 تبين أن الأطفال الذين تعلموا الموسيقى، ظهرت لديهم تغييرات مرئية في الشبكات العصبية أثناء تصوير الدماغ.
تؤكد الدراسات أيضًا أن تعليم الموسيقى ينمي القدرات العقلية للأطفال ومهارات الرياضيات بجانب تحسين استعداد الطفل وحالته المزاجية بتقليل التوتر ولذلك تم ابتكار العلاج بالموسيقى الذي ثبت أنه يحدث نوعا من الاسترخاء على مدار 45 دقيقة، كما يساعد العزف على اكتساب القدرات على التركيز مع الآخرين حتى لا يخرج نغمة نشاز مغايرة لهارموني الإيقاع العام.
كما ينعكس أيضًا على سلوك الطفل تجاه الأسرة والآخرين فالأطفال الذين يتقنون الموسيقي يتعلمون الاحترام لأقرانهم باعتبارها تغرس في الإنسان الصبر في التعلم حتى الوصول لمرحلة الإجادة، والتخلي عن الغرور والتكرار من أجل معالجة الأخطاء، بجانب التعرف على الحضارات الأخرى وتوسيع المدارك وفهم أفضل للحياة.
يقول ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل المصري والخبير التربوي المعروف، إن الخطوة السعودية في مجال تعليم الموسيقي بالمدارس محمودة، فالمدارس حاليا تقاس بكمية الأنشطة التي تتضمنها سواء على المستوى الثقافي أو الرياضي أو الفني، خاصة أن الموسيقى تخلق جيلاً ودودا غير متشدد، كما ثبت في جميع الدراسات انعكاساتها على جودة التحصيل المدرسي، ولذلك تهتم بها المدارس الغربية كثيرًا.
وأضاف أن الموسيقى تعمل على اكتمال شخصية الطفل من رياض الأطفال وحتى جميع مراحله العمرية، كما تساعد الطفل على العيش حياة سوية بعيدا عن المغالاة والتعقيد وتساهم في المواجهة المبكرة للتطرف فلا يمكن أن يجتمع الموسيقى والإبداع مع التشدد في عقل واحد.

الموسيقى والمسرح أداتان ثقافيتان وعنصران من عناصر الهوية الثقافية

توثيق تاريخي
تسعى المملكة حاليا إلى توثيق الموسيقى التقليدية السعودية والمحافظة عليها في 13 منطقة في المملكة، انطلاقاً من منطقة عسير، وإنشاء مكتبة موسيقية شاملة للأغاني التراثية والوطنية، وتمكين ودعم الفنانين الموهوبين المحليين من تأليف وتسجيل كإشارة للالتزام بتطوير الصناعة.
اهتم الكثير من المؤرخين بالجانب الموسيقي في توثيق حياة البشر باعتبار الأغاني والمعزوفات تتضمن ملامح فترات زمنية بدقة ربما أكثر من الكتب المسرودة مثل لويس بوركهارت الذي تطرق في رحلته للحجاز للجانب الموسيقي والآلات المستخدمة التي كان من بينها الربابة ووثق في كتاباته القصائد المعزوفة لأهالي الجوف التي تضمنت تفاصيل عن حياتهم وأوضاعهم.
تتضمن المملكة تراثًا خاصًا بكل منطقة يمكن توثيقه من الآلات المعزوفة بها فالمناطق الجنوبية اعتمد تراثها على المزمار والمناطق الشمالية ارتبطت بالربابة، أما الأحساء فارتبطت بالإيقاع الإنساني المسموع بينما كانت للمناطق الأكثر انفتاحًا على البلاد المجاورة تشكيلات أكثر من الآلات.
من هذا المنطلق كان اهتمام المملكة ببدء تأسيس متحف موسيقي خاص بالفنان الراحل طارق عبدالحكيم في مدينة جدة بمحتويات تُعبّر عن ثراء التاريخ الموسيقي المحلي وإسهامات الفنان الراحل في مسيرة الفن في المملكة. وسيفتتح المتحف في أواخر عام 2022م وسيقام بشكل دائم في بيت المنوفي بمنطقة البلد التاريخية المسجلة في قائمة اليونيسكو للتراث العالمي عام 2014م.
ويتضمن المتحف مجموعة من أرشيف ومتعلقات طارق عبدالحكيم الشخصية، من آلات ومؤلفاته الموسيقية من الأناشيد الوطنية وغيرها. وينقسم المتحف إلى قسمين رئيسيين أولهما لعرض التاريخ الشخصي للفنان الراحل، والثاني سيكون مركزاً للأبحاث الموسيقية يشمل مقالات وكتابات عن الموسيقى السعودية بالإضافة إلى بحوث عن موسيقى العالم العربي، وسيخدم الباحثين الموسيقيين الذين يتطلعون إلى توسيع معرفتهم بالموسيقى العرقية والقومية.
طارق عبدالحكيم هو عميد الفن السعودي، فقد كان مُلحّناً ومُغنياً، وباحثاً في الموسيقى، ومؤرخاً يجمع الوثائق والآلات الموسيقيّة، وكان مُهتماً بالفنون الفلكلورية وقائداً لفرقة موسيقية، وكان أول سعودي يدرس موسيقى الفرقة العسكرية، وتعلم هناك قراءة وكتابة النوتة الموسيقية، وقام وقتها بتأليف وتسجيل مقطوعات موسيقيّة غنّى بعضها فناون عرب، وتم استخدامها في الإذاعة المصرية. وعندما عاد إلى المملكة، أسس مدرسة موسيقى الجيش السعودي عام 1954م ودرّب 14 فرقة لمسيرة عسكرية كاملة تم توزيعها على مدن ومناطق مختلفة من المملكة.
واهتم طارق عبدالحكيم بالإرث الشعبي الوطني؛ حيث كتب أكثر من عشرة كتب ومخطوطات تغطي الموسيقى الإقليمية، والآلات، والموسيقيين، كما كتب عدّة أعمال تتناول مجموعة من الموضوعات الثقافية والتراثية من الطعام التقليدي إلى الألعاب والأساطير والأقوال. إضافةً إلى ذلك؛ ألّف أكثر من 500 مؤلَّف موسيقي وعدّة أغان شعبيّة. وفي عام 1972 ساعد طارق عبدالحكيم في تأسيس الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون.
وفي عام 1976 تم تعيين طارق عبدالحكيم رئيساً لقسم الفولكلور في المملكة، كما قام بتشكيل فرقة وطنية تقدم عروضاً في المناسبات الكبرى. وحصل على الاعتراف محلياً ودولياً، ففي عام 1981 فاز بجائزة اليونيسكو الدوليّة للموسيقى كأول عربي يحصل على هذه الجائزة والموسيقيّ السادس في العالم الذي يُمنح هذا الشرف. وفي عام 1983 تم انتخابه رئيساً لمجلس الموسيقى العربية التابع لجامعة الدول العربية ثم أُعيد انتخابه عام 1987 حيث شغل منصب ممثل المملكة العربية السعودية.  

أصبحت المملكة مركزاً فنياً لأهم المهرجانات والفعاليات

جودة الحياة
لا تدخر قيادة المملكة حاليًا جهدًا في سبيل تحقيق غايتها في «جودة الحياة» أحد برامج تحقيق رؤية المملكة 2030م، والذي كان من بين مكوناته مهرجان الغناء بالفصحى الذي دعم الفنّ الأصيل ومحبّيه بحزمة من الأغاني الكلاسيكية العربية والقصائد الفصحى الأصيلة لشعراء مثل قيس بن الملوح ويزيد بن معاوية وآخرين.
أثبت الشعب السعودي أنّه متعطش للحياة العصرية بعدما نجحت المملكة على مدار سنوات في رفع مستوى الوعي الفني والثقافي والتعليمي، وخير دليل على ذلك مهرجان «ميدل بيست» السنوي للموسيقى في السعودية الذي شهد في نسخة العام الماضي بنهاية ديسمبر (كانون الأول) تدفق حشد يقدر بأكثر من 700 ألف شخص، في نهاية الفعالية التي استمرت أربعة أيام.
دشنت هيئة الموسيقى نحو 60 مبادرة تتعلق بجودة الحياة في السعودية، من بينها تأسيس أول أكاديمية افتراضية للتعليم الإلكتروني في العالم تستخدم تقنية الواقع المعزز (الافتراضي) لأكثر من 50 تخصصاً موسيقيّاً، وبدء العمل على تأسيس بيت العود المتخصص في آلة العود وطرق ومناهج تدريسها، ومعرفة تاريخها، وطرق صنعها، وإتقان عزفها، وإنشاء أكاديمية الموسيقى العربية، ومركز الأبحاث الموسيقية بالدرعية.
من ضمن استثمارات الهيئة أيضًا في المجال ذاته بناء أكبر استوديو تسجيل رائد في العالم بالرياض، وتشجيع القطاع الخاص على فتح أكثر من 50 استوديو تسجيل في جميع أنحاء المملكة، مع التركيز على جانب التراخيص والملكية الفكرية التي تعتبر أساسًا لتمكين الثقة بين شركاء الهيئة في الصناعة، والسماح للشركات بالمنافسة، والفنانين الموهوبين لتسويق مواهبهم وحماية حقوقهم.
الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين يؤكد أن المملكة حاليا تدخل عصرا جديدا من الانفتاح على المستويات كافة وأصبحت لا تقل حداثة عن أي منطقة في العالم مع تنظيم المهرجانات الفنية في مختلف أنواع الفنون، لكن تعليم الموسيقى في المدارس يمثل نقلة جديدة ستجني ثمارها في المستقبل من أجيال واعية ومتذوقة للفن خاصة أن إتقان الفنون يعلم معه تقبل النقد والتفكير بشكل عقلاني وواع فالموسيقى حاليا تم توظيفها في مجالات وصلت إلى العلاج النفسي.
وأكد أن المملكة تمضي حاليا بخطى ثابتة نحو فرض نفسها كمنبر للفن في المنطقة في ظل كمية المهرجانات الفنية والفعاليات التي تحتضنها وتنظمها والخطط التي وضعتها لتكيف الإنتاج الفني والثقافي والحضور في المحافل الدولية والوصول لمنصات التكريم.