بريطانيا «تُصدِّر» المهاجرين... وآخرون «يُصدِّرون» العجائز

أعرق الديمقراطيات تتنكر لشعاراتها... والواقعية السياسية تكشر عن أنيابها!
متظاهرون في لندن ينددون بالاتفاق الذي يسمح بترحيل طالبي اللجوء إلى رواندا (وكالة الأناضول)

القاهرة:  تواجه القارة الأوروبية مرحلة من الاضطراب الشامل تعكس ملامحه السياسية لكنها لا تمثل إلا جانبًا واحدًا من جوانبه، فالقارة التي استمرت في صعود طويل خلال قرنين من الزمان- باستثناء فترة الحربين العالميتين- تتعثر خطواتها منذ نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وتبدو ديمقراطيتها التي كانت أكثر معالم هويتها تأثيرًا في أزمة متعددة الأوجه، واليوم تُتهم بريطانيا- أعرق ديمقراطياتها- بالتنكر للمُثل الديمقراطية، وما خفي كان أعظم!

مهاجرون في ميناء دوفر بإنجلترا بعد أن اعترضهم خفر السواحل في بحر المانش (غيتي)

 

عودة أزمة الترانسفير
خلال قرون من التوسع العسكري الأوروبي في قارات العالم القديم والجديد كانت القوى الغربية تتحدث عن الديمقراطية وتطبقها في الداخل بينما جيوشها تقتسم دول العالم وتستولي بـ«البارود» على كل ذرة موارد، وفي روايته المثيرة للجدل: «أ. هـ. إلى كريستوبال» لخص الروائى البريطانى جورج ستاينر الأستاذ بجامعتي كمبردج وجنيف أحد وجوهه بقوله على لسان أدولف هتلر: «أنا لم أخلق القبح، ولم أكن أسوأ القبحاء.. كم عدد التعساء الذين قتلهم أصدقاؤكم البلجيك في الغابات؟.. عشرون مليونًا، وهذه النزهة الخلوية كانت قد بدأت وأنا بعد صبي صغير». وقد كان «الترانسفير» أحد الأسلحة الخطيرة التي استخدمتها القوى الأوروبية خلال سنوات صعودها الطويلة، فتم نقل ملايين الأوروبيين (ملايين من رعايا المستعمرات) من مكان إلى آخر في الإمبراطوريات الاستعمارية المترامية الأطراف، دون أي اعتبار لقيم الحقوق والحريات، وفي تعارضٍ تامٍ مع المُثل الديمقراطية التي امتلأ بها الخطاب الأوروبي.  
وبعد الحرب العالمية الثانية كانت أوروبا ترفل في حقبة من الازدهار الاقتصادي جعلتها ترفع الصوت عاليًا بالزهو بديمقراطيتها التي تمنحها الحق في الحديث بلسان «ضمير العالم» الذي يوزع قرارات الإدانة على الشعوب الأخرى الفقيرة «ديموقراطيًا»!
ومع أول أزمة حقيقية تواجهها أوروبا، وبخاصة بعد الأزمة المالية العالمية التي بدأت في العام 2008، كشرت أوروبا عن أنيابها وشهدت ممارساتها السياسية منعطفًا تكاد تكون قد عادت به إلى استخدام سلاح «الترانسفير»، وإن اختلفت التفاصيل قليلًا، واليوم تشهد بريطانيا جدالًا حادًا- هو الأعلى صوتًا وإن لم يكن الأول- حول التعامل مع المهاجرين غير الشرعيين، ولسان الحال يقول بوضوح شديد: «لا تصدقوا ما نقول، بل صدقوا ما نفعل». 

وزيرة الداخلية البريطانية مع وزير الخارجية الرواندي بعد توقيع اتفاقية شراكة في كيغالي (رويترز)


 الاتفاقية البريطانية الرواندية
«التايمز» البريطانية نقلت الجدل المحتدم حول اتفاق بريطاني رواندي لنقل المهاجرين غير الشرعيين إلى رواندا، عندما نشرت تقريرًا عنوانه: «الأمير تشارلز: نقل المهاجرين إلى رواندا مروّع». وتصريح الأمير تشارلز لم يكن الاحتجاج الأول، وواجه الاتفاق معارضة واسعة، فطالبت أكثر من 160 منظمة خيرية وجماعة من جماعات الناشطين بإلغاء ما وصفته بالسياسة «الوحشية». وجاءت انتقادات أخرى من أحزاب المعارضة وأعضاء في حزب المحافظين الحاكم. وكان أحد أكثر الاحتجاجات حساسية على لسان جاستن ويلبي كبير أساقفة كانتربيري، إذ قال إن هناك «أسئلة أخلاقية جدية حول إرسال طالبي اللجوء إلى خارج البلاد». وهكذا وجدت الديمقراطية الأعرق في أوروبا نفسها تؤكد بسلوكها السياسي أن المُثل الديمقراطية تكون أول من تتم التضحية به إذا بدا أن رفاهية الشعب البريطاني تتعرض لتهديد، وكأن احترام الشعار مرهون- صراحةً أو ضمنًا- بالرخاء، وأن «الواقعية السياسية» تسمح- فقط تسمح- باحترام المثل طالما لم تشكل تهديدًا للمصالح!
كانت محكمة بريطانية سمحت بنقل طالبي لجوء من المملكة المتحدة إلى رواندا، وبموجب سياسة الحكومة البريطانية، سيتم نقل من يدخلون المملكة المتحدة بشكل غير قانوني إلى رواندا لتقديم طلبات لجوء هناك. وانتصرت وزيرة الداخلية البريطانية بريتي باتيل في أول جولات المعركة القضائية، بصدور حكم قضائي يسمح بالترحيل (الترانسفير). وقد أثار حقوقيون مخاوف بشأن أوجه القصور في نظام اللجوء في رواندا واحتمالية تعرض الـمُرحَّلين لخطر «الإعادة القسرية» بترحيلهم من رواندا إلى دولة أخرى. وتتبنى الحكومة البريطانية استراتيجية مزدوجة للدفاع عن خطتها للترحيل، أحد وجهي هذه الاستراتيجية التركيز على الكلفة المالية الكبيرة التي يتحملها دافع الضرائب البريطاني للإبقاء على المهاجرين غير الشرعيين داخل البلاد، ووجهها الثاني تأكيد أن بريطانيا مفتوحة الأبواب بالطرق القانونية، حيث «استخدم أكثر من 200000 شخص طرقًا آمنة وقانونية للمجيء إلى المملكة المتحدة منذ عام 2015»، بحسب إفادة لوزيرة الداخلية أمام مجلس العموم. وفي الوقت نفسه يركز كثير من المؤيدين لسياسة الترحيل على حقيقة أن تعزيز قدرة بريطانيا على السيطرة على حدودها في وجه موجات القادمين من خارجها، حتى من مواطني الدول الأوروبية نفسها، كان أحد أسباب تصويت كثير من البريطانيين للبريكست (2016)، وبالتالي على الحكومة الاستمرار في حماية البلاد من «الطوفان»!

روانديات من طالبي اللجوء في المملكة المتحدة (وكالات)

نقطة تحول تاريخية؟
الجدير بالنقاش ما تواتر على لسان عديد من المعلقين من أن الاتفاق «تاريخي» والوصف في محله تمامًا، فالقرارات السياسية الخلافية شيء، والمنعطفات التاريخية- حتى لو كانت رمزية- شيء آخر. وبحسب أحد هذه التعليقات الناقدة أن بريطانيا التي صادقت على اتفاقية جنيف (المتعلقة بوضع اللاجئين) عندما تقوم بإبرام هذا النوع من الاتفاقيات (مع دولة أفريقية) فإننا أمام «أمر قوي للغاية من الناحية الرمزية». من ناحية أخرى، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أمرًا قضائيًا مؤقتًا بوقف ترحيل الدفعة الأولى، وجاء في نص حكم المحكمة الأوروبية، فيما يتعلق بمواطن عراقي أنه لا يجوز إبعاده حتى انتهاء إجراءات المراجعة القضائية الجارية، ومن المقرر أن تجري المحكمة العليا البريطانية هذه المراجعة القضائية في يوليو المقبل. ومن الناحية السياسية وضع الحكم الأوروبي بذرة مواجهة أووربية/ بريطانية حول المشكلة، وهو ما يعكسه تصريح لوزيرة الداخلية البريطانية قالت فيه إن «من المدهش للغاية أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تدخّلت»، مؤكدةً أن الحكومة لن ترتدع وتستعد للرحلة المقبلة.
من ناحية أخرى، يشكل السجال البريطاني- وفي القلب منه موقف ولي العهد البريطاني ورئيس أساقفة كانتربري- صفحة من صفحات التفكير الأخلاقي الذي كان كثير من منتجية ومستهلكيه يؤكدون ضرورة أن تتقيد «الواقعية السياسية» بقيود أخلاقية حتى لا تتحول إلى التنكر التام للقيم البريطانية، وفي الوقت نفسه يتلاقى هذا التفكير ذو الطبيعة الأخلاقية مع حس سياسي متنامٍ إزاء نصيب الشمال من المسؤولية عن فقر الجنوب، والكيفية التي يجب أن يسهم بها أغنياء الشمال في تخفيف حدة الفقر في البلاد التي تخرج منها أغلبية المهاجرين.

أصرت الحكومة على أن الاتفاق يهدف إلى تعطيل شبكات تهريب البشر وردع المهاجرين (غيتي)


وفي مؤشر على العلاقة بين الهجرة والأوضاع الديمقراطية، تعزز عدد الوافدين بفعل ارتفاع أعداد الوافدين من أفغانستان في أعقاب استيلاء طالبان على السلطة، وقدم 1094 مواطنًا أفغانيًا قدموا إلى المملكة المتحدة في الربع الأول من عام 2022، أي ما يعادل تقريبًا عدد الذين وصلوا خلال عام 2021 بأكمله. وأحد الحالات ذات الدلالة في هذا السياق محتجز إيراني كان ضمن رحلة الطيران الأولى الملغاة، وهو رائد شرطة سابق كان يقود وحدة شرطة قوامها 60 فردًا خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة في جميع أنحاء البلاد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019. وفي العام الماضي، تحدث عبر رابط فيديو من تركيا، وقال لمحكمة إنه رفض السماح لمن هم تحت إمرته بإطلاق النار على المتظاهرين السلميين في إيران، رغم أوامر مجلس الأمن القومي بقمعهم «بأية وسيلة ممكنة». وبحسب شهادته الكاملة كما تلقتها اللجنة في تشيرش هاوس بلندن، فقد تم القبض على الرجل الذي يُعرف باسم: «الشاهد 195»، واحتجزه الحرس الثوري الإيراني لأسابيع في الحبس الانفرادي، ثم حكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات. ويُعتقد أنه هرب من إيران أواخر عام 2021 بينما اختبأت زوجته وأطفاله. بسبب «الضغط الهائل» من السلطات والتهديد بالاختطاف المحتمل، وقد غادر تركيا في ربيع هذا العام وقام بالعبور بشكل خطر إلى المملكة المتحدة من فرنسا في منتصف مايو (أيار) الماضي.
وفي ظل مشكلات كثيرة ما تزال عالقة في علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي منذ البريكست، جاء الحكم المشار إليه ليعطي بعدًا جديدًا للأزمة التي قد تفضي إلى مزيد من التباعد بين لندن وبروكسل، ورئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، عند سؤاله عن احتمال أن تنسحب بريطانيا من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، قال: «من المؤكد أن العالم القانوني بارع جدًا في تحديد طرق لمحاولة منع الحكومة من دعم ما نعتقد أنه أمر معقول»!!
وهكذا تحوَّل «المعقول» من التزام واضح بمقررات دولية ومبادئ عامة إلى انحياز واضح لـ«الواقعية السياسية».

ألمانيا تحتاج 400 ألف مهاجر سنوياً لتعويض شيخوخة سكانها لحماية اقتصادها من التباطؤ

تصدير عجائز ألمانيا
قد تكون قضية الهجرة غير الشرعية بالنسبة لكثير من الأوروبيين قضية «أمنية» في المقام الأول لكنها في الحقيقة قضية ديموغرافية أيضًا، فكثير من الدول الأوروبية تبدي منذ سنوات اكتراثًا غير مسبوق بالأوضاع الديموغرافية. ومع اتجاه عدد من المجتمعات نحو «شيخوخة» تهدد قدراتها الاقتصادية في المستقبل القريب إلى البحث عن حلول، ظهرت للمرة الأولى فكرة «تصدير العجائز». وبحسب تقرير نشر مطلع أبريل (نيسان) 2016 (موقع إيلاف الإخباري)، بدأت ألمانيا في رسم خرائط «ترانسفير» محتملة لعجائزها بحسب حسابات التكلفة. وبالأرقام ترتفع كلفة رعاية المسن في ألمانيا إلى 2900 يورو شهريًا، بينما تبلغ في تشيكيا وسلوفاكيا والمجر 800 يورو شهريًا. وتشهد ألمانيا ظاهرة هجرة المتقاعدين إلى شرق أوروبا، حيث مخاطر انزلاق المتقاعدين والعجزة إلى ما تحت خط الفقر. وبحسب التقرير يتصور كثير من الألمان أن بإمكانهم إرسال ذويهم العجزة للحصول على الرعاية اللازمة في دور للمسنين خارج ألمانيا. وبحسب استطلاع، فإن 75 في المائة ممن شملهم الاستطلاع أبدوا استعدادهم لرعاية ذويهم في بيوتهم إذا تلقوا دعمًا ماليًا من الحكومة. وقد أعلن 37 في المائة من المستطلعين استعدادهم لمجالسة المسنين في البيت ورعايتهم لقاء مبلغ يتراوح بين 250 و500 يورو شهريًا.
وقد شحذت الفرصة خيال ألماني قرر فتح دار للعجزة الألمان في أفريقيا الوسطى حيث الأسعار لا تعادل عُشر الكلفة في ألمانيا، فضلًا عن وجود دار لرعاية المسنين ومرضى الزهايمر في تايلند متخصصة في استقبال العجزة والمسنين من ألمانيا وسويسرا، ومن المتوقع ارتفاع عدد هذه الدور في تايلند بسرعة، وفي قائمة الدول المضيفة بالفعل: أوغندا التي تكلفه رعايته فيها 400 مقابل 4000 يورو يحتاجها في حال عاش في ألمانيا.
ولـ«الواقعية السياسية» وجوه أخرى كثيرة.

* باحثة في العلوم السياسية- مصر