بعد نكسة عدم التأهل لمونديال قطر... «محاربو الصحراء» إلى سكة الانتصارات مجدداً

إسماعيل بن ناصر يقود الخضر لفوز ثالث

الجزائر: بعد نكسة ومرارة الإقصاء من التأهل إلى مونديال قطر 2022، وبعد موجة من الانتقادات، طالت اتحاد الكرة الجزائري والمدرب جمال بلماضي، يبدو أن محاربي الصحراء نجحوا سريعاً في تخطي مرحلة الخيبة وعدم الاستقرار، بالعودة مجدداً إلى سكة الانتصارات، حيث اختتم أشبال جمال بلماضي معسكرهم التدريبي لشهر يونيو (حزيران)، بثلاثة انتصارات هامة، آخرها تخطي المنتخب الإيراني في مقابلة ودية جرت الأحد في مدينة الدوحة القطرية بعد فوزين على أوغندا وتنزانيا، ضمن أول جولتين من تصفيات كأس الأمم الأفريقية 2023 بساحل العاج.

فبعد سلسلة من النتائج المبهرة، حيث نجح المنتخب الجزائري بقيادة المدرب جمال بلماضي، في تحقيق سلسلة تاريخية من الانتصارات، خلال الأربع سنوات الماضية وصلت إلى 35 مباراة متتالية دون انهزام، ليكون بذلك وصيفاً للمنتخب الإيطالي الذي حقق 37 انتصاراً دون هزيمة، لكن كما يقال البقاء في القمة أصعب من الوصول إليها، فمثلما حدث للمنتخب الإيطالي الذي تجرع مرارة الإقصاء من التأهل لمونديال قطر القادم، بعد أن كان بطلاً لأوروبا في آخر دورة، وجد المنتخب الجزائري نفسه تماماً مثل الآزوري، فبعد أن كان مرشحاً باعتباره بطلا لأفريقيا 2019 لأن يكون أحد المنتخبات القوية خلال المونديال القادم، وجد نفسه يصارع من أجل التأهل لأدوار متقدمة في أمم أفريقيا الماضية بالكاميرون 2021، حيث حقق نتيجة صادمة بعد أن غادر الدورة في دورها الأول، وأكثر من ذلك تعرض لهزيمة قضت على حلم المحاربين في تحطيم الرقم القياسي للمنتخب الإيطالي بتحقيق 37 مباراة دون انهزام، ليغادر العرس الأفريقي وسط خيبة أمل جزائرية كبيرة، لكن بقاء حلم التأهل للمونديال خفف من وقع الصدمة، وهو الحلم الذي تبخر بعد أسابيع، بعد الإخفاق المدوي في الوصول إلى نهائيات كأس العالم، بعد سيناريو دراماتيكي أمام المنتخب الكاميروني، حيث خسر رفقاء محرز في الثواني الأخيرة على ملعب مصطفى تشاكر بالبليدة.

 

""كتيبة الخضر يتم تدعيمها بعناصر جديدة تحقق الرهان
كتيبة الخضر يتم تدعيمها بعناصر جديدة تحقق الرهان

الظلم التحكيمي

مرارة الإقصاء فتحت النار على الاتحاد الجزائري لكرة القدم، والذي اتهمه المناصرون بعدم قدرته على حماية منتخبهم مما ووصفوه بـ»الظلم التحكيمي الفاضح« من الحكم بكاري غاساما. وبينما أطلق بعض الأنصار دعوات ميدانية، ومن خلال شبكات التواصل الاجتماعي لمطالبة الفيفا بإنصاف الخضر وذلك بإعادة المقابلة، أطلق آخرون دعوات لرحيل رئيس اتحاد الكرة نجم الدين عمارة، وأعضاء مكتبه، وهو الأمر الذي تحقق بعد أيام فقط، حيث أعلن عمارة رحيله عن رئاسة اتحاد الكرة، لكن دون أن يعلن عن تحمل مسؤولية الإقصاء من التأهل للمونديال، وفي المقابل، ساد غموض كبير بشأن مستقبل المدرب جمال بلماضي، الذي قرر التوجه مباشرة إلى مقر إقامته بالدوحة بعد الهزيمة والإقصاء القاسي، لكن دعوات الكثير من الأنصار، إلى جانب إصرار السلطات على ضرورة استمراره، دفعته لإعلان استكمال مغامرته مع العارضة الفنية للمحاربين، استعداداً لتصفيات كأس الأمم الأفريقية القادمة المقررة العام المقبل بساحل العاج، وهي العودة التي رسمت خلال المعسكر الأخير.

وخلال هذا المعسكر، حقق رفقاء الغائب محرز بداعي الإصابة، مكاسب هامة ومميزة، بالنظر إلى المرحلة التي كان يمر بها المنتخب، لعل أبرزها، عودة الروح والرغبة في تحقيق الانتصارات، حيث نجحوا في أول اختبار لهم بتحقيق فوز مهم على المنتخب الأوغندي على ملعب الخامس من يوليو بالعاصمة الجزائر، وهو الملعب الذي عاد إليه المحاربون بعد سنوات من اللعب في استاد مصطفى تشاكر بمدينة البليدة، وإن كان هذا الانتصار داخل الدار فإن الخضر حققوا انتصارا خارج الديار، خلال مقابلة جمعتهم مع المنتخب التنزاني، وهو أول فوز في تاريخ الجزائر في  دار السلام، وبعد ذلك الانتصار على المنتخب الإيراني في ملعب محايد بالدوحة القطرية، وهو الانتصار الذي اعتبره المناصرون ومتابعون هاماً جداً لعدة اعتبارات، أهمها، أن الجزائر واجهت المنتخب الإيراني المتأهل للمونديال بتعداد ضم كل نجومه، بفريق يعتبر من الصف الثاني في المنتخب الجزائري، حيث غامر المدرب جمال بلماضي بعدم الاعتماد على أسماء تعد من ركائز المنتخب، ومنح الفرصة لأسماء شابة جديدة، أبانت عن إمكانيات كبيرة، سترفع سقف المناصب والمنافسة داخل المنتخب عالياً.

بلايلي يعد الجزائريين بالانتصارات

فخلال هذا التربص اعتمد بلماضي على أسماء تسجل ظهورها لأول مرة في المنتخب الأول، على غرار الثلاثي آدم زرقان، وعبد القادر قادر، وبلال براهمي، إضافة إلى أمين توقاي، وأحمد توبة، إلى جانب حكيم زداداكة الذي أبان عن مستوى جيد، بالإضافة إلى المهاجم رياض بن عياد، والحارس أنتوني ماندريا، وأظهر اللاعب الشاب محمد الأمين عمورة إمكانيات كبيرة، حيث تمكن من دك الشباك مرتين، ويعتبره مراقبون الحل الأنجع للمدرب بلماضي لحل مشكلة العقم الهجومي الذي أصاب المحاربين في معاركهم الكروية خلال تصفيات المونديال ونهائيات كأس أفريقيا بالكاميرون.

وكان بلماضي قد اعتمد خلال الأربع سنوات الماضية على نفس الأسماء ولفترة طويلة، وهو الأمر الذي كان محل انتقادات واسعة من طرف بعض الأنصار والمتابعين، الذي رأوا أن أداء بعض العناصر يتطلب ضخ دماء جديدة في المنتخب لتغيير نسق الأداء، وحل بعض المشاكل التي ظهرت على التشكيلة وأبرزها العقم الهجومي الواضح والكبير، حيث عجز الهجوم في صناعة الأهداف لعدة مباريات، لذلك كانت نكسة المونديال حسب مراقبين بمثابة الصفعة التي أجبرت بلماضي على مراجعة خياراته، ووضع حد لما بات يسمى ركائز المنتخب، وقرر استدعاء الأسماء الجديدة التي أثبتت خلال المباريات الثلاث الأخيرة أحقية تواجدها في المنتخب الأول.

بلماضي ينتفض بعد النكسة

رسائل تطمين بعد خيبة المونديال

وكان نجم المنتخب الأول، يوسف بلايلي، قد بعث برسائل تطمين لعشاقه وأنصاره عقب خيبة المونديال، مؤكدا لهم أن الخضر سيعودون إلى سكة الانتصارات سريعاً، وهو ما جدده من خلال تصريحاته بعد الفوز على المنتخب الإيراني قائلاً إن »الفوز على منتخب مونديالي يعد أفضل مقياس على قوة المنتخب الجزائري ويبشر بإمكانية تحقيق أهدافه الجديدة ومنها خلال كأس الأمم الأفريقية القادمة«.

وخلال لقاء صحافي عقده مع الموقع الرسمي لاتحاد الكرة الجزائري عقب ودية إيران، أبدى بلماضي رضاه التام على حصيلة التربص الماضي لأشباله، كما عبر عن سعادته البالغة بأداء الوجوه الجديدة سواءً تلك التي سجلت أول حضور لها في المنتخب، أو من كان تواجده متذبذبا في المواعيد السابقة، بسبب نقص المنافسة أو لأسباب أخرى متعددة.

ورداً على معلومات تتحدث عن عزم بعض اللاعبين الأساسيين إعلان اعتزالهم الدولي، في إشارة إلى تقارير تتحدث عن نية نجم نادي مانشستر سيتي رياض محرز اعتزال اللعب دولياً، أكد بلماضي أنه لم يتلق أي طلب رسمي للاعتزال الدولي، مضيفاً أن »غياب محرز وبن رحمة كان بسبب الإصابة، فيما لم يتواجد بلعمري، وبونجاح، وفغولي بسبب بعدهم عن المنافسة مع أنديتهم«.

وتحدث بلماضي عن إمكانية التحاق أسماء جديدة بالمنتخب في المستقبل القريب، حيث كشف عن محادثات متقدمة مع لاعبين لم يذكرهم، وهي المحادثات التي أكد أنها قد تتوج بالتحاقهم بكتيبة الخضر في معسكر سبتمبر (أيلول) القادم للمشاركة في الجولة الثانية لتصفيات كأس أفريقيا، وتتحدث تقارير إعلامية عن إمكانية التحاق اللاعب حسام عوار، الذي التحق سابقاً بالمنتخب الفرنسي الأول، لكنه لم يلعب أي مقابلة رسمية مع الديكة، ما يسمح له قانوناً بإمكانية تغيير جنسيته الرياضية، ومما يدعم التكهنات ظهور عوار في مدينة عين تموشنت غرب الجزائر خلال الأسابيع الماضية، حيث اختارها لقضاء عطلته.

سقوط الخضر يسقط رئيس الاتحاد شرف الدين عمارة

مواجهة مع الطليان

وعن المواجهات الودية القادمة للخضر، أعلن بلماضي عن إمكانية إجراء مقابلة شهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم قبل انطلاق المونديال، متحدثاً عن وجود إمكانية لمواجهة المنتخب الإيطالي، أو منتخبات عالمية أخرى مثل بلجيكا وكرواتيا والسويد.

وبشأن تقييمه لأداء المحاربين خلال المواجهات الأخيرة، يعتقد الكاتب والمختص في الشأن الرياضي نجم الدين سيدي عثمان أن »فوز الخضر على إيران كان فوزاً رائعاً«، ويتابع: »هو الثالث توالياً، ويؤكد أن مرحلة إعادة بناء المنتخب تتم على قدم وساق، وأن سحابة الشك التي ألقت بظلالها في أول ثلاثة شهور من عام رحلت أخيراً«.

ويتابع متحدثاً لـ«المجلة»: «فلنعترف بشجاعة بلماضي في مواجهة إيران أقوى منتخب آسيوي، وجرأته في تدوير تشكيلته، مع الاستغناء عن عدد معتبر من أساسييه، هذا ما يجب أن يحصل، ولو حدث وخسرنا بأربعة أهداف لصفر، ما سمحت لنفسي بانتقاده بكلمة«.

وعن أداء عناصر الفريق يقول سيدي عثمان: »ينبغي التصفيق لاحترافية إسماعيل بن ناصر، أنهى التزاماته مع فريقه ميلان الإيطالي يوم 22 مايو (أيار) الماضي، لعب في أسبوع ثالث مباراة دولية في ثالث بلد، كان بوسعه- باعتبار مباراة إيران ودية- أن يطلب التسريح، ويستغل أياماً ثمينة في الاسترخاء والراحة برفقة عائلته، لكنه قدم لمنتخب بلاده الجريح بعد خيبة إقصاء المونديال ثلاثة أسابيع إضافية من وقته الثمين كمحترف، هذه هي روح الالتزام والانتماء التي تستحق أن نصفق لها بحرارة«.

وعن المستوى الفني للمنتحب، وخاصة ضد المنتخب الإيراني أكد سيدي عثمان: »الخضر خلال الشوط الأول وضعوا إيران تحت ضغط شديد، لعب الفريق المشكل من لاعبين جدد بسهولة مفاجئة، كل مشكلات إيصال الكرات من الحالة الدفاعية للهجومية التي استمرت في المباريات الأخيرة اختفت، استطاع البدلاء تجاوزها بريتم سريع فرضوه وتحكموا في الكرة«، والأكيد يتابع أن »المنتخب بطبعة جمال بلماضي ومهما تغير لاعبوه يثبت أنه يلعب أفضل في مواجهة كل فريق يفتح اللعب ويلعب الكرة، ويترك مساحات وراءه، حيث يمكنه أن يعاقب أي تشكيلة مهما كان مستواها، خصوصاً إن أجاد التحصين الدفاعي«،  وهنا لا بد من الإشادة يضيف »بدور المدافع توقاي في إنهاء الشوط الأول بالتقدم بهدف نظيف«.

نجم الدين سيدي عثمان: انتفاضة المحاربين جاءت مبكرا

الفرص الضائعة

في الشوط الثاني، يتابع نجم الدين قراءته لأداء رفقاء بن ناصر قائلاً »مع أول ثلاثة تغييرات تراجع الأداء، وغابت تلك السهولة في نقل الخطر وفي وقت ما من المباراة عاد البطء القديم الذي استغله منتخب إيران فرجع إلى المواجهة وعادل النتيجة، لكن الخضر كانوا أقرب للهدف الثاني، وهو ما فعله المهاجم الواعد عمرة الذي أثبت بفاعليته وحماسه واندفاعه الشديد أنه يستحق مكانة أساسية في المنتخب رفقة آدم وناس الذي استغل مجدداً فرصته«.

برأي سيدي عثمان: »كان يمكن تسجيل أكثر من هدفين، وقد أهدر غزال وحده هدفين، وحرمنا من ركلة جزاء لا غبار عليها«، وكخلاصة يؤكد »المناصب صارت غالية جداً بعد مردود براهمي وقادري وبن عياد وماندريا، وهكذا عدنا لقصة المنتخب الأول والمنتخب الثاني«. ويتابع »الآن علينا بعد الانتصارات الثلاثة الأخيرة أن نعترف بأن الأرقام التي كنا نسعى لتحسينها وبشكل خاص سلسلة اللاهزيمة قتلت لفترة طويلة المنافسة، وغيبت الجوع والرغبة والشغف، وجعلت بلماضي يخاف أن يخاطر ولا يهمه أن يفعل بقدر ما يهمه أن لا يخسر، شجاعة بلماضي في لعب مباراة قوية وتدوير تشكيلته دون خوف كما كان يفعل في أول عامين أكسبته خيارات كثيرة، وجعلته يبدأ عملية البناء على قاعدة صحيحة، وبثقة أكبر، وهو ما يدعو إلى التفاؤل بشأن المستقبل، شريطة الاستمرار في هذه المرونة والإيجابية، وأن لا يعود الكوتش خطوتين إلى الوراء بل يواصل تقدمه إلى الأمام وبكل عزم وإصرار


مقالات ذات صلة