أعمالٌ تأسر السمع والبصر في معارض ربيع «الشارقة للفنون»

تجارب مؤثرة لفنانين تركوا بصمة خاصة عبر فنهم
من معرض ما بين بين للفنان خليل رباح

الشارقة: تواصل مؤسسة الشارقة للفنون تقديم معارضها لربيع 2022، حتى 4 يوليو (تموز) القادم، إذ تستضيف مجموعة من المعارض الفردية التي تسلط الضوء على تجارب مؤثرة لفنانين من المنطقة تركوا بصمة خاصة عبر اشتغالهم الفني المعاصر الفريد.

وكان برنامج الربيع انطلق بالمعرض الاستعادي لأعمال الفنان اللبناني البارز عارف الريس (1928-2005)، والذي تنظمه المؤسسة بالتعاون مع هيئة الشارقة للمتاحف، وبدعم من القائمين على إرث الفنان عارف الريس وغاليري صفير- زملر، بيروت/ هامبورغ.

يقدّم المعرض مجموعة كبيرة من أعمال مجهولة للريس، بما يشمل اللوحات والرسومات والأعمال الورقية والمنحوتات والمنسوجات الجدارية، مسلطاً  الضوء على ثراء وعمق ممارسته الفنية، إذ يتبع المعرض تسلسلاً زمنياً تقريبياً، مستكشفاً سنوات التدريب التي أمضاها متنقلاً بين لبنان والسنغال وباريس، أعماله التجريدية المادية أثناء إقامته في إيطاليا، لوحاته السياسية المباشرة المستوحاة من حرب الاستقلال الجزائرية، وحكايات حركات التحرر في «العالم الثالث» ونضالات الأفارقة الأميركان، بالإضافة إلى الحرب اللبنانية، والصحارى التي رسمها أثناء إقامته في السعودية.

فيما يقدّم معرض «الرفيق قبل الطريق» المقام في بيت السركال، فضاءً بانورامياً معمّقاً يعكس تصورات مكانية وتقنية وثقافية لأعمال مجموعة «كامب» الفنية في مومباي، حيث تجتمع في زمن يحتاج العالم فيه إلى وضع تصور جديد في ظل انتشار جائحة كورونا، وتفشي النزعات القومية عالمياً على حساب انحسار المسارات والآفاق.

خلال ما يزيد على عقد من الزمن، اتخذ التعاون بين مجموعة كامب الفنية ومؤسسة الشارقة للفنون أشكالاً متعددة، وذلك من خلال تعاونهما كفنانين ومتحدثين في مشاريع مختلفة، وانخراطهما مع سكان إمارة الشارقة وعمالها وزوارها.

بدأت رحلة المجموعة مع المؤسسة من خلال مشروع رصيف الميناء (مغادرة الشارقة) الذي أنجز بتكليف من بينالي الشارقة التاسع (2009)، وانطوى على سنوات من الأبحاث حول التجارة البحرية التي سافرت بالقوارب الشراعية من الشارقة إلى وجهات متعددة كالهند وباكستان والصومال وإيران، فنتج عنها مجموعة غنية من الأعمال التي ألهمت مشروعاً مكوناً من جزأين شارك في البينالي. تكوّن المشروع من كتاب بعنوان «رصيف الميناء»، تتبع التجارة البحرية مع الصومال من خلال سجلات الميناء، ومشروع «راديو الميناء» الذي تضمن بثاً إذاعياً لأربع ليالٍ باللغة الهندوستانية من أغانٍ وتعليقات ومحادثات مع البحارة وعمال الميناء وأصحاب المتاجر من «المحطة الإذاعية» في ميناء الشارقة.

وفي عام 2010، حصلت المجموعة على منحة إنتاج مؤسسة الشارقة للفنون عن عمل «من خليج إلى خليج إلى خليج»، وهو عبارة عن فيلم روائي طويل يتتبع رحلة سفينة وحيدة بُنيت في غوجارات، ويرصد حياة العمل اليومية لمجموعة من البحارة عن طريق صور ملتقطة بالهواتف المحمولة. نُفذ العمل بالتعاون مع البحارة، وعُرض بعد حلول الظلام طوال فترة إقامة بينالي الشارقة الحادي عشر في الهواء الطلق بالقرب من الميناء، مما جذب لفيفاً من البحارة الزائرين وعمال الميناء وسكان المنطقة.

يشارك هذان العملان البارزان في هذا المعرض الذي يجمع بدوره العديد من أعمال المجموعة بين عامي 2006 و2021 بما في ذلك أعمال الفيديو والصوت والأرشيف، ويستند إلى الأساليب البحثية والفنية الفريدة التي تتبعها المجموعة التي أسّسها كلٌ من شاينا أناند وأشوك شوكوماران في 2007، لتكون بمثابة استوديو فني يجمع الفنانين وأفكارهم وطاقاتهم حول الثنائيات مثل الفن واللافن.

أما معرض «خليل رباح: ما بين بين» فيتضمن أعمالاً مفصلية في مسيرة رباح الفنية، يستكشف من خلالها منهجية عمل المؤسسات الثقافية، والممارسة التقييمية، والخطابات المتحفية، والمعرفة النقدية، في ظل النزوح وحالات الطوارئ المفروضة لفترات زمنية طويلة.

تتيح لنا الاستقصاءات والأبحاث المستمرة التي يعتمد عليها رباح في إنتاج أعماله، التعرف على تواريخ وسرديات بديلة، إنما متجذرة في التجارب الشخصية العميقة للفنان في فلسطين، ومرتبطة جوهرياً بمعاينات أوسع تجري حول العالم في الوقت الحاضر لأدوار المؤسسات الفنية ومسؤولياتها.

يركز «ما بين بين» على مختارات من أبرز مشاريع رباح المستمرة والمتطورة منذ التسعينات، حيث يتصوّر عمل «في الهوا»، الذي أنجز بتكليف من مؤسسة الشارقة للفنون، تعاوناً بين مشروعين ممتدين للفنان، هما المتحف الفلسطيني لتاريخ الطبيعة والإنسان (1995- 2025)، وبينالي رواق (2006-لتاريخه) اللذان يتضمنهما المعرض أيضاً.

يعد المتحف الفلسطيني لتاريخ الطبيعة والإنسان بمثابة تحقيق متعدد المنصات يعاين ويقدّم جغرافية فلسطين وتاريخها في إطار الدراسات المتحفية، وتتضمن الموضوعات التسعة في هذا القسم، المشاريع المختلفة والصيغ المفاهيمية التي أدت إلى تأسيس المتحف ومحفزات العمل عليه، والأهم من ذلك هو ما تعرضه المشاريع أيضاً من إعادة تصور للأنشطة التصنيفية التي تتأسس على تصنيفات التاريخ الطبيعي التقليدي.

بدأ رباح في التسعينات العمل بشكل موسّع على شجرة الزيتون التي تعد رمزاً فلسطينياً، وفكّك أجزاء منها ليرى كيف يفصح كل جزء عن قصته الخاصة المتصلة بتاريخ وجيولوجية الأرض وشعبها، ففي عمل «عندما نلامس في بعض الأحيان» تحتضن أوراق الزيتون بلطف الأدوات الزراعية التي تميل إليها، في إشارة إلى علاقة تمتد إلى ما هو أبعد من البشر وتحيا بين الأشياء، أما عمل «أريد أن أكون معك» فيظهر رابطاً مشابهاً بينه وبين والدته، إذ يعيد تمثيل ذكرياته العميقة عنها، خاصة أثناء سماعه صوت كبس والدته الزيتون في المطبخ.

يتضمن برنامج الربيع أيضاً معرض «أصوات مرئية» للفنان لورنس أبو حمدان الذي يبحث من خلاله عن معنى «صوتنة الصور»، وهل يمكن لنا التعامل مع صورة تنتهج سلوكاً يشبه الصوت نفسه- صورة تتأرجح بين الأذن والعين- ولا يمكن لها أن تتواجد إلا عبر جمع حاستي السمع والبصر؟ وذلك من خلال ممارسة مميزة في التعبير البصري، يرسم الفنان من خلالها أطلساً جمالياً يعبّر عن كيفية رؤيتنا للصوت وكيفية تعاملنا مع تسرب المواد العصية على الحجب سواء من قبل دولة أو شخص؛ جسم أو جهاز.

 

حول مؤسسة الشارقة للفنون

تستقطب مؤسسة الشارقة للفنون طيفاً واسعاً من الفنون المعاصرة والبرامج الثقافية، لتفعيل الحراك الفني في المجتمع المحلي في الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، والمنطقة. وتسعى إلى تحفيز الطاقات الإبداعية، وإنتاج الفنون البصرية المغايرة والمأخوذة بهاجس البحث والتجريب والتفرد، وفتح أبواب الحوار مع كافة الهويّات الثقافية والحضارية، وبما يعكس ثراء البيئة المحلية وتعدديتها الثقافية. وتضم مؤسسة الشارقة للفنون مجموعة من المبادرات والبرامج الأساسية مثل «بينالي الشارقة» و«لقاء مارس»، وبرنامج «الفنان المقيم»، و«البرنامج التعليمي»، و«برنامج الإنتاج» والمعارض والبحوث والإصدارات، بالإضافة إلى  مجموعة من المقتنيات المتنامية. كما تركّز البرامج العامة والتعليمية للمؤسسة على ترسيخ الدّور الأساسي الذي تلعبه الفنون في حياة المجتمع، وذلك من خلال تعزيز التعليم العام والنهج التفاعلي للفن.


مقالات ذات صلة