قبل حادثة الاعتداء عليه.. نجيب محفوظ لـ«المجلة»: نصحوني «بالحذر فيما أكتب» فلم ألتزم

بين محاوريه في المقهى
الأديب الراحل نجيب محفوظ
الأديب الراحل نجيب محفوظ
غلاف المجلة

«ماذا يريدون من رجل في الثمانين؟».. سألني سائق التاكسي القاهري غاضبا عشية الإعلان عن حادثة الاعتداء على الأديب المصري «النوبلي» الشهير نجيب محفوظ، ودونما انتظار لإجابة، قال الرجل البسيط: «هذا وجههم القبيح ولم يعد بإمكان أحد الدفاع عنهم».

ورغم أن السلطات الأمنية المصرية لم تحدد بعد نهائيا المسؤولين عن جريمة محفوظ التي وقعت في شارع قاهري صغير، والتي جاءت بعد أيام من اغتيال مشابه في الجزائر لمطرب شهير، إلا أن الثابت أن الجريمة أثارت عند كل الناس في مصر مزيجا من مشاعر الاستياء والغضب، فنجيب محفوظ رجل مسن، تجاوز الثمانين من عمره، ضعيف البنية معتل الصحة إلى درجة منعته من السفر قبل ست سنوات إلى استكهولم لتسلم جائزة نوبل، والتي فاجأ الجميع يومها بأنه خصص ريعها لأعمال البر والخير.

«المجلة» وقبل أيام من حادثة الاعتداء، التقت نجيب محفوظ في حوار طويل حول الحرب والسلام والسياسة والأدب، واللحظات اليومية للأديب الكبير.. وهنا نص الحوار:

 

* يحكى أن المازني نصحك في مقتبل حياتك بأن تكون حذرا فيما تكتب حتى لا تتعرض لمصائب.. فإلى أي مدى التزمت بالنصيحة؟

- مع خالص تقديري للاستاذ المازني ونصيحته، إلا أنني أقرر أنني لم ألتزم بنصيحته، وظللت مخلصا لإبداعي ولطريقي الذي شعرت بأنه سيؤدي بي إلى ما أريد.

 

* بعد كل ما كتبت، وبعد أن حصلت على نوبل، هل ما زال لديك الدافع للكتابة؟

- قلت وأكرر إنه لو حدث وتخلى عني الدافع للكتابة يوما فإنني أتمنى أن يكون هذا اليوم هو آخر أيام عمري.

 

* ماذا تكتب الآن إذن لتستمر؟

- في حدود ما تسمح به صحتي الآن، أواظب على كتابة مقالة أسبوعية صغيرة لـ«الأهرام».

 

* وهل منعتك نوبل من كتابة الرواية.. لم نعد نقرأ لك إلا قصصا قصيرة؟

- طوال حياتي كنت أكتب القصة القصيرة وربما عدت إليها الآن لظروفي الصحية.

 

* أليس لذلك علاقة بما قلته يوما من أن هناك ظروفا تمر بالمجتمع تجعل الإنسان في حاجة إلى الرواية بطولها وتفاصيلها، وظروفا أخرى تجعله يرتاح للقصة القصيرة؟

- أقصد بذلك أنه في ظروف الاستقرار يكون هناك متسع من الوقت، واستعداد نفسي أكبر للقراءة المتآنية الطويلة، أما في أوقات الأزمات والاضطرابات والانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى تكون القصة القصيرة أكثر ملاءمة لهذه الظروف.

 

* لكلٍ طريقه.. فما هي البوصلة التي توجه أعمالك؟

- في الماضي كانت هناك بوصلة توجه أعمالي لتضعها بين التاريخية والواقعية والرومانسية أما الآن وقد لم البحار أدواته ولم تعد هناك أعمال كثيرة لم تعد هناك بالتالي حاجة إلى بوصلة.

 

في السياسة

* أثار كثيرون جدلا حول مواقفك «المبكرة» من دراما السلام في الشرق الأوسط بماذا تعلق على «الفصل الأبرز في القصة» والذي تجسد في مشهد دخول عرفات لقطاع غزة قبل أشهر؟

- لقد سعدت جدا لعودة الفلسطينيين إلى أراضيهم بعد سنوات طويلة من الغربة، وأرجو أن تكون عودتهم هذه خطوة على طريق يكفل مزيدا من السلام وعودة الحقوق.. وكلي ثقة في أن الشعب الفلسطيني الذي أثبت في حياته  الماضية صلابة وقوة، سيظهر ذات القوة والصلابة في البناء والتعمير.

 

* أين ترى الأدب مع هذا التحول؟

- شيء طبيعي أن يتأثر الأدب بكل شيء يحيط بالمجتمع؛ فهر يتأثر بالحرب والسلام كما يتأثر بالخصومة والصداقة، فالأدب هو محصلة الأحداث التي يشهدها المجتمع، والتي تتحول في النهاية إلى أنغام أدبية وأعتقد أن تحول الأدب من أدب مقاومة إلى أدب بناء هو أمر طبيعي، فالأدب الذي تخصص قي تدعيم المقاومة، سيتحول إلى أدب طبيعي يوائم متطلبات المجتمع بعد أن يحقق أهدافه الأولى.

 

* يتزايد الجدل في الأوساط الثقافية المصرية في الأونة الإخيرة حول مسألة التطبيع. كيف تنظر إلى الأمر؟

-  التطبيع في نظري هو أن تقرأ للآخرين ويقرأوا لك. أن تسمعهم ويسمعوك أن تراهم ويروك، أن تتعرف على الآخر، ويتعرف الآخر عليك. والصلح مع إسرائيل يعني التطبيع معها. وطالما أننا قد قبلنا الدخول في علاقات صلح معها إذن يجب أن نقبل التطبيع أيضا. ويسرني أن يدخل الإخوة الفلسطينيون مرحلة الصلح بعد أن يتخلصوا من رواسب وعقد الماضي.

 

* يقولون إن المثقف في وطننا العربي على هامش موائد القرارات، فما هو تقييمك لعلاقة المثقف بالسلطة؟

- الذي يهم المثقف هو أن يكون نفسه ويعبر عن رأيه في حرية فهو لا يحس بالسلطة إلا إذا كانت ضد الحرية، يعني إذا كانت ستصادر عمله. فإذا كانت لا تصادر عمله فهو لا يريد منها شيئا، وكون كتاب يوظفون أنفسهم لخدمة السلطة فهذه مسألة أخرى ولسنا منهم، ولكن نحن «ناس»، نحب أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع الناس، وما دمنا نستطيع أن نعبر عن أنفسنا بحرية كما نفعل الآن، فلا مشكلة مع السلطة ولا شكوى منها.

 

* ماذا تعني بمقولتك المتكررة بأننا نعيش مرحلة الديمقراطية المنضبطة؟

-  الديمقراطية المنضبطة هي الديمقراطية غير الكاملة، وهي التي تضع عليها الحكومات قيودا متعددة.

 

في الأدب

* أسعدتك نوبل بلا شك، فهل شكوت منها؟

- أسعدتني بقدر وشكوت بقدر، وربما أقصد هنا عبء المقابلات الكثيرة التي فرضت علي بعد الجائزة والتي لم تتحملها لا صحتي ولا أسلوبي في الحياة.

 

* لو أنك أعدت كتابة أعمالك الأدبية مرة أخرى، هل ترى أن ثمة تغييرا يمكن أن يطرأ على رؤيتك في هذه الأعمال؟

- هذا أمر مؤكد، نحن نعيش الآن قي عصر غير العصر الذي كتبت فيه هذه الأعمال والدنيا  تغيرت وأنا نفسي قد تغيرت وتغير الرؤية أمر مؤكد ووارد لتغير حاجات المجتمع وظروفه.

 

* لو بدأت حياتك من جديد كنت ستختار العلم، وهذا موقف أفصحت عنه مرة، فكيف كنت ستختار العلم، وتنتظر من يدافع عنك إنسانيا بالفن؟

- طبعا أحب الفن وأحترمه ولكن لماذا أقول العلم؟ لأن العصر عصر العلم؛ إذ هو النشاط المميز والغالب، ولا أقول نلغي الفن أو نستغني عنه- أبدا- وإنما أعتقد أن الإنسان لو أعاد الاختيار لاختار العلم.

 

* هل أنت مطلع جيد على إبداعات هذا الجيل ومتابع للشباب المبدع؟

- كنت متابعا جدا لإبداع الشباب هنا بمصر وبما يصل من كتب من الخارج، إذ كنت قارئا من الدرجة الأولى، ولكني توقفت عن القراءة منذ مدة تتراوح من ست إلى سبع سنوات وذلك بسبب مرض عيني.

 

*  وما هو تقييمك للمشهد الإبداعي في العالم العربي عموما؟

- يخيل لي ولآخر وقت كنت أقرأ وأطالع فيه أن هناك مواهب كثيرة تنتج أدبا جيدا لكن القراء قلة كمكافاة لهذا الإنتاج الجيد. معلوماتي الحالية من استماعي للآخرين وليس من اطلاعي الخاص، فيقال لي إن مستوى الإنتاج هبط والقراءة هبطت أيضا والله أعلم.

 

* أنت مفرط قي قاهريتك، لماذا هي دوما محور أعمالك دون سائر المدن أو القرى؟

- من الطبيعي أن الكاتب يكتب عما يعرفه فهو يلتزم بالمكان الذي يعرفه وبالناس الذين درسهم ولذلك نجد أدباء اشتهروا بالكتابة عن الريف وآخرين عن المدن وآخرين أصحاب سياحات عالمية أدبهم يعكس هذه السياحة فیكتب عن بلد غير بلده وهكذا..

 

* ما هو أحب وأقرب عمل إليك؟

- على وجه التقريب «الثلاثية»، و«ملحمة  الحرافيش»، و«ليالي ألف ليلة وليلة».

 

* هل السينما ظلمتك أم أفادتك؟

- تظلمني حين تبتعد عن الأصل في تحويل ما أكتب، وعموما السينما أفادتني لأنها عرفتني إلى ناس أميين لم يكونوا ليعرفوا القراءة والكتابة.

 

الإنسان والأصدقاء

* هل ما زلت تلتقي بالحرافيش؟

- هم أصدقاء خصوصيون، من بقي منا على قيد الحياة يحرصون على أن نلتقي، ويوم الخميس هو يومنا الخاص، وعلى كل الأحوال فقد أصبحنا قلة بعد أن استقر عادل كامل في أميركا، والذي تسمح له ظروفه عادة أن يكون معنا هو الصديق المخرج توفيق صالح وأحيانا ينضم إلينا الأصدقاء جميل شفيق وأحمد مظهر والفنان التشكيلي بهجت عثمان.

 

* ماذا تقول عن الثقافة والحياة؟

- الثقافة أهم وسيلة نعتمد عليها في تحقيق ذواتنا وحياتنا. الثقافة  التي أعنيها هي ما يحصله الإنسان في صراعه مع البيئة من عادات وتقاليد وأفكار وعقائد وأذواق فهي متحركة نامية لكنها لا تثبت على حال وإلا تجمدت وانقلبت عبئا ينوء به الإنسان بدلا من أن تكون قوة دافعة وروحا ملهمة لذلك فإن انفتاحها على الثقافات الأخرى ضرورة يمليها تقارب البشر واختلاطهم ليس فقط من أجل التفاهم ولكن أيضا من أجل تبادل الخبرات والفوائد وإتاحة الفرص لانتخاب الأصلح للبقاء ثم من أجل الوحدة البشرية في النهاية.

 

* وماذا عن الاقتصاد؟

- إن الفجوة بين مواردنا ومصروفاتنا هي المسؤولة عن الاختلال في حياتنا الاقتصادية، وبالتالي هي المسؤولة عن معاناتنا اليومية وأزماتنا المتعددة وواضح أننا نعنمد بصفة أساسية على القروض والمنح لسد تلك الفجوة والاستمرار في التنمية، ومن هنا جاء سعينا الدؤوب للمفاوضات تلو المفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة.. هل ضغطنا المصروفات كما ينبغي لأمة متأزمة؟ هل حصلنا الضرائب كما ينبغي لأمة مثقلة بالديون؟ هل دفعنا بقوة الإنتاج إلى غايته؟ هل التزمنا بالقدر الواجب من الترشيد من جدنا ولهونا؟ إنها دعوة إلى تفكير جديد في نطاق نظامنا ودعوة أيضا إلى التحرير الحقيقي.

 

*  هل كان لديك في الحياة عموما حلم ما  كنت تأمل في تحقيقه ولم تفعل لظروف ما؟

- في مثل هذه السن التي أعيشها، الأحلام الشخصية تكون طلب «حسن الختام»، وإنما أحلامي تتعلق بالوطن والوطن العربي عموما.. الأحلام إذن هي للغير.

 

* هل نجبب محفوظ الإنسان راض عن حياته وعن نفسه؟

- إلى حد بعيد.

 

* ما هي أسعد اللحظات في يومك؟

- أسعد اللحظات هي التى أقضيها مع  الأصدقاء مساء، ويحدثونني عن الجديد في مجالات الثقافة والأدب والسياسة.

 

* وأنت توقع قصة جديدة أو رواية هل تشعر بأن هذا هو ما كنت تريد قوله فعلا؟

- الإبداع كله نوع من النشوة التي نستشعرها ولا أشعر بأن هذا ليس ما كنت أريد قوله فعلا إلا إذا أخفقت في الإبداع.

 

* لو قلنا لنجيب محفوظ الباقي من زمننا العربي ساعة فقط، فبماذا تنصحنا؟

- علينا بالعمل. فنحن مطالبون بالعمل في كل حين كأنما هي الأمانة التي حملناها في هذه الدنيا لتعميرها، وفي هذه الفترة بالذات من حياتنا يصبح العمل فريضة لا يجوز أن تغيب عنا لحظة واحدة. وجميل هو القول المأثور: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا.

 

لم يتلق تهديدات والشرطة أمسكت بالجناة

 

بعد أن غادر الكاتب المصري نجيب محفوظ سكنه بحي العجوزة متوجها لكازينو قصر النيل كعادته أسبوعيا حيث ينتظره مريدوه. وبمجرد أن توجه لسيارة صديقه دكتور هاشم فتحي الذي اعتاد توصيله، توجه له شاب اعتقد الكاتب أنه يريد مصافحته ولكنه طعنه عدة طعنات في رقبته من الجانب الأيمن أحدثت تهتكا في الشريان الرئيسي وعدة أوردة وشرايين أخرى ونقل الكاتب مباشرة لمستشفى الشرطة القريبة حيث أجريت له جراحة استمرت خمس ساعات كما تمت عملية نقل دم له بعد أن فقد كمية كبيرة من دمائه، ومما أثار القلق على حياة نجيب محفوظ كبر سنه (83 عاما)، بالإضافة لإصابته بمرض السكر والضغط وبمرض القلب ولكن زال القلق بعد تحسن صحته حديثا.

وفي وقت لاحق وبعد أقل من 48 ساعة أعلنت الشرطة المصرية القبض على الجناة الذين قالت إنهم ينتمون للجماعة الإسلامية، ورغم أن أحدا لم يعلن رسميا مسؤوليته عن الحادث كما أن زوجة الأديب الكبير نفت تماما ما تردد في الإعلام الرسمي عن تلقيه تهديدات إلا أن بعض المراقبين يذكرون بموقف محفوظ من العلاقات مع إسرائيل من ناحية، وقضية سلمان رشدي والتي تبنى إزاءها موقف أن الرأي يقارع بالرأي، الأمر الذي أثار جدلا كبيرا في حينه.

ومن زاوية أخرى يذكر أن رواية «أولاد حارتنا» إحدى أشهر روايات الأديب «النوبلي» تعرضت للمصادرة «دينيا» عند صدورها قبل ما يقرب من ثلاثين عاما.

حاوره: أيمن الصياد- حبيبة محمدي- سامح محروس