مستشار البنك الدولي السابق: جذب الاستثمارات وتوفير مليون فرصة عمل أهم تحديات مصر

القاهرة: رفعت التأثيرات الاقتصادية السلبية العالمية جراء الحرب الروسية الأوكرانية مؤخرا من حالة القلق لدى غالبية الدول حول العالم التي تأثرت بشكل واضح بالعديد من التداعيات التي ضربت الساحة الدولية ومن بينها الحرب الدائرة، واتساع رقعة التوتر في منطقة الشرق الأوسط مما كان له أثر كبير على ارتفاع أسعار المحروقات، وزيادة حالة التضخم وما صاحبها من ارتفاع فاتورة الغذاء وتكاليف المعيشة حول العالم، مما دفع العديد من الدول للبحث عن مخرج لجذب المزيد من الاستثمارات، ومحاولة الكشف عن آليات مختلفة بهدف تخفيف تداعيات الأزمات العالمية المتلاحقة.

وشهدت مصر تأثرا واضحا بالوضع العالمي، ولم تكن بمعزل عن تأثيرات الحالة الدولية في ظل خصوصية الحالة المصرية التي تعاني من زيادة سكانية مفرطة حيث يتجاوز عدد السكان 104 ملايين نسمة، بالإضافة لاستقبال ما يزيد على خمسة ملايين من المهاجرين مثلوا ضغطا كبيرا على موارد الدولة المصرية. «المجلة»حاولت كشف تداعيات الأزمة العالمية على الحالة المصرية من خلال الدكتور عمرو صالح أستاذ الاقتصاد السياسي ومستشار البنك الدولي السابق من خلال الحوار التالي:

 

* كيف تقيمون الأداء الاقتصادي للدولة المصرية في هذه المرحلة الصعبة عالميا؟

- الأداء الاقتصادي للدولة المصرية جيد جدا في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهها، ومن بينها تحديات تواجهها كل الدول بسبب الأزمات العالمية الأخيرة، ولكن الأمر في مصر أصعب لأن أي دولة يعد الهاجس المهم لديها دفع معدلات الاستثمار والنمو وتوفير فرص عمل، وهذا التحدي بالنسبة لمصر يعد صعبا لطبيعة هذا الاحتياج بتوفير رقم كبير جدا من فرص العمل وهو أكثر من مليون وظيفة كل عام، وذلك لدخول أكثر من مليون شخص سنويا إلى سوق العمل، وكذلك خفض نسبة البطالة الموجودة والتي تبلغ حوالي 7 في المائة وتحتاج مصر تقليلها، وبالتالي فإن الدولة المصرية تتعرض لتحديات كبيرة، من بينها ضرورة جذب الاستثمار بشكل متزايد خلال هذه المرحلة.

 

* هل التحديات الاقتصادية فقط هي التي تؤثر على الحالة المصرية؟

- هناك تحديات أخرى مؤثرة بالطبع ومن بينها التحديات العسكرية، والإرهاب من الشرق، وغربا قضية ليبيا، وأيضا مشكلة سد النهضة جنوبا مع إثيوبيا ومشكلة المياه، وقضية السودان جنوبا، وقضية الغاز شمالا مع تركيا وكلها قضايا تمثل تحديات بالنسبة لمصر.

 

* القروض تمثل هاجسا لدى بعض الاقتصاديين بسبب ارتفاع معدلات نسب الديون الخارجية بالإضافة للداخلية؟

- تطور الأداء الاقتصادي للدولة المصرية كان طبيعيا، فبعد النمو الاقتصادي عام 2011 إلى 1.8 في المائة، استطاعت مصر الصعود إلى 6.5 في المائة قبل أزمة كورونا، وفي 2013 حاولت مصر الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بمقدار 1.5 مليار دولار، ولم تستطع ذلك بعد مفاوضات ظلت حوالي 14 شهرا، وكان هناك حديث من البعض بأن مصر لن تقوم لها قائمة، وبعدها بسنوات مع برنامج إصلاح اقتصادي صعب جدا تميز بوجود بعدين اقتصادي واجتماعي جعل البنك الدولي يشيد بالتجربة. وقال إن تجربة مصر تعد درسا من دروس التكيف والتعديل الهيكلي، ونستطيع أن نؤكد بناء على كل ذلك مع العديد من العوامل الأخرى أن التجربة الاقتصادية المصرية جيدة جدا، حيث خلقت خمسة ملايين فرصة عمل ودفعت معدل النمو الاقتصادي وهي إنجازات صعبة الحدوث في ظل التداعيات التي كانت ولا تزال موجودة على الساحة في مصر.

 

* ما تقييمكم لخطة مصر في جذب الاستثمارات خلال الفترة الأخيرة في ظل تداعيات الأزمات العالمية المتواصلة؟

- مصر جذبت الاستثمارات من الخليج وأصبحت الدولة الأولى على مستوى أفريقيا والثانية في الشرق الأوسط لجذب الاستثمارات الخليجية المباشرة، وقامت أيضا بإنشاء بنية تحتية عملاقة، وتم تعديل قوانين الضرائب والاستثمار، وقوانين المصرف المركزي والبنوك واستطاعت جذب الاستثمارات الخليجية في عدد من القطاعات وتهيئة البنية التحتية بشكل جعل الأمور جاذبة لرأس المال الخارجي، ومحفزا لرأس المال الداخلي، ومؤخرا اتجه الأداء الاقتصادي المصري إلى مرحلة ثانية وهي مرحلة التخارج وتنويع الاستثمار التي أعلن عنها رئيس الجمهورية، وتحدث عنها رئيس الوزراء وهي التخارج من 45 نشاطا، وكانت نقطة مهمة حيث لا يوجد أي من الدول تستأثر بالنشاطات الاقتصادية داخل المظلة الحكومية، فالتقدم والتنمية يحدث من القطاع الخاص في ظل تدعيم الدولة للبنية التحتية وقوانين الاستثمار، فيما يقوم القطاع الخاص بوضع الإنفاق الرأسمالي والتكلفة والربح والنمو وهو ما يوفر فرص عمل أكثر داخل المجتمع ويحفز الاقتصاد ويدفع به للأمام، فبعد العمل في البنية التحتية انتبهت الدولة لضرورة تعزيز مشاركة القطاع الخاص في هذه المرحلة الصعبة، والدخول في المعترك الاقتصادي بشكل أقوى وأكبر ليساهم في عملية التنمية.

 

* رغم أن الأزمة الاقتصادية عالمية الآن، ولكن ما السبيل أمام مصر للخروج منها؟

- بالفعل، الأزمة عالمية ولا تخص دولة بعينها أو عددا محدودا من الدول، فارتفاع الأسعار والتضخم يعاني منه كل دول العالم بسبب الأوضاع الدولية، وهناك عجز في الموازنة بشكل عالمي وتعاني منه أيضا دول متقدمة مثل ألمانيا وإنجلترا وفاق في بعض الدول بل تجاوز 10 في المائة، حتى أميركا تعاني من تضخم كبير، وللخروج من الأزمة وبناء اقتصاد قوي لا بد من الاعتماد على القطاع الخاص بشكل أكبر وعلى الصناعات الوطنية والاستثمار الوطني، وهو ما عمدت الدولة المصرية إليه خلال الفترة الماضية، بجانب جذب المزيد من المشروعات الأجنبية والاستثمار الأجنبي المباشر على غرار دبي وماليزيا وسنغافورة، فلا بد من تحفيز المزيد من الاستثمارات الخارجية للمشاركة في المشروعات بهدف المزج بين الاستثمار الوطني والخارجي، ومن المهم أيضا الاهتمام بشكل متزايد بالتصدير الذي يعد في غاية الأهمية في هذه المرحلة، والاستفادة من نماذج مثل الصين والهند على سبيل المثال، وذلك بهدف توسيع قاعدة الاقتصاد المصري.

وكان صندوق النقد الدولى قد رفع توقعاته لنمو الاقتصاد المصرى خلال عام 2022 إلى 5.6 في المائة فى الوقت الذي خفض فيه تقديراته لنمو الاقتصاد العالمي، وتوقع الصندوق فى تقرير سابق له عن «آفاق الاقتصاد العالمي»نمو الناتج المحلي الإجمالي المصري في عام 2022 بنسبة 5.6 في المائة ليرتفع عن توقعات الصندوق السابقة البالغة 5.2 في المائة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي 2021.

وعزا الصندوق التحسن في أداء الاقتصاد المصري بفضل الأداء الجيد للحكومة المصرية في إدارة جائحة «كوفيد-19»وبعد التفشي العالمي لمتحور أوميكرون، وإلى أن مصر الدولة الوحيدة بين الدول المستوردة للنفط التي حققت نموا إيجابيا بفضل الإدارة الجيدة لتداعيات ما بعد تفشي الجائحة وتوابعها، وصدور بيانات اقتصادية إيجابية، في حين أن صندوق النقد الدولي توقع انخفاض معدل النمو الاقتصادي العالمي بمقدار نصف في المائة 0.5 في المائة ليصبح عند 4.4 في المائة بدلا من 4.9 في المائة..