الجامعات السورية... معاناة تبدأ بالمناهج ولا تنتهي بهجرة الخبرات

تراجع تصنيف التعليم في سوريا عالمياً منذ 10 سنوات
يعاني الطالب في سوريا من مشاكل تبدأ بالمنهج ولا تنتهي بالكادر التعليمي

دمشق: لم يخطر ببال أحد في سوريا، أنهم ذات يوم سوف يتمنون الرجوع إلى الوراء ألف عام بل وأكثر، ليصبحوا متقدمين، ومتطورين علمياً، فالمشاكل التي كانت تواجه طلاب الجامعات السورية منذ نشأتها، ما تزال حيّة حتى اليوم، تواجه شباب سوريا في حقبة أخرى، كان الأجدر بهم أن يحققوا خلالها ربع ما تمنى أصحاب الحقبة الزمنية الماضية.

 فالمشكلات تتناسل أكثر من الشعب ذاته، لا سيما طلاب مرحلة الدراسات العليا، الذين يعاركون الواقع الدراسي اليوم كمن يعارك ظله، وعلى رأس تلك المشكلات قلّة المراجع، إذا لم نقل انعدامها لطلاب البحث العلمي، والتي تعتبر من البديهيات لأي باحث يريد أن يقدم على هذه المرحلة الدراسية، متسلحاً بأدواته، والتي يختزلها الطالب السوري اليوم بالأمل فقط.

 

تراجع تصنيف الجامعات السورية بعد الحرب

 

بحث مرفوض بالتأكيد

رولا القاضي، وهي إحدى طالبات الماجستير في كلية طب الأسنان بجامعة دمشق، تقول لـ«المجلة»: «وضع طالب الدراسات العليا في سوريا، سيئ للغاية، فالمشكلة لا تقتصر على الظروف المعيشية فحسب، بل هناك عدد لا يحصى من الضغوطات التي تواجه الطالب، بدءاً من النفقات المادية على البحث المطالب بإعداده، والمعفاة الجامعة من المشاركة به، فإذا قمت بتسجيل مبلغ مادي في استمارة التسجيل، عليك أن تعتبر بحثك مرفوضا يا ولدي، بالإضافة إلى أن جامعة دمشق غير مشتركة مع أي جامعة أخرى، للتبادل الثقافي، وفتح الطريق أمامنا للحصول على المراجع، والكتب التي تحتويها مكتبة الأسد الواقعة في ساحة الأمويين بدمشق، أصبحت مراجعها قديمة وغير حديثة ولا تمت للتطور الحاصل بصلة، فأنا عن نفسي، أحاول أن أحصل على المراجع لبحثي من خلال التواصل مع أصدقائي الذين هاجروا إلى الخارج، لتأمينها، وهي بالطبع مدفوعة الأجر».

عجز وقبول

أحمد بيازيد (اسم مستعار) وهو محاضر حديث في جامعة دمشق، حصل على شهادة الدكتوراه منها حديثاً، يتحدث عن معاناته في مرحلة الدراسات العليا لـ«المجلة»، فيقول: «تعتمد آلية حصول الطلاب على قبولهم في الجامعة على المعدل، بينما يغيب معيار من هو مؤهل لهذه المرحلة كخامة بحثية بحتة، بالإضافة إلى النقص في الكادر التدريسي الذي يسمح له بالإشراف على طالب دراسات عليا، وأما عن المراجع، فتلك حكاية ليس لها نهاية، تبدأ من مقترح البحث الذي يتم تقديمه من قبل الطالب، فيتم الاعتراض عليه لافتقاده للمراجع، وكأن الطالب هو الذي لا يريد الحصول على مراجع، بالإضافة إلى عدم اشتراك الجامعات الحكومية بأية قواعد بيانات بحثية عالمية توفر معلومات وأبحاث ودراسات سابقة للطالب، لكي يستطيع تدعيم بحثه بالمراجع الموثقة، وفي النهاية يقع اللوم على الطالب، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو أن رئاسة الجامعة بالتأكيد تعلم بذلك العجز الذي يواجه الطلاب فلماذا يتم قبولهم من الأساس إذا لم يتم حل المشكلة حتى اليوم؟

 

وزارة التعليم العالي عاجزة عن النهوض بالتعليم الجامعي

 

المنهجية هي المشكلة

الدكتور عطا الله الرمحين، وهو خريج جامعة موسكو، وأستاذ دكتور في جامعة دمشق كان له رأي آخر فيما يخص وضع طلاب الدراسات العليا، ففي حديث له لإحدى الوسائل الإعلامية المحلية في سوريا، يقول: «هناك مشكلة في المنهجية والإشراف، فالمشرف يجب أن يكون أستاذا دكتورا وليس دكتورا يشرف على طالب، بينما هو يحتاج إلى من يشرف عليه، مضيفاً: «لا يوجد تمويل للبحوث، ولا يسمحون بالتفرغ للبحث العلمي، فيلزمون الطالب بمهام لا يجب عليه القيام بها، كما أن الطالب ذاته غير مؤهل للدراسات العليا، فهو لم يُصقل بشكل جيد، أنا نفسي أعطي كتاباً تاريخ كتابته منذ عام 1986، ولم يتغير به أي شيء، ولم يضف له أي فصل جديد كنوع من التطوير التعليمي، بالتالي مشكلة الدراسات العليا ليست هي الأساس، وإنما أصل المشكلة في المنهجية التعليمية ككل في سوريا.

 

تصنيف الجامعات السورية عالمياً

يعتبر تراجع ترتيب جامعة دمشق عالمياً من أول دلائل سوء الحال الذي لحق بالجامعات السورية وفقاً لموقع «سايبرميتريك لاب»، وهو موقعٌ تابعٌ لمجمع وحدة الأبحاث الدولية، حيث جاء تصنيف الجامعات السورية متأخراً عن ترتيبها في سنواتٍ سابقة. فقد حازت جامعة دمشق على المرتبة 4475 عالمياً، وجامعة البعث على المرتبة 5133، أما جامعة حلب فحلّت في المرتبة 6730، والجامعة الافتراضية السورية في المرتبة 7015 عام 2020، أما في عام 2022،  أصدر موقع التصنيف العالمي للجامعات (webometrics)، النسخة الأولى من مؤشر تصنيف الشفافية، فاحتلت جامعة دمشق المرتبة الأولى بين الجامعات السورية، والـ3309 عالمياً، فيما حلت جامعة تشرين في اللاذقية في المرتبة الثانية على مستوى سوريا والمرتبة 4537 عالمياً، وجاءت جامعة البعث في حمص بالمرتبة السادسة على مستوى سوريا و5804 عالمياً، ويتم تصنيف الجامعات عالمياً وفق معايير كثيرة، منها جودة التعليم، ومستوى الهيئة التدريسية، ونسبة الكادر التدريسي، بالإضافة إلى الأبحاث العلمية ونشرها في مجلات عالمية، ويعود تصنيف الجامعات السورية المتأخر إلى التراجع في الكادر التدريسي نتيجة هجرة عدد كبير منهم خلال العشر سنوات الأخيرة، مما دفع إدارة الجامعات إلى تكليف أساتذة  بتدريس مقررات ليست من اختصاصهم، مما أدى إلى إنقاص السوية العلمية، وانحدارها، وتراجع الأبحاث العلمية التي يتم إجراؤها، وإن تمت فهي رديئة المستوى، نتيجة الظروف التي يعيشها الطالب اليوم في سوريا، والتي دفعت الجامعات بالمقابل إلى منح الطالب دورات استثنائية صيفية، لمساعدته من جهة، وتراجع سمعة الجامعة من جهة أخرى، وكفاءة الطالب من جهة أيضاً.

 

الذكور هم الأكثر حظاً

يتفاءل طلاب الدراسات العليا، وخصوصاً الذكور منهم، بصدور قرار مجلس الجامعة بقبولهم في مرحلة الدراسات العليا، والتي تمثل الضوء الأخضر لهم كوسيلة للحصول على التأجيل للخدمة من جهة، والتريث لمعرفة وجهة السفر التي يريدون التوجه إليها من جهة أخرى.

أحمد حسن، وهو أحد طلاب الدراسات العليا في كلية الإعلام يقول لـ«المجلة»: «عندما صدر قرار قبولي في مرحلة الدراسات العليا تنفست تنفس الصعداء، فذلك يعني أنه أصبح لدي أربع سنوات للتفكير بدولة أهاجر أو ألجأ إليها ليس هناك فرق، والبدء بتأسيس مستقبلي الذي أحلم، أما عن المشاكل التي تعترضني كطالب دراسات فهي كثيرة، منها المهام التي توكل إلي كطالب دراسات من تدريس ومراقبات أثناء فترة الامتحانات، وصولاً إلى قلة المراجع وانعدامها إن صح القول، واليوم مضت ثلاث سنوات ولم يبق أمامي سوى سنة فقط، لتحديد مصيري الذي بات مجهولاً في هذه البلاد، فإما علي التوجه إلى مصر والبحث عن فرصة عمل، أو السفر إلى دبي والمكوث ثلاثة أشهر هناك وأعود إلى بلادي خالي الوفاض، من بلاد اقتصادها ريعي، قائم على الأشخاص الذين يودون السياحة، أما أنا فكل ما أصبو إليه حياة كريمة أستطيع من خلالها تأسيس مستقبل يشبه ما حلمنا به يوماً».

ما زالت حيّة ترزق

في دراسة أجرتها جامعة دمشق، عام 2003، من إعداد طالبة الدكتوراه جهينا طراف، وإشراف الأستاذ الدكتور محمود السيد، في كلية التربية، بعنوان «مشكلات الدراسات العليا في الجامعات السورية من وجهة نظر طلاب الماجستير والدكتوراه»، خرجت بنتائج حصرت فيها مشكلات الطلاب، والتي أجمعت عليها عينة البحث، وهي قلة إمكانات الطالب المادية، وانعدام الإنفاق الحكومي على الطالب، وبطء الإجراءات الإدارية فيما يتعلق بتسجيل موضوع الدراسة، بالإضافة إلى عدم وجود دوريات ومجلات أجنبية، وعدم وجود الوقت الكافي لدى المشرف لمتابعة الطالب وتوجيهه، مما يطيل المدة الزمنية لإنجاز الرسالة، وأخيراً نقص خدمات الإنترنت التي تساعد الطالب في الحصول على المعلومات.

ما يثير الغرابة أن هذه الدراسة تعود لما يقارب العشرين عاماً مضت، ولكن الأسباب ذاتها التي كانت تواجه الطالب في ذلك الوقت هي ذاتها موجودة ويعاني منها الطالب في ظل التطور الذي حصل في الآونة الأخيرة، وما زالت حية ترزق حتى اليوم، والسبب لا يعود لضعف الطالب والظروف المعيشية وحدها، بل إن لإدارة الجامعات دوراً أكبر في هذا الانحدار، وبالتالي ما الذي يتم انتظاره من طلاب الدراسات العليا اليوم، وكما يقال: «إذا كان رَبُّ البيتِ بالدفِّ ضارباً/ فشيمةُ أهلِ البيت كلّهمُ الرَّقصُ»!.

 

 


مقالات ذات صلة