قرار «دولرة» القطاع السياحي في لبنان هل يتمدد؟

بعد انهيار الليرة وعجز المؤسسات السياحية عن التسعير
يراهن اللبنانيون على موسم الصيف الحالي لتعويض جزء من الخسائر الجسيمة التي مُني بها لبنان (أ.ف.ب

بيروت: إذا كانت الدولرة الجزئية تعني استخدام عملة أجنبية إلى جانب العملة المحلية في البلد بشكل طبيعي، فإن الدولرة الشاملة تعني الاستغناء عن العملة الوطنية والإبقاء على العملة الأجنبية المعتمدة..

وتسلك الدولرة الجزئية طريقها نحو السيطرة بشكل كامل على الاقتصاد لتصبح دولرة شاملة، إذ منذ بداية الانهيار المالي أواخر العام 2019 وظهور السوق السوداء بات كل شيء يسعر ويباع على أساس سعر الدولار في السوق السوداء.

وحين أطلق مصرف لبنان منصته ليمنع المضاربة من قبل التجار وغيرهم على العملة الوطنية، استمرت السوق السوداء بالاتفاق مع بعض الصرافين، أن لم نقل كلهم، بالتحكم في الأسعار. ولَم يعد يوجد أي رادع أمام شركات المحروقات للبيع على أساس سعر الدولار في السوق مما جعل صفيحة البنزين تتجاوز 600 ألف ليرة، في حين قام أصحاب المولدات الخاصة باستيفاء فواتير اشتراكاتهم بالدولار الأميركي، وأصحاب محال صيانة السيارات يفرضون التعريفة بالدولار، فضلاً عن محال الأدوات الإلكترونية وبعض أصحاب المهن الحرة من أطباء ومستشفيات وشركات تأمين ومكاتب السفر والسياحة والمطاعم والمقاهي وهؤلاء  طبقوا فلسفة جديدة في عالم الاحتيال إذ أن المواطن الذي يريد الدفع بالعملة الوطنية ثمن أي سلعة فالدفع سيكون حسب سعر السوق السوداء وإذا أراد أن يسدد فاتورة مصدرة بالعملة اللبنانية بالدولار فيتحول السعر على أساس سعر المنصة، والمواطن بالنتيجة هو الضحية.

وكما يبدو أن الدولرة الشاملة بدأت تشق طريقها نحو القطاعات الخدماتية، إذ أعلنت ​وزارة السياحة​ اللبنانية أنه «نظرًا للظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وخصوصًا لناحية تقلب سعر صرف ​الدولار​ مقابل الليرة اللبنانية، وتمكينًا لحسن مراقبة ومقارنة الأسعار؛ تسمح الوزارة وبشكل استثنائي واختياري، خلال الفترة الممتدة من الخميس في 2 يونيو (حزيران) 2022 ولغاية نهاية شهر سبتمبر (أيلول) 2022 ضمنًا، للمؤسسات السياحية كافة في لبنان، بإعلان لوائح أسعارها بالدولار الأميركي، على أن تصدر الفاتورة النهائية مسعرة بالليرة اللبنانية والدولار الأميركي».

بلال علامة

 

الالتزام بالأسعار التنافسية

وشددت الوزارة على المؤسسات السياحية كافة «الالتزام بالأسعار التنافسية التي تراعي القدرة الشرائية لرواد هذه المؤسسات، تحت طائلة اتخاذ الإجراءات والتدابير القانونية بحق المؤسسات المخالِفة»، مشيرةً إلى أن «هذا التعميم قد يجدد حيث تدعو الحاجة».

وقد رحب رئيس نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري ​طوني الرامي​ بهذا القرار، موضحاً أن «كل قطاع من القطاعات الإنتاجية مداخيله بالليرة اللبنانية ومشترياته وكلفته التشغيلية بالدولار»، لافتاً إلى أنهم «يريدون الحفاظ على استمراريتهم وتحسين ظروف عملهم المعيشية»، ورأى أن «هذا التعميم سيحافظ على القطاع السياحي في لبنان كما سيشجع على المنافسة ويؤمن الشفافية».

أمام هذا الواقع، هل تتوسع الدولرة وتشمل كل القطاعات الاقتصادية والإنتاجية؟ وما هي نتائجها على العملة الوطنية وعلى حياة المواطنين خصوصاً الذين يتقاضون رواتبهم بالعملة اللبنانية؟ «المجلة» طرحت هذا السؤال على خبراء وقيادات صناعية وتجارية وعقارية ومالية.

في الإطار العام للقرار يقول الخبير المالي والاقتصادي الدكتور بلال علامة: في ظاهرة مستجدة تترافق مع الانهيار الكبير الذي يصيب القطاعات اللبنانية كافة كان لوزير السياحة النصيب الأكبر من المشهد السياحي حيث أصدر قرارا يسمح بموجبه للمؤسسات السياحية طيلة الموسم السياحي بالتسعير بالدولار الأميركي بدل التسعير بالليرة اللبنانية.

بداية وقبل تحليل خلفيات القرار يبقى السؤال الأهم: هل الضرورات تبيح المحظورات؟

هل اعتمد الوزير على السؤال المذكور أعلاه فأصدر قراره؟ وهل يعتبر القرار مخالفا للقوانين على الأرض اللبنانية؟

مما لا شك فيه أن القانون التجاري اللبناني يفرض التسعير بالعملة الوطنية انطلاقاً من كون العملة الوطنية هي التي تمتلك الحق السيادي على الأرض اللبنانية. ولكن مع توسع حالة الانهيار وفوضى التسعير واضطراب سوق الصرف ومنعاً للمضاربة خاصة بالنسبة للمغتربين اللبنانيين الذين يزورون لبنان هذا الصيف، والذين يحسنون جيداً لعبة الأسعار والمضاربات، فضل الوزير أن يتم الدفع مباشرة للمؤسسات السياحية بالدولار على اعتبار أن هذه العملية قد تبعد الزائرين عن سوق الصرف والمضاربة.

في نفس الوقت الكل يعلم أن المؤسسات العاملة في لبنان تعاني الأمرين في تأمين الدولار الأميركي لتغطية نفقاتها التشغيلية وتغطية حاجاتها من الدولار الأميركي نظراً لكون العديد من القطاعات التشغيلية الأساسية بدأ عملية التسعير بالدولار ويطلب أن يكون الدفع بصيغة الفريش.

قد يكون لقرار الوزير بعض الجوانب الإيجابية بالنسبة للمؤسسات وكلفتها التشغيلية وقد يكون القرار مفيداً لناحية أبعاد المضاربة وفوضى التسعير الدولارية، ولكن الأكيد أن في باطن القرار خرقا لمبدأ سيادة العملة الوطنية ودفعاً باتجاه اعتماد عملة أجنبية في التبادلات قد تكون بداية الطريق للقضاء على الليرة اللبنانية ذات القيمة المتردية جدا.

قد يكون قرار الوزير تسليماً بعدم قدرة الطبقة السياسية على تحسين سعر الليرة أو حتى ضبط التدهور الحاصل في قيمتها في ظل عدم القدرة على المراقبة والضبط والأكيد أن أخطر ما في هذا القرار أنه سيفتح الباب واسعاً أمام القطاعات الأخرى للمطالبة باعتماد الدولار في التسعير.

فهل يكون هذا القرار بداية النهاية بالنسبة لليرة اللبنانية؟ وهل بات لزاماً على اللبنانيين التحضير لمراسم العزاء والمواساة بموت سيادة الليرة اللبنانية؟

 

سليم الزعني

 

للدولرة سلبيات وإيجابيات

هذا الواقع طرحناه على العاملين في القطاعات الإنتاجية والخدماتية، فرئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين سليم الزعني اعتبر أن الدولرة بمفهومها الواسع لها سلبيات ولها إيجابيات، لذلك المطلوب قبل اتخاذ أي إجراء في هذا الخصوص إجراء دراسة شاملة وواضحة للجميع للصناعي والتاجر والمستهلك، إذ إن الكل يعلم أن الصناعي يشتري المواد الأولية والمحروقات بالدولار وهو- حسب القانون- يبيع بالعملة الوطنية، وبالتالي فهو معرض للخسارة في ظل عدم استقرار الدولار في السوق.

وأضاف: «في حال حصلت الدولرة بطريقة علمية ومدروسة فهذا يؤمن ثبات الأسعار للبضائع في الأسواق وتتأمن العدالة للصناعي والتاجر والمستهلك، لذلك أعود وأكرر أن الدولرة يجب أن تدرس وتطبق بطريقة علمية  وشفافة وعادلة».  

أما نائب رئيس الجمعية ورئيس مجلس إدارة مصانع الربيع جورج نصراوي، فقد اعتبر أن هذا الموضوع مهم جداً بالنسبة للقطاع الصناعي، مشيراً: «لقد سبق لي أن ناقشت هذا الموضوع العام الماضي مع وزير الاقتصاد والتجارة ومع مدير عام الوزارة وطالبتهما بأن يتم تثبيت سعر الدولار لوقف الخلل الموجود في السوق، إذ إن أصحاب السوبر ماركت حين يسعرون السلع يكون سعر الدولار 22 ألفا يزيدون الأسعار إلى 30 ألفا للاحتفاظ بحقهم في حال ارتفع الدولار بشكل كبير في السوق السوداء كما يحصل دوماً».

وأضاف: «الصناعيون والتجار يتبعون الأسلوب نفسه، إذ حين يقومون بتسليم البضائع إلى السوبر ماركت لا يتقاضون أسعارها فوراً بل إن هناك من يدفع بعد 15 أو 20 يوماً، لذلك يرفعون الأسعار تحسباً للخسارة، فمن يضمن أن سعر الدولار سيستقر خلال تلك الفترة؟ ومن أجل هذا الوضع المربك للجميع، طالبنا وسنطالب بتثبيت سعر الدولار حتى لا يقوم أصحاب السوبر ماركت بتغيير الأسعار بين فترة وأخرى أو كل يوم، فتثبيت السعر يريح الجميع وخصوصاً المستهلك والتاجر».

 

نعيش الدولرة الجزئية

أما الخبيرة العقارية وعضو شبكة القطاع الخاص اللبناني السيدة ميراي القراب أبي نصر أكدت في حديثها: «إننا في لبنان نعيش الدولرة الجزئية، أي إن التعامل يتم بالدولار والليرة اللبنانية في الوقت عينه حيث إن مصرف لبنان يقوم بطباعة العملة الوطنية التي تستعمل في البلد خلافا للدولار الذي لا يطبع في لبنان بل يأتي من الخارج».

وبرأي أبي نصر أنه مع ازدياد التعامل بالدولار من جراء الأزمة الاقتصادية، وتقلبات سعر الصرف الجنونية وتدهور العملة الوطنية كل يوم من البديهي السؤال عن جدوى الدولرة الشاملة كحل للوضع!

الجواب واضح، الدولرة تحل المشكلة النقدية وتساعد الشركات على التسعير والعمل بانتظام، إلا أن الدولرة الشاملة سوف تسبب مشاكل كارثية بما أن لبنان يعاني شحا في الدولار أصلا وهو لا يطبع دولارا ويعاني عجزاً في ميزان المدفوعات والميزان التجاري، ما يعني أن الاقتصاد منهار.

وأضافت: «لا أموال من الخارج، والدولة تعثرت على دفع ديون اليوروبوند بالدولار، ونصدر أقل بكثير مما نستورد، لذلك وفي ظل هذه الظروف فإن الدولرة الشاملة، أي استعمال الدولار حصرا كعملة، يعني أن الدولة لن تتمكن من دفع معاشات القطاع العام، والقدرة الشرائية سوف تتضاءل بشكل جنوني مما يسرع الانهيار ويزيد من الأزمة الاقتصادية!».

وأكدت أبي نصر أن الحل هو البدء بالإصلاحات وإقرار خطة اقتصادية متكاملة تؤدي إلى دوران العجلة الاقتصادية من خلال تشجيع الاستثمارات وضخ أموال من الخارج، عندها فقط يمكن أن نكون على سكة التعافي.

وقالت: «أما إذا كان المقصود بالدولرة هو استعمال الـ«اندكسينغ» للتسعير، وهذا ما يحصل حاليا وتدريجيا في أغلب القطاعات بحيث تتمكن الشركات من التسعير بالاعتماد على معيار ثابت ألا وهو سعر الدولار مع البقاء على التعامل بالليرة وهو بحاجة أيضا لتعديل قانون يسهل الموضوع على المؤسسات إنما هذا كله حل مؤقت إلى حين تفعيل الخطة الاقتصادية الشاملة ولكن أن نذهب إلى ما يعرف بالدولرة الشاملة فتلك نتائجها كارثية في الوضع الراهن».

 

الشعب هو الضحية

أما رئيسة مجموعة تايغر العالمية الدكتورة عبير فرح، فقد اعتبرت أن هذا الموضوع حساس جدا وهو عبارة عن سيف ذي حدين.

وقالت: «إذا فكرنا من ناحية مصالح أعمالنا التجارية وخصوصا المستوردين والمصدرين فهي بكل تأكيد تخدم هذه المصلحة وتساعد المؤسسات التجارية على تنشيط أعمالها وتوسعها، إذ كما هو معلوم لدى الجميع بأننا نستورد البضائع بالدولار ونبيعها بالليرة اللبنانية ودائما نحاول ونسعى جاهدين لاسترجاع الدولار من السوق المحلية، والمستفيد الأكبر هم الصرافون والقطاع المصرفي».

وأضافت: «أما من الناحية الثانية، فيأتي انعدام القدرة الشرائية لدى المواطن الذي ما زال يقبض بالليرة اللبنانية ويعاني من عدم تمكنه من تأمين أبسط حقوقه، لذلك إذا لم يتم وضع خطة ومراقبة محكمة على القطاع المصرفي فالشعب هو الضحية في كل الأحوال».

وخلاف ذلك يرافق هذا السؤال مائة سؤال، ماذا نفعل إذا حصلت تقلبات سريعة في سعر الصرف في اليوم نفسه كما يحدث دوماً؟ من يحدد سعر الصرف للدولار بالسوق السوداء؟ ماذا عن الدفع بالبطاقات بالليرة اللبنانية؟

الكثير من الأسئلة تطرح نفسها، نحن لسنا بحاجة لقرار في قطاع واحد، نحن نحتاج لإعادة هندسة البنية التحتية لدستور وقوانين لبنان بما يتماشى مع المصلحة العامة وليس لحساب المصالح الحزبية.

 

السماح بالتخطيط للأمد الطويل

من ناحيتها رأت عضو مجلس إدارة جمعية تجار بيروت السيدة كارينا الحصري، أنه رغم أن دولرة الاقتصاد اللبناني يمكن أن توفر الاستقرار لمختلف القطاعات والأسر من خلال الحد من المخاطر المستقبلية المحيطة بالقدرة الشرائية، فإن أي حل مستقل لن يحقق النتائج الإيجابية المرجوة، لذا يجب وضع خطة شاملة كاملة مع إصلاحات متعددة وتطبيقها ومراقبتها عن كثب.

وأضافت أن دولرة الاقتصاد اللبناني ستسمح بالتخطيط للأمد الطويل ولحماية القطاع الخاص من عشوائية طباعة الليرة من قبل الحكومة والمخاطر المرتبطة كتخفيض قيمة العملة، وسيعمل على استقرار القطاع المصرفي، مما يشجع على الاقتراض التجاري الذي يعمل بدوره على تعزيز الاقتصاد.

واعتبرت الحصري أن للدولرة فوائدها، لكن دون معالجة كل قطاع على حدة، كقطاع السياحة، لأننا لن نصل بذلك للنتائج المرجوة، بل ستخلق تضخمًا هائلاً في هذا القطاع وستجعله بعيداً عن إمكانيات الشعب المقيم.

 

 


مقالات ذات صلة