آثار أبو مينا.. تراث عالمي معرّض للخطر

ارتبط اسمها بالمعجزات وأدرجت على قائمة اليونسكو
من آثار أبو مينا في الإسكندرية

الإسكندرية: تمتلك مصر ثلث آثار العالم أجمع وبها مواقع أثرية مدرجة على قوائم منظمة اليونيسكو، كما أنها تمتلك أقدم الرموز الأثرية العالمية للأديان السماوية الثلاثة، التي تؤكد أن مصر كانت مهد الحضارات وملتقى الأديان على مر التاريخ.
وتحرص مصر على تنفيذ مشروعات الترميم بمعاييرعالمية للحفاظ على تلك المواقع الأثرية الفريدة التي تعكس عظمة وتميز وثراء الحضارة والتاريخ المصريين، وتخصّص لها ميزانيات ضخمة تقدر بالملايين، تؤكد حرصها على الحفاظ على ثرواتها التاريخية العريقة وهويتها وجذورها التي تضرب في عمق التاريخ.
يعد موقع آثار أبومينا العالمي في غرب الإسكندرية منطقة أثرية قبطية فريدة على مستوى العالم أجمع، ويعتبر هذا الموقع الأثري من أشهر أماكن السياحة المسيحية.

أدرج الموقع في قائمة اليونيسكو

يرجع تاريخها إلى القرنين الرابع والخامس
ويتحدث العالم والخبير الأُثري ومدير متحف الآثار في مكتبة الإسكندرية الدكتور حسين عبد البصير لـ«المجلة» عن منطقة آثار أبو مينا، ويقول إنّ منطقة أبو مينا الأثرية، هي منطقة أثرية قبطية فريدة على مستوى العالم وليس مصر فقط، وتقع على بُعد 12 كم غربي برج العرب، بالقرب من الإسكندرية، ويرجع تاريخها إلى القرنين الرابع والخامس الميلاديين وترتبط باسم القديس مينا، وهو مصري عاش في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع الميلادي، انضم إلى الجيش الروماني ثم فر من الخدمة عندما بدأ اضطهاد المسيحيين في عهد الإمبراطور دقلديانوس وأعلن مسيحيته، وبسبب ذلك صدر الأمر بقطع رأسه.
ويروي حسين عبد البصير قصة منطقة أبو مينا الأثرية فيقول إنّ «وفاة القديس مينا كانت في أواخر القرن الثالث أو أوائل القرن الرابع الميلادي، وتعرض العديد من الروايات في القرن الخامس وما بعده نسخًا مختلفة قليلاً عن دفنه والتأسيس اللاحق لكنيسته وتشير إلي أن جسده أخذ من الإسكندرية على ظهر جمل تمت قيادته إلى الصحراء خلف بحيرة مريوط وفي مكان ما، رفض الجمل الاستمرار في السير رغم كل الجهود المبذولة لتحريكه وقد كان ذلك بمثابة علامة على الإرادة الإلهية، ومن ثم تم دفنه في هذا الموقع».

أصبح الموقع محجاً مسيحياً

معجزات مرتبطة بالموقع السياحي
ويشير عبد البصير إلى بعض الروايات التي تعكس المعجزات الخاصة بالمواقع الأثري الفريد، قائلا: «تذكر معظم الروايات أن موقع القبر قد نُسي بعد ذلك حتى أعاد اكتشافه بأعجوبة من قبل أحد الرعاة إذ أراد الله أن يكشف مكان جسد القديس مينا، حيث تروي القصة أنه كان في تلك الصحراء راعياً وذات يوم ذهبت شاة كانت تعاني من مرض الجرب إلى ذلك المكان وغطست في ماء النبع الصغير القريب من المكان، وتدحرجت فيه وتم شفاؤها في الحال فلما رأى الراعي هذا الأمر وفهم المعجزة، تعجب وانبهر، و بعد ذلك كان يأخذ بعضاً من الغبار من هذا المزار ويخلطه بالماء ويفركه على الخراف، وإذا كانوا مصابين بالجرب يشفون بذلك حالاً وهو كان يفعل ذلك في جميع الأوقات، وقد شفى كل المرضى الذين يأتون إليه بهذه الوسيلة».
ويكمل: «انتشرت الأحاديث حول قدرة الراعي علي الشفاء بسرعة، حتي إن الإمبراطور قسطنطين الأول أرسل ابنته المريضة إلى الراعي للشفاء، وبعد ذلك أمر قسطنطين ببناء كنيسة في الموقع».

ارتبط الموقع بالكثير من المعجزات


 ويضيف: «بحلول أواخر القرن الرابع الميلادي، كان موقعًا مهمًا لحج المسيحيين الذين يسعون إلى الشفاء والمعجزات الأخرى، وكان هناك قوارير القديس مينا، وكانت بمثابة نوع خاص من عبوات الطين الصغيرة التي تُباع للحجاج بثمن بسيط، كحاويات للمياه المقدسة وعليها صور القديس التي أصبح لها أهمية كبرى في دراسة الأيقونات».
ويتابع: «في عهد الإمبراطور أركاديوس لاحظ رئيس الأساقفة أن الحشود كانت تطغى على الكنيسة الصغيرة فكتب إلى الإمبراطور الشرقي، الذي أمر بتوسيع كبير للمرافق، وتعد تلك هي التوسعة الأول من التوسعات الثلاث الكبرى للكنيسة التي نفذت في الموقع ومع حلول نهاية العصور القديمة المتأخرة أصبح أبو مينا موقع الحج الرائد في مصر».
ويوضح أنه تم التنقيب في الموقع لأول مرة منذ عام 1905 إلى عام 1907 حيث كشفت هذه الجهود عن كنيسة بازيليكا كبيرة، وكنيسة مجاورة ربما كانت تضم رفات القديس، والحمامات الرومانية وانتهت سلسلة الحفائر اللاحقة طويلة الأمد التي قام بها المعهد الأثري الألماني في عام 1998 ميلادية وكشفت تلك الأعمال عن مهجع كبير للحجاج، بأجنحة منفصلة للرجال والنساء والأطفال ومن المحتمل أن يكون المجمع الواقع إلى الجنوب من الكنيسة العظيمة هو مقر إقامة رئيس الدير، وتشير الحفريات إلى أن منطقة استقبال الحجاج، ربما كانت في الأصل مقبرة، كما يبدو أن المعمودية المجاورة لموقع الكنيسة الأصلية مرت بثلاث مراحل على الأقل من التطور، كما تم الكشف عن مجموعة من مكابس النبيذ، بما في ذلك غرف التخزين تحت الأرض، والتي يعود تاريخها إلى القرنين السادس والسابع الميلادي.

أسباب إضافة الموقع إلى قائمة اليونيسكو
ويشير حسين عبد البصير إلى أن أسباب إضافة الموقع إلى قائمة اليونيسكو للتراث العالمي المعرض للخطر في عام 2001 ميلادية، تعود إلى تهديد ارتفاع منسوب المياه الجوفية المحلية وترجع الزيادة في نسبة المياه إلى برامج التنمية الزراعية الهادفة إلى استصلاح الأرض فعلي الرغم من أنه يمكن للتربة الطينية الصلبة التي تحيط بالموقع أن تدعم المباني عندما تجف. ولكنها تكون غير مستقرة عندما تكون رطبة ويمكن أن تؤدي إلى انهيار الصهاريج وغيرها من الهياكل حول المدينة القديمة وعندما تنهار الأرض تتشكل تجاويف كبيرة تغلف الهياكل التي تعلوها.
ويرى أنه كان من الهام اتخاذ إجراءات فورية للحفاظ على الموقع، ومنها ملء قواعد المواقع ذات الأهمية الخاصة بالرمال وإغلاقها أمام الجمهور، ولمواجهة هذه الظاهرة أنفق المجلس الأعلى للآثار نحو مليون جنيه لحفر الخنادق وإضافة مضخات على أمل تخفيف ضغط الري. بالإضافة إلى ذلك، تمت إضافة سياجٍ لمنع التعدي والتهديد وبالفعل نجحت تلك الخطوات للحفاظ على الموقع الأثري الفريد، وتمت إزالة الموقع من قائمة اليونيسكو للتراث العالمي المعرض للخطر في عام 2009 ولكن منذ ذلك الحين، استمرت المياه في الارتفاع وتسبب ذلك في تدمير المعالم الأثرية وتم إدراج الموقع مرة أخرى في قائمة اليونيسكو للتراث العالمي المعرض للخطر وشملت العوامل التي أثرت سلبًا على العقار مؤخرًا في عام 2018.
ويضيف: «ولكن مصر تهتم بالحفاظ علي ثرواتها الأُثرية وتراثها الفريد الذي تعتبره إرثا حضاريا عالميا فنفذت الحكومة المصرية خطط طوارئ ووجدت ونفذت الحلول الفعالة لمشكلة منسوب المياه الجوفية».

يعتبر الموقع من المواقع المهددة بالخطر بسبب المياه الجوفية


وتجدر الإشارة إلى أن منطقة أبو مينا الأثرية كانت في الماضي قرية صغيرة اكتسبت شهرتها من وجود مدفن القديس مينا، وفي أواخر القرن الخامس والنصف الأول من القرن السادس الميلادي أصبحت من أهم مراكز الحج المسيحية في مصر بل والعالم أجمع.
وتضم منطقة أبو مينا الأثرية منشآت عديدة ذات أغراض دينية متنوعة منها مركز الحج؛ وهو المبنى الرئيسي ويقع في الجزء الجنوبي من المنطقة السكنية القديمة، ويتكون من منطقة يتوسطها فناء متسع على شكل ميدان محاط بصفوف من الأعمدة كان يتجمع فيه الحجاج الوافدون على المكان المقدس، وفي الجزء الشمالي من الفناء يوجد فندقان يتكونان من فناء داخلي حوله حجرات النزلاء، وفي أقصى الشمال يوجد حمامان مزودان بالمياه الساخنة اللازمة للحجاج بعد سفرهم الطويل، ويفتح الفناء القبلي على كنيسة المدفن والبازيليكا الكبيرة وتم تسجيل منطقة أبو مينا كموقع أثري طبقًا للقرار رقم 698 في عام 1956م، وفي عام 1979م تم تسجيل الموقع على قائمة التراث العالمي لليونيسكو.