ولي العهد السعودي في جولته الإقليمية... اتفاقات ثنائية وتفاهمات سياسية

الأبعاد الاقتصادية والأمنية أبرز نتائج الجولة المكوكية
الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله في العاصمة الأردنية المحطة الثانية في جولته الإقليمية (إ.ب.أ)

باكو: في توجيه ملكى لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، واستجابة لدعوات وجهت إلى ولى العهد السعودي، أجرى الأمير محمد بن سلمان جولة إقليمية امتدت لثلاثة أيام شملت ثلاث دول فاعلة؛ بدأت بمصر مرورا بالأردن وصولا إلى تركيا، هدف من خلالها إلى التأكيد على حرص المملكة في تواصلها وتعزيز علاقاتها مع جوارها الإقليمي في المجالات كافة، فضلا عن أهمية تعزيز هذا التعاون المشترك في تلك اللحظات الحاسمة التي تواجه فيها دول المنطقة عديد التهديدات والتحديات سواء تلك الناجمة عن أزماتها الاقتصادية وصراعاتها الداخلية، او تلك الناجمة عن انعكاسات الأوضاع العالمية الملتهبة على أمنها واستقرارها بحكم موقعها الجيواستراتيجي ومكانتها الجيواقتصادية.

وغني عن القول إن هذه الزيارة رغم قصر مدتها إلا أنها حظيت باهتمام بالغ من كافة الأطراف الدولية والإقليمية، ويرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب:

الأول: يتعلق بتوقيت الزيارة، حيث تأتي في إطار حزمة من اللقاءات التي شهدتها المنطقة على مدار الأسابيع الماضية سواء لقاءات بين قيادات دولها (ثنائية أو جماعية) أو لقاءات مع ممثلي الدول الفاعلة في المنظومة الدولية. أضف إلى ذلك أنها تأتي قبل القمة الأميركية السعودية الإقليمية المرتقبة في منتصف يوليو (تموز) القادم خلال زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى المملكة العربية السعودية وعقده قمتين: الأولى، أميركية سعودية بحضور العاهل السعودي وولي عهده. والثانية، أميركية خليجية عربية بحضور قادة دول الخليج الست إضافة إلى كل من مصر والأردن والعراق.

الثانى: يتعلق باختيار الدول الثلاث محط الزيارة والتي تشمل دولتين إقليميتين في المنطقة (مصر وتركيا) ودولة فاعلة بشكل كبير في كافة ملفات المنطقة، إذ إن الواقع يشهد على دور فاعل للمملكة الأردنية في جميع قضايا المنطقة. ولذا، فقد اكتسبت الزيارة زخمًا واسعًا حينما شملت الدول الثلاث بدورهم الفاعل في قضايا المنطقة والتي أضحت المملكة صاحبة دور رائد في إدارة هذه القضايا بما اكتسبته من مكانة إقليمية ودولية.

الثالث- يتعلق بحجم ما حققته الجولة من نتائج ومخرجات عديدة ومتنوعة، أغلبها في المجال الاقتصادي، دون أن تغفل البعدين السياسي والأمني أيضًا. وتتأكد تلك الأهمية مع استعراض حجم المخرجات المحققة لكل محطة من محطات الجولة.

 

في ضوء تلك الأهمية التي اكتسبتها الجولة الإقليمية يستعرض التقرير محطاتها الثلاث من  خلال ثلاثة محاور على النحو الآتى:

 

أولا: السعودية ومصر ... شراكة استراتيجية تتعزز يوميا

في زيارة هي الثانية لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للأراضي المصرية خلال ثلاثة أشهر بعد قمة الرياض في مارس (آذار) الماضي (2022)، استقبله الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بقصر الاتحادية في لقاء أخوى بحث خلاله القيادتان سبل تعزيز العلاقات الثنائية واستدامة الشراكة بين البلدين في مختلف مجالات التعاون الثنائي؛ بما يحقق المصلحة المشتركة والمنفعة المتبادلة، فضلاً عن تكثيف التشاور والتنسيق حيال عديد الملفات والقضايا الإقليمية والدولية في ضوء التحديات الراهنة التي تتطلب تضافر جهودهما المشتركة، وهو ما حققته الزيارة من نجاحات عدة، تجسدت في عديد المؤشرات، منها:

  1. في المجال الاقتصادي، شهدت علاقات البلدين دفعة قوية عززت من تعاونهما الاقتصادي، حيث تم على هامش الزيارة ما يأتي:
  • توقيع 14 مذكرة تفاهم واتفاقية استثمارية بقيمة (7.7 مليار دولار)، موزعة على 10 قطاعات اقتصادية، شملت قطاعات البنية التحتية والخدمات اللوجيستية وإدارة الموانئ والصناعات الغذائية وصناعة الأدوية والطاقة التقليدية والطاقة المُتجددة ومنظومة الدفع الإلكتروني والحلول التقنية المالية والمعلوماتية. ويذكر أن البلدين ترتبطان بأكثر من 160 اتفاقية ثنائية.
  •  ارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين ليسجل 9.1 مليار دولار بنهاية 2021، مقارنة بنحو 5.6 مليار دولار في 2020؛ وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري. وتعد مصر أكبر شريك تجاري عربي للمملكة، حيث تعد الشريك السابع في جانب الصادرات، والتاسع في جانب الواردات على مستوى دول العالم.
  1.  زيادة حجم الاستثمارات السعودية في مصر، إذ تعد المملكة إحدى أكبر الدول المستثمرة في مصر بإجمالي استثمارات يفوق 112 مليار ريال، حيث تعمل أكثر من ألفي شركة مصرية في المملكة برؤوس أموال تتجاوز 5 مليارات ريال، وبأصول تُقدر بنحو 8 مليارات ريال في قطاعات مختلفة. لتتبوأ مصر المرتبة الثانية في قائمة أكبر الدول التي تم إصدار رخص استثمارية لها بالمملكة عام 2020 بإجمالي 160 رخصة استثمارية، وجاءت في المركز الثاني من حيث المشروعات الجديدة بالمملكة، فقد بلغ عدد الصفقات الاستثمارية المبرمة خلال الربع الأول من 2022 حدود 11 صفقة استثمارية، فيما احتلت المملكة المرتبة الثانية من حيث الاستثمارات في مصر.
  2. في المجال السياسي، تم التأكيد على تطابق الرؤى والمواقف بشأن عديد القضايا الإقليمية والدولية، بدءا من القضية الفلسطينية بضرورة تكثيف الجهود للتوصل إلى تسوية شاملة وعادلة للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وإيجاد أفق حقيقي للعودة إلى مفاوضات جادة وفاعلة لتحقيق السلام، وفقاً لمبدأ حل الدولتين، وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة ومبادرة السلام العربية، مرورًا بالموقف من الأزمة اليمنية بضرورة التوصل إلى حل سياسي شامل، استنادًا إلى المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني اليمني، وقرار مجلس الأمن رقم (2216)، والأزمة السورية بضرورة التوصل إلى حل سياسي يحقق تطلعات الشعب السوري ويحفظ وحدة وسلامة أراضيها، مع وقف التدخلات الإقليمية كافة، والأزمة الليبية بضرورة الحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها، وأهمية التوصل إلى حل ليبي/ ليبي دون أي إملاءات أو تدخلات خارجية وصولاً إلى عقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن، والأزمة العراقية بضرورة التوصل إلى صيغة لتشكيل حكومة جامعة تعمل على تحقيق تطلعات الشعب في الأمن والاستقرار والتنمية ومواجهة التنظيمات الإرهابية، والأزمة اللبنانية بضرورة الحفاظ على أمن واستقرار ووحدة أراضيها، وأهمية مواصلة الجهود للحفاظ على عروبة لبنان وأمنه واستقراره، والأزمة السودانية بضرورة دعم الجهود لإنجاح المرحلة الانتقالية، من خلال استمرار الحوار بين الأطراف السودانية كافة، للحفاظ على وحدة الصف بين جميع مكونات الشعب السوداني، وصولا إلى الموقف من أزمة سد النهضة، حيث أكد الجانب السعودي على دعمه الكامل للأمن المائي المصري باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الأمن المائي العربي، وحث إثيوبيا على عدم اتخاذ أية إجراءات أحادية بشأن ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي وأهمية التفاوض بحسن نية مع مصر والسودان للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم في هذا الشأن، تنفيذًا للبيان الرئاسي الصادر عن مجلس الأمن في سبتمبر (أيلول) 2021م، بما يدرأ الأضرار الناجمة عن هذا المشروع على دولتي المصب، ويعزز التعاون بين شعوب مصر والسودان وإثيوبيا. معبرًا عن تضامنه الكامل مع مصر في كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها القومي.
  3. في المجال الأمني، عبر الطرفان عن تضامنهما الكامل مع بعضهما في كل ما تتخذانه من إجراءات لحماية أمنهما، مؤكدين على أن أمن البلدين كل لا يتجزأ، وهو ما يعزز من مستوى التعاون والتنسيق الأمني القائم ببنهما، بهدف ضمان تحقيق الأمن والاستقرار لهما بل وللمنطقة والعالم بأسره، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب التي تحظى بجهد مشترك في إطار عمل المركز الدولي لاستهداف تمويل الإرهاب. ويذكر أنه قد تم على هامش الزيارة توقيع اتفاقية تتعلق بالأمن السيبراني.
  4. في مجال البيئة والصحة والتعليم، اتفق الطرفان على أن تتم إقامة قمة مبادرة الشرق الأوسط الأخضر ومنتدى مبادرة السعودية الخضراء خلال فترة انعقاد مؤتمر الأطراف لتغير المناخ (COP 27) المنعقد في شرم الشيخ في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. ويذكر في هذا السياق أن شركة أكواباور السعودية وقعت اتفاقية لتوليد ونقل الكهرباء، مع شركة حسن علام القابضة والمصرية القابضة لكهرباء مصر، لإنتاج وتوليد طاقة نظيفة من تكنولوجيا طاقة الرياح بقدرة مركبة 1100 ميغاواط، باستثمار يصل إلى 1.5 مليار دولار. أما في مجال الصحة، فقد أبدى الجانبان تطلعهما إلى تعزيز التعاون المشترك، مع حرصهما على دعم المبادرات العالمية لمواجهة الجوائح والمخاطر والتحديات الصحية الحالية والمستقبلية. هذا إلى جانب العمل على رفع مستوى التعاون العلمي والتعليمي بينهما.
  5. في المجال الإعلامي، تم عقد منتدى الإعلام السعودي المصري ليكون بمثابة منصة ينظمها  المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، بهدف تعزيز التعاون المشترك بين البلدين في مختلف مجالات العمل الإعلامي بما يواكب قوة علاقاتهما وعمق تعاونهما. وقد تم على هامش الزيارة توقيع اتفاقية بشأن التعاون في المجال الإعلامي.

 

استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لولي العهد الأمير محمد بن سلمان في العاصمة الأردنية عمان (أ.ف.ب)

ثانيا: السعودية والأردن.. رؤى مشتركة وتوجهات متطابقة

في محطته الثانية ضمن جولته الإقليمية، استقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الأمير محمد بن سلمان في قصر الحسينية بالعاصمة الأردنية، مانحًا إياه «قلادة الحسين بن علي»، وهي أرفع وسام مدني في الأردن، وتمنح للملوك والأمراء ورؤساء الدول، وهو ما يؤكد على جملة المواقف والسياسات التي تجمع المملكتين السعودية والأردنية حيال مختلف القضايا الدولية والإقليمية في ضوء تاريخية العلاقات التي تجمعهما من ناحية، وقراءتهما المتطابقة للأوضاع وتحولاتها من ناحية أخرى.  

ومن نافل القول إن هذه الزيارة تكتسب أهميتها على مستوى العلاقات بين البلدين كونها الزيارة الأولى للأمير محمد بن سلمان للمملكة بعد توليه ولاية العهد قبل 5 سنوات، والثالثة له في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز، حيث سبق أن زار الأردن كولي ولي العهد وزير للدفاع في أغسطس (آب) 2015، وأبريل (نيسان) 2016، وأجرى خلالها مباحثات مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.

ومن هذا المنطلق، عكست الزيارة في مخرجاتها مدى متانة العلاقات الوثيقة والشراكة الاستراتيجية البلدين، وجاءت تأكيدًا لأهمية دور السعودية في المحيطين العربي والإقليمي، حيث مثل التعاون الاقتصادي مسارًا مهمًا في تعزيز علاقاتهما كما يتضح ذلك من زيادة حجم التبادل التجاري بينهما ليصل إلى نحو 16.6 مليار ريال عام 2021 مقارنةً بـ11.6 مليار ريال عام 2020، فضلا عن زيادة حجم الاستثمارات السعودية ليصل إلى نحو 14 مليار دولار أميركي، وذلك من خلال نحو 900 مشروع، لتصبح السعودية أول شريك تجاري للأردن ومن كبرى الدول المستثمرة فيه، حيث تتركز استثماراتها في قطاعات السياحة والمالية والتجارة والرعاية الصحية والبنية التحتية والتعليم والخدمات اللوجيستية والنقل والطاقة والاتصالات وتقنية المعلومات. مرتكزة في هذا التعاون على قاعدة متينة من الأطر المؤسسية المتمثلة في اتفاقيات التعاون الاقتصادي، واللجنة السعودية- الأردنية المشتركة، ومجلسي التنسيق والأعمال، حيث تمثل جميعها أدوات مهمة لتطوير مجالات وفرص التعاون بين البلدين على الأصعدة كافة. يذكر أن التعاون فى هذا المجال إنما يأتي تجسيدًا للرؤية التنموية الطموحة لولي العهد السعودي العابرة للحدود، والداعية للتعاون والتكامل، التي تمتد لتشمل مجالات أخرى، منها الطاقة الجديدة والمتجددة في ضوء مبادرتي المملكة المتعلقتين بـ«السعودية الخضراء»، و«الشرق الأوسط الأخضر»، ومجالات الأمن الغذائي، والصحة، والتعليم، والثقافة، والسياحة، والرياضة، والشباب.

وفى المجالين السياسي والأمني، عكست مواقف الطرفين تطابقًا حيال عديد القضايا الدولية والإقليمية، بدءا من قضية العرب المركزية وهى القضية الفلسطينية، حيث شدد الجانبان على ضرورة انطلاق جهد دولي جدي وفاعل لإيجاد أفق سياسي حقيقي لحل القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، مع أهمية التأكيد على دور الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس في حماية المقدسات والحفاظ على هويتها العربية الإسلامية والمسيحية، مرورًا بقضايا المنطقة الأخرى، إذ أكد الجانبان على موقفهما المشترك حيال الأوضاع اليمنية، بضرورة التوصل إلى حل سياسي شامل للأزمة في اليمن، بدعمهما لمجلس القيادة الرئاسي والكيانات المساندة له؛ لتمكينه من ممارسة مهامه. مع إدانة كاملة للأعمال والممارسات والهجمات الإرهابية التي تقوم بها ميليشيا الحوثي. وكذلك موقفهما تجاه الأزمة السورية بضرورة استمرار المجتمع الدولي في تقديم الدعم للاجئين والدول المستضيفة، وأن عبء اللجوء مسؤولية دولية وليست مسؤولية الدول المستضيفة وحدها، وموقفهما من الأزمة العراقية بالتأكيد على مركزية أمن العراق واستقراره ركيزة لأمن المنطقة واستقرارها، ودعمهما للشعب العراقي في جهوده المبذولة لتحقيق الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار. كما أكد الجانبان على أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار في لبنان وضرورة دعمه والعمل على مساعدته في التصدي للتحديات التي يواجهها، وأهمية إجراء إصلاحات شاملة تكفل تجاوزه لأزمته الحالية، وصولا إلى اتفاقهما على ضرورة دعم الجهود الدولية للحيلولة دون امتلاك إيران سلاحا نوويا، وضمان سلمية برنامجها النووي، وتعزيز دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والحفاظ على منظومة عدم الانتشار، وإيجاد منطقة شرق أوسط خالية من السلاح النووي وجميع أسلحة الدمار الشامل، وحث طهران على الالتزام بعدم التدخل في شؤون الدول العربية، والمحافظة على مبادئ حسن الجوار، وتجنيب المنطقة جميع الأنشطة المزعزعة للاستقرار، فضلا عن أهمية مضاعفة جهودهما لمواجهة التطرف والعمل على مكافحة الإرهاب بجميع صوره وأشكاله والتصدي لجذوره الفكرية وتجفيف منابعه وإيقاف كل سبل تمويله، ونشر قيم الاعتدال الدينية والثقافية والحضارية، مع التأكيد على أهمية استمرار التشاور والتعاون المشترك تجاه التطورات والمستجدات السياسية والأمنية على الساحتين الإقليمية والدولية، بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار للجميع.

 

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في المقر الرئاسي في أنقرة (د.ب.أ)

ثالثا: السعودية وتركيا... تفاهمات سياسية وترتيبات عملية

في زيارته الأولى ومحطته الأخيرة ضمن جولته الإقليمية، استقبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الأمير محمد بن سلمان في القصر الرئاسي بالعاصمة التركية انقرة، حيث تأتي هذه الزيارة بعد أقل من شهرين على زيارة الرئيس التركي للمملكة العربية السعودية. وعلى غرار ما جرى في محطتيه السابقتين (القاهرة وعمّان)، حظي الملف الاقتصادي بأولوية كبرى لدى الطرفين، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تواجهها أنقرة، إذ تواجه ضغوطًا كبيرة بسبب تراجع الليرة وارتفاع التضخم إلى أكثر من 70 في المائة، وهو ما دفع الجانب التركي إلى مطالبة الصناديق الاستثمارية العاملة في بيئة ريادة الأعمال السعودية للاستثمار في الشركات الناشئة في تركيا، وإقامة شراكات معه، على غرار ما تم بشأن تطوير أنشطة التعاون بين «إدارة تنمية ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في تركيا» و«الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة العربية السعودية»، مع الإشارة إلى أهمية أن تكون هناك شراكات إنتاجية واستثمارية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية والمدن الذكية، وتشجيع الجهات الفاعلة في القطاع الخاص العاملة في هذه المجالات على التعاون.

ومن نافل القول إنه رغم أهمية هذا الملف إلا أن الزيارة استعرضت عديد الملفات الأخرى على النحو الذى أورده البيان الختامي الصادر في نهاية الزيارة، إذ أشار إلى مجمل القضايا التي تمت مناقشتها بدءا من الملفات السياسية، حيث أكد الطرفان على سعيهما لتكثيف التعاون والتنسيق وتبادل وجهات النظر بخصوص المسائل والقضايا الهامة على الساحتين الإقليمية والدولية وبما يسهم في دعم وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. ودعم الحلول السياسية لكافة الأزمات في دول المنطقة، مع التأكيد على عدم المساس بسيادة أي منها والسعي لكل ما من شأنه إبعاد دول المنطقة عن التوترات، وإرساء دعائم الأمن والاستقرار فيها. فضلا عن أهمية تعزيز تعاونهما المشترك في إطار المنظمات الإقليمية والدولية وعلى رأسها منظمتا: التعاون الإسلامي والأمم المتحدة، مرورًا بالتعاون في المجالات البيئية والصحية والسياحية، وصولًا إلى التعاون في مجالي الدفاع والقضاء، إذ اتفق الجانبان على تفعيل الاتفاقيات الموقعة بينهما في مجالات التعاون الدفاعي، وتعزيزه وتطويره، فضلا عن تعزيز التعاون كذلك في المجالين القضائي والعدلي بما يسهم في تبادل الخبرات بين المتخصصين في هذه المجالات.

جدوى القول إن الجولة الإقليمية لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والتي شملت دولا إقليمية فاعلة، تكشف عن حجم التحديات والتهديدات التي تواجهها المنطقة ودولها، بما يستوجب أن تتحمل المملكة مسؤولية في إعادة بناء الترتيبات بما يصون أمن المنطقة واستقرارها خشية أن تؤدي الأوضاع العالمية الملتهبة والإقليمية المشتعلة إلى اندلاع حرب إقليمية جديدة لن تستطع دول المنطقة تحمل تأثيراتها وانعكاساتها على مجمل أوضاعها الاقتصادية والسياسية والأمنية. وهذه هي مسؤولية المملكة، سواء بإقدامها على تعزيز شراكاتها الاستراتيجية مع حلفائها من ناحية، وتخفيف حدة التوترات التي تشهدها العلاقات بين دول المنطقة وخاصة الدول الفاعلة فيها من ناحية أخرى، وهو ما حققته تلك الزيارة السريعة والناجحة إلى الدول الثلاث، بما يمهد لمزيد من الحراك السعودي على مستوى الإقليم كما ستشهد الأيام القادمة زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى المملكة في منتصف يوليو القادم (2022) ولقاءه مع رؤساء الدول الخليجية إلى جانب كل من مصر والعراق والأردن، ليمهد ذلك الطريق إلى إعادة ترتيب نمط التفاعلات الأميركية مع دول المنطقة وقضاياها في ظل تصاعد الضغوط العالمية التي تطالب دول المنطقة باتخاذ موقف واضح من الصراع على قمة النظام الدولى التي ترتسم ملامحه الأيام المقبلة في ضوء ما ستفرز نتائجه الأزمة الأوكرانية الروسية الأخيرة.

 


مقالات ذات صلة