التفاوض مع الدب الروسي

أما آن للحرب الأوكرانية أن تتوقف؟ كل أدوات الردع استعملت، وأكاد أقول استنفدت، من العقوبات الاقتصادية إلى التسليح الكثيف للجيش الأوكراني ومدّه بكل أنواع الذخائر وحتى المعلومات الاستخباراتية إلى الحملة الإعلامية على كل الوسائل التقليدية منها والاجتماعية وما زال الجيش الروسي يتقدم ويقضم المدن الأوكرانية واحدة تلو الأخرى ببطء؟ ربما ولكنه يتقدم أمام الذهول الأوروبي الذي يتهم الرئيس بوتين بنيته تجويع العالم من خلال احتلال الموانئ المصدرة الأساسية للحبوب إلى العالم.

إنها معضلة فعلا لا يعرف كيف يتعامل معها العالم والأوروبيون خاصة. فالعقوبات على الغاز أو النفط الروسي وامتناع الأوروبيين عن شرائها سيخلق لها أسواقا أخري، مثل الصين، وفي هذا الصدد سجلت صادرات النفط الروسي للصين زيادة نسبتها 55 في المائة، مقارنة بالعام الماضي فيما لا يزال الأوروبيون يعانون في موضوع التفتيش عن البدائل له. في ألمانيا مثلا ستلجأ الحكومة إلى استعمال الفحم الحجري خاصة في قطاع الكهرباء من أجل خفض الاعتماد على الغاز الروسي. أما كبرى الشركات التي أجبرت على إغلاق مصالحها في موسكو تتحدث عن خسائر تكبدتها بمليارات الدولارات جراء هذا القرار الذين أجبروا عليه.

من دون شك سيكون للعقوبات الغربية على موسكو تأثير على الداخل الروسي بشكل أساسي وكبير ولكن تداعياته لن تشكل أي خطر على هذا النظام أو مخططاته فهو سيقمع بالقوة والعنف أي حركة احتجاجية مع الغرب الذي سيعاني ولفترة طويلة نسبيا من نتائج تلك الحرب.

إذن الدعم المطلق الذي يتلقاه الرئيس الأوكراني زيلينسكي لا يوقف تقدم القوات الروسية ولا يعيق خططها وفي نيّتها السيطرة الكاملة على الجزء الجنوبي لأوكرانيا ومنعها من النفاذ إلى البحر بالكامل لذا الخوف على أوديسا ومن ثم مولدوفا، بمصير مشابه لباقي المدن التي احتلها الجيش الروسي.

من الواضح أن هذه الحرب لها تداعيات كبيرة ومأساوية، أولها البشر والناس الذين يدفعون حياتهم ثمن هذا العبث. ثانيها المدن التي تتعرض للدمار الممنهج، ولكن لهذه الحرب تداعيات أيضا على الأمن الغذائي العالمي بما أن نسبة كبيرة من الحبوب تمر عبر الموانئ التي يسيطر عليها القيصر الروسي، أضف إلى ذلك زيادة معدلات التضخم التي تضرب العالم وأوروبا خصوصا ما يوثر على القدرة الشرائية لمواطنيها الذين بدأوا يشعرون بفقدان بعض المواد الغذائية من على رفوف المحلات كما زيادة أسعارها تبعا لزيادة أسعار المحروقات. هذا كله يحصل بعد أن عرف العالم الأزمة التي خلفتها كورونا على اقتصاداته.

كل المحللين يقولون إن الحرب ستطول وإن الدب الروسي سيغرق في المستنقع الأوكراني كما غرق قبلا في المستنقع الأفغاني. ولكن هل تجوز تلك المقارنة أو المقاربة؟ صحيح أن الأوكرانيين في معظمهم متحلقون خلف قيادتهم ولكن هناك أيضا في هذا البلد مناطق وشعوب توالي وتدعم روسيا، فلا يشعر الجندي الروسي أنه في خطر أو محيط معادٍ مثلا في الدونباس. ثم السؤال الأهم والداهم: هل يستطيع العالم تحمل تبعات الحرب هذه حتى لو وجدت أوروبا بدائل للغاز والنفط؟

هناك مكابرة ليست في مكانها. فإعلان زيلينسكي أنه سينتصر في الحرب في ظل التقدم البطيء الذي يحرزه الجيش الروسي في مقابل تراجع الجيش الأوكراني لا يشي بأن الانتصار ممكن بالرغم من كل الدعم الذي يتلقاه.

يبدو الرئيس الفرنسي ماكرون هو الأقرب إلى الواقعية والمنطق. فقد أكد أن هناك احتمالين لوقف هذه الحرب، إما انتصار أوكرانيا على روسيا، وإما المفاوضات.

من دون أي شك أن الحروب غير مستحبة والابتزاز الروسي هو الآخر غير مستحب ولكن هناك واقعا على الأرض يجب على الجميع الاعتراف به. الدعم العالمي لأوكرانيا من المال إلى السلاح إلى المعلومات الاستخبارية معطوف عليه العقوبات الخانقة على روسيا لا تستطيع توقيف الزحف الروسي بعد أربعة أشهر من بدء الاجتياح.

البديل إذن هو التفاوض مع هذا الدب.